الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


241 106 - حدثنا أبو النعمان، قال: حدثنا حماد بن زيد، عن غيلان بن جرير، عن أبي بردة، عن أبيه، قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فوجدته يستن بسواك بيده يقول: أع أع، والسواك في فيه كأنه يتهوع.

التالي السابق


مطابقة الحديث للترجمة ظاهرة.

(بيان رجاله) وهم خمسة؛ الأول أبو النعمان بضم النون محمد بن الفضل المشهور بعارم، تقدم في آخر كتاب الإيمان. الثاني: حماد بن زيد، تقدم في باب المعاصي من أمر الجاهلية. الثالث غيلان بفتح الغين المعجمة، وسكون الياء آخر الحروف ابن جرير بفتح الجيم، وبالراء المكسورة المكررة المعولي بسكون العين المهملة، وفتح الواو، وأما الميم فقال الغسائي بفتحها منسوبا إلى بطن من الأزد، وقال ابن الأثير بكسرها، مات سنة تسع وعشرين ومائة. الرابع: أبو بردة بضم الباء الموحدة، واسمه عامر. الخامس: أبوه أبو موسى الأشعري ابن عبد الله بن قيس، وقد تقدم ذكرهما في باب: أي الإسلام أفضل؟

(بيان لطائف إسناده) فيه التحديث بصيغة الجمع في موضعين، والعنعنة في ثلاثة مواضع، وفيه أن رواته ما بين بصري، وكوفي، وأبو بردة الكوفي القاضي بكوفة، وقيل: اسمه الحارث .

(بيان تعدد موضعه ومن أخرجه غيره) أخرجه البخاري هنا. وقوله: "أع أع" من أفراد البخاري، وأخرجه مسلم في الطهارة عن يحيى بن حبيب، وأبو داود فيه عن مسدد وأبي الربيع، والنسائي فيه عن أحمد بن عبدة، خمستهم عن حماد بن زيد.

(بيان لغته وإعرابه) وتفسير الاستنان قد مر، قوله: " أع أع " بضم الهمزة وبالعين المهملة كذا في رواية أبي ذر، وذكر ابن التين أن غيره رواه بفتح الهمزة، ورواه النسائي وابن خزيمة عن أحمد بن عبدة، عن حماد بتقديم العين على الهمزة، وكذا أخرجه البيهقي من طريق إسماعيل القاضي عن عارم شيخ البخاري فيه، وعن أبي داود : أه أه، بضم الهمزة، وقيل بفتحها، والهاء ساكنة، وعند ابن خزيمة : "عا عا"، وفي صحيح الجوزقي : "إح إح" بكسر الهمزة، وبالحاء المهملة، وفي مسند أحمد : "واضع طرف السواك على لسانه يستن إلى فوق"، فوصفه حماد : كان يرفع لسانه، ووصفه غيلان : كان يستن طولا، وكلها عبارة عن إبلاغ السواك إلى أقصى الحلق، و"أع" في الأصل حكاية الصوت، وفي بعض النسخ بالغين المعجمة، قاله الكرماني : قوله: " يتهوع " أي يتقيأ، وهو من باب التفعل الذي للتكلف، يقال: هاع يهوع إذا قاء من غير تكلف، فإذا تكلف يقال: تهوع، وفي الموعب: هاع الرجل يهوع هوعا وهواعا جاء القيء من غير تكلف، وأنشد:


ما هاع عمرو حين أدخل حلقه

يا صاح ريش حمامة بل قاء



[ ص: 185 ] والذي يخرج من الحلق يسمى هواعة، وهوعت ما أكلته إذا استخرجته من حلقك، وعن إسماعيل: الهوعاء مثل عشراء، من التهوع، وعن قطرب الهيعوعة من الهواع، وقال ابن سيده : الهيعوعة من بنات الواو، ولا يتوجه اللهم إلا أن يكون محذوفا، قوله: " يستن " جملة في محل النصب على أنها مفعول ثان "لوجدته"، "ووجد" من أفعال القلوب؛ لأن معناه قائم بالقلب، ويأتي "وجد" بمعنى أصاب أيضا، فإن جعل "وجدته" من هذا المعنى تكون الجملة منصوبة على الحال من الضمير المنصوب الذي في "وجدته". قوله: " بيده " الباء فيه تتعلق بمحذوف تقديره: بسواك كائن بيده، ونحو ذلك. قوله: " يقول " جملة من الفعل والفاعل في محل النصب على الحال. وقوله: "أع أع" في محل النصب على أنه مقول القول. وقوله: "والسواك في فيه" أي في فمه، ومحل هذه الجملة النصب على الحال.

(بيان استنباط الحكم) وهو أنه يدل على أن السواك سنة مؤكدة لمواظبته صلى الله عليه وسلم عليه ليلا ونهارا، وقام الإجماع على كونه مندوبا حتى قال الأوزاعي : هو شطر الوضوء، وقد جاء أحاديث كثيرة تدل على مواظبته صلى الله عليه وسلم عليه، ولكن أكثرها فيه كلام، وأقوى ما يدل على المواظبة وأصحه محافظته صلى الله عليه وسلم له حتى عند وفاته، كما جاء في البخاري من حديث عائشة رضي الله تعالى عنها، قالت: " دخل عبد الرحمن بن أبي بكر رضي الله عنهما على النبي صلى الله عليه وسلم، وأنا مسندته إلى صدري، ومع عبد الرحمن سواك رطب يستن به، فأمده رسول الله صلى الله عليه وسلم ببصره، فأخذت السواك فقضمته، وطيبته، ثم دفعته إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فاستن " الحديث، وقد اختلف العلماء فيه، فقال بعضهم: إنه من سنة الوضوء، وقال آخرون: إنه من سنة الصلاة، وقال آخرون: إنه من سنة الدين، وهو الأقوى، نقل ذلك عن أبي حنيفة، وفي الهداية أن الصحيح استحبابه، وكذا هو عند الشافعي، وقال ابن حزم : هو سنة، ولو أمكن لكل صلاة لكان أفضل، وهو يوم الجمعة فرض لازم، وحكى أبو حامد الإسفرائيني، والماوردي عن أهل الظاهر وجوبه، وعن إسحاق أنه واجب إن تركه عمدا بطلت صلاته، وزعم النووي أن هذا لم يصح عن إسحاق، وكيفيته عندنا أن يستاك عرضا لا طولا عند مضمضة الوضوء، وأخرج أبو نعيم من حديث عائشة قالت: " كان صلى الله عليه وسلم يستاك عرضا لا طولا "، وفي المغني: ويستاك على أسنانه ولسانه، ولا تقدير فيه، يستاك إلى أن يطمئن قلبه بزوال النكهة، واصفرار السن، ويأخذ السواك باليمنى، والمستحب فيه ثلاث مياه، ويكون في غلظ الخنصر، وطول الشبر، والمستحب أن يستاك بعود من أراك، وبيابس قد ندي بالماء، ويكون لينا مخرما، وفي المحيط: العلك للمرأة يقوم مقام السواك، وإذا لم يجد السواك يعالج بإصبعه، وفي حديث أنس رواه البيهقي أنه صلى الله عليه وسلم قال: " يجزئ من السواك الأصابع "، وضعفه، وفضائله كثيرة، وقد ذكرنا في شرحنا لمعاني الآثار للطحاوي ما ورد فيه عن أكثر من خمسين صحابيا.



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث