الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب غسل ما يصيب من رطوبة فرج المرأة

288 43 - قال : حدثنا أبو معمر ، حدثنا عبد الوارث ، عن الحسين ، قال يحيى : وأخبرني أبو سلمة ، أن عطاء بن يسار ، أخبره أن زيد بن خالد الجهني ، أخبره أنه سأل عثمان بن عفان قال : أرأيت إذا جامع الرجل امرأته فلم يمن . قال عثمان : يتوضأ كما يتوضأ للصلاة ويغسل ذكره . قال عثمان : سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فسألت عن ذلك علي بن أبي طالب ، والزبير بن العوام وطلحة بن عبيد الله ، وأبي بن كعب رضي الله عنهم ، فأمروه بذلك . قال يحيى : وأخبرني أبو سلمة ، أن عروة بن الزبير ، أخبره أن أبا أيوب أخبره ، أنه سمع ذلك من رسول الله صلى الله عليه وسلم .

التالي السابق


مطابقة الحديث للترجمة في قوله : " ويغسل ذكره " يعني إذا جامع امرأته فلم ينزل يغسل ذكره ; لأنه لا شك أصابه من رطوبة فرج المرأة .

ذكر رجاله : والمذكورون فيه أربعة عشر نفسا ، منهم سبعة من الصحابة الأجلاء ، وهم : عثمان بن عفان ، وزيد بن خالد ، وعلي بن أبي طالب ، والزبير بن العوام ، وطلحة بن عبيد الله ، وأبي بن كعب ، وأبو أيوب الأنصاري واسمه خالد بن زيد ، والسبعة الباقية : أبو معمر - بفتح الميم - عبد الله بن عمرو ، وعبد الوارث بن سعيد ، والحسين بن ذكوان المعلم ، ورواية الأكثرين عن الحسين فقط ، وفي رواية أبي ذر عن الحسين المعلم ، ويحيى بن أبي كثير ، وأبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف ، وعطاء بن يسار ضد اليمين ، وعروة بن الزبير بن العوام .

( ذكر لطائف إسناده ) فيه التحديث بصيغة الجمع في موضعين . وفيه : العنعنة في موضع واحد . وفيه : لفظ الإخبار في خمسة مواضع منها بلفظ أخبرني في موضعين ، وبلفظ أخبره في أربعة مواضع . وفيه لفظ القول في موضعين : أحدهما هو قوله : قال يحيى ، أي : قال الحسين : قال يحيى ، ولفظ قال الأولى يحذف في الخط في اصطلاحهم ، وقال الآخر : قوله : قال عثمان . وفيه : السؤال في موضعين . وفيه : السماع في موضعين . وفيه : قال يحيى ، وأخبرني هذا عطف على مقدر تقديره : قال يحيى : أخبرني بكذا وكذا ، وأخبرني بهذا ، وإنما احتجنا إلى التقدير ; لأن أخبرني مقول قال ، وهو مفعول حقيقة فلا يجوز دخول الواو بينهما ، ووقع في رواية مسلم بحذف الواو على الأصل ، وفي رواية البخاري دقة وهو الإشعار بأن هذا من جملة ما سمع يحيى من أبي سلمة ، فإن قلت : قول الحسين : قال يحيى يوهم أنه لم يسمع من يحيى ، ولذا قال ابن العربي : إنه لم يسمع من يحيى ، فلذلك قال : قال يحيى : قلت : وقع في رواية مسلم في هذا الموضع عن الحسين عن يحيى ، فإن قلت : العنعنة لا تدل صريحا على التحديث . قلت : الحسين ليس بمدلس ، وعنعنة غير المدلس محمولة على السماع على أنه قد وقع التصريح في رواية ابن خزيمة ، وفي رواية الحسين عن يحيى بالتحديث ، ولفظه : حدثني يحيى بن أبي كثير ، وأيضا لم ينفرد به الحسين ، فقد رواه عن يحيى أيضا معاوية بن سلام ، أخرجه ابن شاهين وشيبان بن عبد الرحمن ، أخرجه البخاري في باب الوضوء من المخرجين ، حدثنا سعد بن حفص ، قال : حدثنا شيبان ، عن يحيى ، عن أبي سلمة ، أن عطاء بن يسار أخبره ، أن زيد بن خالد أخبره ، أنه سأل عثمان بن عفان ... الحديث . وقد تقدم الكلام فيه .

[ ص: 252 ] ( ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره ) أخرجه البخاري هاهنا عن أبي معمر ، وفي باب الوضوء من المخرجين عن سعد بن حفص ، كما ذكرناه الآن . وأخرجه مسلم عن زهير بن حرب ، وعبد بن حميد ، وعبد الوارث بن عبد الصمد بن عبد الوارث ، ثلاثتهم عن عبد الصمد بن عبد الوارث ، عن أبيه ، عن حسين المعلم به .

( ذكر معناه ) الجهني بضم الجيم وفتح الهاء وبالنون نسبة إلى جهينة بن زيد . قوله : " فقال : أرأيت " ، أي : فقال زيد لعثمان : أرأيت . وفي بعض النسخ : قال له : أرأيت ، أي : قال زيد لعثمان . قوله : " أرأيت " ، أي : أخبرني . قوله : " فلم يمن " بضم الياء آخر الحروف من الإمناء ، أراد أنه لم ينزل المني ، وهذا أفصح اللغات . والثاني منها فتح الياء . والثالث بضم الياء مع فتح الميم وتشديد النون . قوله : " فقال عثمان : سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم . الضمير المنصوب فيه يرجع إلى ما ذكره من قوله : " يتوضأ للصلاة ويغسل ذكره " ، وذلك باعتبار المذكور ، وهذا سماع ورواية : وقوله : أو لا فتوى منه . قوله : " فسألت عن ذلك " ، أي : عمن يجامع امرأته فلم يمن ، والظاهر أن سؤاله عن علي والزبير وطلحة وأبي رضي الله تعالى عنهم استفتاء من عثمان ، وفتوى منهم لا رواية ، لكن رواه الإسماعيلي مرة بإظهار أنه رواية ، وصرح به أخرى ، ولم يذكر عليا ، ثم ذكر بعد ذلك روايات ، وقال : لم يقل أحد منهم عن النبي عليه الصلاة والسلام غير الحماني ، وليس هو من شرط هذا الكتاب . قوله : " فأمروه " ، الضمير المرفوع فيه يرجع إلى الصحابة الأربعة ، وهم : علي والزبير وطلحة وأبي بن كعب ، والضمير المنصوب فيه يرجع إلى المجامع الذي يدل عليه . قوله : " إذا جامع الرجل امرأته " ، وهذا من قبيل قوله تعالى : اعدلوا هو أقرب للتقوى أي : العدل أقرب للتقوى ، وقال بعضهم : فيه التفات ; لأن الأصل فيه أن يقول : فأمروني . قلت : ليس فيه التفات أصلا ; لأن عثمان سأل هؤلاء عن المجامع الذي لم يمن ، فأجابوا له بما أجابوا ، والكلام على أصله ; لأن قوله : فأمروه عطف على قوله : فسألت ، أي : فأمروا المجامع الذي لم يمن بذلك ، أي : بغسل الذكر والوضوء ، والإشارة ترجع إلى الجملة باعتبار المذكور . قوله : " وأخبرني أبو سلمة " ، كذا وقع في رواية أبي ذر ، ووقع في رواية الباقين قال يحيى : وأخبرني أبو سلمة ، وهذا هو المراد ; لأنه معطوف على قوله : قال يحيى : وأخبرني أبو سلمة أن عطاء بن يسار ، فيكون داخلا في الإسناد فيندفع بهذا قول من يقول : إن ظاهره معلق ، والدليل عليه أيضا ما رواه مسلم من طريق عبد الصمد بن عبد الوارث عن أبيه بالإسنادين جميعا . قوله : " أنه سمع ذلك " ، أي : أخبر أبو أيوب الأنصاري عروة بن الزبير أنه سمع ذلك ، أي : غسل الذكر والوضوء كوضوء الصلاة وتذكير الإشارة باعتبار المذكور كما قلنا آنفا مثله . وقال الدارقطني : فيه وهم ; لأن أبا أيوب لم يسمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وإنما سمعه من أبي بن كعب ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال ذلك هشام ، عن أبيه ، عن أبي أيوب ، عن أبي بن كعب . قلت : قوله : لم يسمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم نفي ، وقد جاء هذا الحديث من وجه آخر عن أبي أيوب عن النبي صلى الله عليه وسلم ، وهو إثبات ، والإثبات مقدم على النفي على أن أبا سلمة بن عبد الرحمن بن عوف أكبر قدرا وسنا وعلما من هشام بن عروة . وحديث الإثبات رواه الدارمي وابن ماجه ، فإن قلت : حكى الأثرم عن أحمد أن حديث زيد بن خالد المذكور في هذا الباب معلول ; لأنه ثبت عن هؤلاء الخمسة الفتوى بخلاف ما في هذا الحديث . قلت : كونهم أفتوا بخلافه لا يقدح في صحة الحديث ; لأنه كم من حديث منسوخ وهو صحيح فلا منافاة بينهما ، ألا ترى أن أبيا رضي الله تعالى عنه كان يرى الماء من الماء لظاهر الحديث ، ثم أخبر عنه سهل بن سعد ، أن النبي صلى الله عليه وسلم جعل الماء من الماء رخصة في أول الإسلام ، ثم نهى عن ذلك وأمره بالغسل .

وأما الذي يستنبط من حديث الباب أن الذي يجامع امرأته ولم ينزل منيه لا يجب عليه الغسل ، وإنما عليه أن يغسل ذكره ويتوضأ وضوءه للصلاة ، وهذا منسوخ لما بيناه ، ومذهب الجمهور هو أن إيجاب الغسل لا يتوقف على إنزال المني ، بل متى غابت الحشفة في الفرج وجب الغسل على الرجل والمرأة ، ولهذا جاء في رواية أخرى في ( الصحيح ) وإن لم ينزل ، وفي ( المغني ) لابن قدامة تغييب الحشفة في الفرج هو الموجب للغسل ، سواء كان الفرج قبلا أو دبرا من كل حيوان آدمي أو بهيم حيا أو ميتا طائعا أو مكرها نائما أو مستيقظا ، انتهى . وقال أصحابنا : والتقاء الختانين يوجب الغسل ، أي : مع تواري الحشفة فإن نفس ملاقاة الفرج بالفرج من غير التواري لا يوجب الغسل ، ولكن يوجب الوضوء عندهما خلافا لمحمد ، وفي ( المحيط ) : لو أتى امرأته وهي بكر فلا غسل ما لم ينزل ; لأن ببقاء البكارة يعلم أنه لم يوجد الإيلاج ، ولكن إذا جومعت البكر فيما دون الفرج فحبلت فعليهما الغسل لوجود الإنزال ; لأنه لا حبل بدونه ، وقال أبو حنيفة : [ ص: 253 ] لا يجب الغسل بوطء البهيمة أو الميتة إلا بإنزال .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث