الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب إذا ذكر في المسجد أنه جنب يخرج كما هو ولا يتيمم

271 27 - حدثنا عبد الله بن محمد ، قال : حدثنا عثمان بن عمر ، قال : أخبرنا يونس ، عن الزهري ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة ، قال : أقيمت الصلاة وعدلت الصفوف قياما ، فخرج إلينا رسول الله [ ص: 224 ] صلى الله عليه وسلم ، فلما قام في مصلاه ذكر أنه جنب ، فقال لنا : مكانكم ، ثم رجع فاغتسل ، ثم خرج إلينا ورأسه يقطر ، فكبر فصلينا معه .

التالي السابق


مطابقة الحديث للترجمة ظاهرة .

( ذكر رجاله ) : وهم ستة : عبد الله بن محمد الجعفي المسندي ، تقدم في باب أمور الإيمان ، وعثمان بن عمرو بن فارس ، أبو محمد البصري ، ويونس بن يزيد ، والزهري محمد بن مسلم ، وأبو سلمة عبد الرحمن بن عوف ، تقدموا في باب الوحي .

( ذكر لطائف إسناده ) فيه التحديث بصيغة الجمع في موضعين ، والإخبار بصيغة الجمع في موضع واحد ، والعنعنة في ثلاثة مواضع . وفيه : أن رواته ما بين بصري وأيلي ومدني .

( ذكر من أخرجه غيره ) أخرجه البخاري أيضا في الصلاة عن إسحاق الكوسج ، عن محمد بن يوسف ، عن الأوزاعي به . وأخرجه مسلم في الصلاة أيضا ، عن زهير بن حرب ، عن الوليد بن مسلم ، عن الأوزاعي ، نحوه . وعن إبراهيم بن موسى ، عن الوليد بن مسلم ، به مختصرا . وأخرجه أبو داود في الطهارة عن أبي بكر بن الفضل ، عن الوليد بن مسلم ، نحو حديث زهير بن حرب . وفي الصلاة عن محمود بن خالد ، وداود بن رشيد ، كلاهما عن الوليد بن مسلم ، نحو حديث إبراهيم بن موسى . وأخرجه النسائي في الطهارة عن عمرو بن عثمان الحمصي ، عن الوليد بن مسلم ، نحوه .

( ذكر معانيه ) قوله : أقيمت الصلاة ، المراد من الإقامة ذكر الألفاظ المخصوصة المشهورة المشعرة بالشروع في الصلاة ، وهي أخت الأذان ، كذا قاله الكرماني . قلت : معناه إذا نادى المؤذن بالإقامة فأقيم المسبب مقام السبب . قوله : " وعدلت " ، أي : سويت . وتعديل الشيء تقويمه ، يقال : عدلته فاعتدل ، أي : قومته فاستقام ، وفي رواية : فعدلت الصفوف قبل أن يخرج إلينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وبين البخاري ذلك في الصلاة في رواية صالح بن كيسان أنه كان قبل أن يكبر النبي صلى الله عليه وسلم للصلاة . قوله : " قياما " ، جمع قائم كتجار بكسر التاء جمع تاجر ، ويجوز أن يكون مصدرا جاريا على حقيقته ، وقال الكرماني : فهو تمييز أو محمول على اسم الفاعل ، فهو حال . ( قلت : ) إذا كان لفظ " قياما " مصدرا يكون منصوبا على التمييز ; لأن في قوله : وعدلت الصفوف فيه إبهام فيفسره . قوله : " قياما " ، أي : من حيث القيام ، وإذا كان جمعا لقائم يكون انتصابه على الحالية ، وذو الحال محذوف تقديره : وعدل القوم الصفوف حال كونهم قائمين . قوله : " في مصلاه " ، بضم الميم ، وهو موضع صلاته . قوله : " ذكر " ، من باب الذكر بضم الذال ، وهو الذكر القلبي فلا يحتاج إلى تفسير ذكر بمعنى تذكر كما فسره بعضهم هكذا . قوله : " فقال لنا : مكانكم " ، بالنصب ، أي : الزموا مكانكم ، وقال بعضهم : وفيه إطلاق القول على الفعل ، فإن في رواية الإسماعيلي ، فأشار بيده أن مكانكم . ( قلت ) : ليس فيه إطلاق القول على الفعل ، بل القول على حاله . ورواية الإسماعيلي لا تستلزم ذلك لاحتمال الجمع بين الكلام والإشارة . ( فإن قلت : ) إذا كان القول على بابه فيكون واقعا في الصلاة ؟ ( قلت ) : ليس كذلك بل كان ذكره أنه جنب قبل أن يكبر وقبل أن يدخل في الصلاة كما ثبت في الصحيح . ( فإن قلت : ) في رواية ابن ماجه ( قام إلى الصلاة وكبر ، ثم أشار إليهم فمكثوا ، ثم انطلق فاغتسل وكان رأسه يقطر ماء فصلى بهم ، فلما انصرف قال : إني خرجت إليكم جنبا ، وإني أنسيت حتى قمت في الصلاة ) . وفي رواية الدارقطني من حديث أنس : ( دخل في صلاة فكبر وكبرنا معه ، ثم أشار إلى القوم : كما أنتم ) ، وفي رواية لأحمد من حديث علي : ( كان قائما فصلى بهم إذا انصرف ) ، وفي رواية لأبي داود من حديث أبي بكرة : ( دخل في صلاة الفجر فأومأ بيده أن مكانكم ) ، وفي رواية أخرى : ( ثم جاء ورأسه يقطر فصلى بهم ) ، وفي أخرى له مرسلة : " فكبر ، ثم أومأ إلى القوم أن اجلسوا " ، وفي مرسل ابن سيرين وعطاء والربيع بن أنس : " كبر ، ثم أومأ إلى القوم أن اجلسوا " . ( قلت ) هذا كله لا يقاوم الذي في الصحيح ، وأيضا من حديث أبي هريرة هذا : ثم رجع فاغتسل فخرج إلينا ورأسه يقطر فكبر . فلو كان كبر أولا لما كان يكبر ثانيا على أنه اختلف في الجمع بين هذه الروايات ، فقيل : أريد بقوله : كبر ، أراد أن يكبر عملا برواية الصحيح قبل أن يكبر ، وفي رواية أخرى في البخاري فانتظرنا تكبيره . وقيل : إنهما قضيتان أبداه القرطبي احتمالا ، وقال النووي : إنه الأظهر ، وأبداه ابن حبان في صحيحه ، فقال بعد أن أخرج الروايتين من حديث أبي هريرة وحديث أبي بكرة ، وهذان فعلان في موضعين متباينين خرج صلى الله عليه وسلم مرة فكبر ، ثم ذكر أنه جنب فانصرف فاغتسل ، ثم جاء فاستأنف بهم الصلاة ، وجاء مرة أخرى ، فلما وقف ليكبر ذكر أنه جنب قبل أن يكبر ، فذهب فاغتسل ، ثم رجع فأقام [ ص: 225 ] بهم الصلاة من غير أن يكون بين الخبرين تضاد ولا تهاتر . وقول أبي بكرة : فصلى بهم ، أراد بذلك بدأ بتكبير محدث ; لأنه رجع فبنى على صلاته إذ محال أنه يذهب عليه الصلاة والسلام ليغتسل ويبقى الناس كلهم قياما على حالتهم من غير إمام إلى أن يرجع ، انتهى . ولما رأى مالك هذا الحديث مخالفا لأصل الصلاة قال : إنه خاص بالنبي صلى الله عليه وسلم ، وروى بعض أصحابنا أن انتظارهم له هذا الزمن الطويل بعد أن كبروا من قبيل العمل اليسير ، فيجوز مثله . ( فإن قلت : ) كيف قلت : كبروا ؟ ( قلت : ) لأن العادة جارية بأن تكبير المأمومين يقع عقيب تكبير إمامهم ولا يؤخر ذلك إلا القليل من أهل الوسوسة ( فإن قلت : ) إذا ثبت أنه صلى الله عليه وسلم لم يكبر فكيف كبروا ؟ وأيضا فكيف أشار إليهم ولم يتكلم ؟ ولم انتظروه قياما ؟ ( قلت : ) أما تكبيرهم فعلى رواية تكبير النبي صلى الله عليه وسلم ، وأما قولك : ولم يتكلم فيرده مجيء . قوله صلى الله عليه وسلم : مكانكم ( فإن قلت : ) إذا أثبت أنه تكلم بهذه اللفظة فالإشارة لماذا ؟ ( قلت : ) يحتمل أنه جمع بين الكلام والإشارة أو يكون الراوي روى أحدهما بالمعنى ( فإن قلت : ) هل اقتصر على الإقامة الأولى أو أنشأ إقامة ثانية ؟ ( قلت ) لم يصح فيه نقل ، ولو فعله لنقل . قوله : " ثم رجع " ، أي : إلى الحجرة . قوله : " ورأسه يقطر " ، جملة اسمية وقعت حالا على أصلها بالواو ، وقوله : يقطر ، أي : من ماء الغسل ، ونسبة القطر إلى الرأس مجاز من قبيل ذكر المحل وإرادة الحال .

( ذكر استنباط الأحكام ) فيه تعديل الصفوف ، وهو مستحب بالإجماع ، وقال ابن حزم : فرض على المأمومين تعديل الصفوف ، الأول فالأول ، والتراص فيها ، والمحاذاة بالمناكب والأرجل . ( فإن قلت : ) في رواية : أقيمت الصلاة فقمنا فعدلنا الصفوف قبل أن يخرج ، فكيف هذا وقد جاء : إذا أقيمت الصلاة فلا تقوموا حتى تروني ؟ ( قلت ) : لعله كان مرة أو مرتين لبيان الجواز أو لعذر أو لعل قوله : فلا تقوموا حتى تروني بعد ذلك ( فإن قلت : ) ما الحكمة في هذا النهي ( قلت : ) لئلا يطول عليهم القيام ; ولأنه قد يعرض له عارض فيتأخر بسببه ، وقد اختلف العلماء من السلف ، فمن بعدهم متى يقوم الناس إلى الصلاة ، ومتى يكبر الإمام : فذهب الشافعي وطائفة إلى أنه يستحب أن لا يقوم أحد حتى يفرغ المؤذن من الإقامة ، وكان أنس يقوم إذا قال المؤذن : قد قامت الصلاة ، وبه قال أحمد ، وقال أبو حنيفة والكوفيون : يقومون في الصف إذا قال : حي على الصلاة ، فإذا قال : قد قامت الصلاة كبر الإمام ، وحكاه ابن أبي شيبة عن سويد بن غفلة ، وقيس بن أبي سلمة ، وحماد . وقال جمهور العلماء من السلف والخلف لا يكبر الإمام حتى يفرغ المؤذن . ( قلت ) : مذهب مالك أن السنة عنده أن يشرع الإمام في الصلاة بعد فراغ المؤذن من الإقامة ، وندائه باستواء الصف ، وعندنا يشرع عند التلفظ بقوله : قد قامت الصلاة . وقال زفر : إذا قال : قد قامت الصلاة قاموا ، وإذا قال ثانيا افتتحوا . وعن أبي يوسف أنه يشرع عقيب الفراغ من الإقامة محافظة على القول بمثل ما يقوله المؤذن ، وبه قال أحمد والشافعي . وفيه : إن الإمام إذا طرأ له ما يمنعه من التمادي استخلف بالإشارة لا بالكلام ، وهو أحد القولين لأصحاب مالك ، حكاه القرطبي . وفيه : جواز البناء في الحدث ، وهو قول أبي حنيفة رحمه الله تعالى . وفيه : جواز النسيان على الأنبياء عليهم السلام في العبادات . وفيه كما قال ابن بطال حجة لمذهب مالك وأبي حنيفة أن تكبير المأموم يقع بعد تكبير الإمام ، وهو قول عامة الفقهاء . قال : والشافعي أجاز تكبير المأموم قبل إمامه ، أي : فيما إذا أحرم منفردا ، ثم نوى الاقتداء في أثناء الصلاة ; لأنه روى حديث أبي هريرة على ما رواه مالك عن إسماعيل بن أبي الحكم عن عطاء بن يسار أنه صلى الله تعالى عليه وسلم كبر في صلاة من الصلوات ، ثم أشار إليهم بيده أن امكثوا ، فلما قدم كبر ، والشافعي لا يقول بالمرسل ، ومالك الذي رواه لم يعمل به ; لأنه الذي صح عنده أنه لم يكبر ، انتهى . ( قلت ) ذكر ابن بطال أن أبا حنيفة مع مالك غير صحيح ; لأن مذهب أبي حنيفة أن المأموم يجب عليه أن يكبر مع الإمام مقارنا . وعند أبي يوسف ومحمد يكبر بعده ، ثم قيل : الخلاف في الأفضلية . وفيه : ما استدل به البخاري على أن الجنب إذا دخل في المسجد ناسيا فذكر فيه أنه جنب يخرج ولا يتيمم ، فلذلك ذكر في الترجمة بقوله : يخرج كما هو ولا يتيمم ، وقال ابن بطال من التابعين من يقول : إن الجنب إذا نسي فدخل المسجد فإنه يتيمم ويخرج ، قال : والحديث يرد عليهم . ( قلت ) : من الذين ذهبوا إلى التيمم الثوري وإسحاق . قال : وكذا قول أبي حنيفة في الجنب المسافر يمر على مسجد فيه عين ماء ، فإنه يتيمم ويدخل المسجد فيستقي ، ثم يخرج الماء من المسجد ، وفي نوادر ابن أبي زيد من نام في المسجد ، ثم احتلم ينبغي أن يتيمم [ ص: 226 ] لخروجه ، وقال الشافعي : له العبور في المسجد من غير لبث ، كانت له حاجة أو لا . ومثله عن الحسن وابن المسيب وعمرو بن دينار وأحمد ، وعن الشافعي : له المكث فيه إذا توضأ . وقال داود والمزني : يجوز له المكث فيه مطلقا واعتبروه بالمشرك وتعلقوا بقوله صلى الله عليه وسلم : ( المؤمن لا ينجس ) وروى سعيد بن منصور في سننه بسند جيد عن عطاء : رأيت رجالا من الصحابة يجلسون في المسجد وعليهم الجنابة إذا توضؤوا للصلاة . وحديث وفد ثقيف وإنزالهم في المسجد وأهل الصفة وغيرهم كانوا يبيتون في المسجد ، وكان أحمد بن حنبل يقول : يجلس الجنب فيه ويمر فيه إذا توضأ ، ذكره ابن المنذر ، واحتج من أباح العبور بقوله تعالى : ولا جنبا إلا عابري سبيل قال الشافعي : قال بعض العلماء : القرآن معناه : لا تقربوا مواضع الصلاة وأجاب من منع بأن المراد بالآية نفس الصلاة ، وحملها على مكانها مجازا ، وحملها على عمومها ، أي : لا تقربوا الصلاة ولا مكانها على هذه الحال ، إلا أن تكونوا مسافرين فتيمموا وأقربوا ذلك وصلوا ، وقد نقل الرازي عن ابن عمر وابن عباس أن المراد بعابري السبيل المسافر يعدم الماء يتيمم ويصلي ، والتيمم لا يرفع الجنابة فأبيح لهم الصلاة تخفيفا ، وفيه طهارة الماء المستعمل ; لأنه خرج ورأسه يقطر ، وفي رواية أخرى : ينطف وهي بمعناها .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث