الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب قراءة الرجل في حجر امرأته وهي حائض

293 4 - حدثنا أبو نعيم الفضل بن دكين ، سمع زهيرا ، عن منصور بن صفية : أن أمه حدثته أن عائشة حدثتها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتكئ في حجري وأنا حائض ، ثم يقرأ القرآن .

التالي السابق


قال صاحب التوضيح : وجه مناسبة إدخال حديث عائشة فيه أن ثيابها بمنزلة العلاقة ، والشارع بمنزلة المصحف ، لأنه في جوفه ، وحامله إذ غرض البخاري بهذا الباب الدلالة على جواز حمل الحائض المصحف وقراءتها القرآن ، فالمؤمن الحافظ له أكبر أوعيته .

قلت : ليس في الحديث إشارة إلى الحمل ، وفيه الاتكاء ، والاتكاء غير الحمل ، وكون الرجل في حجر الحائض لا يدل على جواز الحمل ، وغرض البخاري الدلالة على جواز القراءة بقرب موضع النجاسة لا على جواز حمل الحائض للمصحف ، وبهذا رد الكرماني على ابن بطال في قوله : وغرض البخاري في هذا الباب أن يدل على جواز حمل الحائض للمصحف وقراءتها القرآن . قلت : رده عليه إنما يستقيم في قوله : ( وقراءتها القرآن ) ; لأنه ليس في الحديث ما يدل على جواز قراءة الحائض القرآن ، والذي فيه يدل على جواز قراءة القرآن في حجر الحائض ، وعلى جواز حمل المصحف لها بعلاقته ، فأورد حديثا وأثرا [ ص: 262 ] فالحديث يدل على الأول ، والأثر يدل على الثاني ، ولكنه غير مطابق للترجمة ، وكل ما كان من هذا القبيل فيه تعسف ولا يقرب من الموافقة إلا بالجر الثقيل .

( ذكر رجاله ) وهم خمسة ، الأول أبو نعيم . الثاني زهير بن معاوية بن خديج الجعفي . الثالث منصور بن صفية بنت شيبة ، وأبو منصور عبد الرحمن الحجبي العبدري المكي كان يحجب البيت ، وهو شيخ كبير ، وإنما نسب منصور إلى أمه ; لأنه اشتهر بها ، ولأنه روى عنها ، الرابع صفية بنت شيبة ، الخامس عائشة رضي الله تعالى عنها .

( بيان لطائف إسناده )

فيه التحديث بصيغة الجمع في موضع واحد وبصيغة الإفراد في موضعين ، وفيه السماع في موضع واحد ، والعنعنة كذلك ، وفيه أن رواته ما بين كوفي ومكي .

( ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره )

أخرجه البخاري أيضا في التوحيد ، عن قبيصة ، عن سفيان الثوري ، وأخرجه مسلم في الطهارة ، عن يحيى بن يحيى ، عن داود بن عبد الرحمن المكي ، وأخرجه أبو داود فيه عن محمد بن كثير عن سفيان الثوري ، وأخرجه النسائي فيه عن إسحاق بن إبراهيم وعلي بن حجر كلاهما عن سفيان بن عيينة ، وأخرجه ابن ماجه ، عن محمد بن يحيى ، عن عبد الرزاق ، عن سفيان الثوري ، أربعتهم عن منصور بن عبد الرحمن به .

( ذكر معناه وغيره )

قوله : ( يتكئ في حجري ) ، قال القرطبي : كذا صوابه ، ووقع في رواية العذري : حجرتي ، بتاء مثناة من فوق ، وهو وهم .

قوله : ( يتكئ ) بالهمزة من باب الافتعال ، أصله يوتكئ ، قلبت الواو تاء ، وأدغمت التاء في التاء ، وثلاثيه وكأ ، وهي جملة في محل النصب ; لأنها خبر كان .

قوله : ( وأنا حائض ) ، جملة اسمية وقعت حالا ، قال الكرماني : إما من فاعل يتكئ ، وإما من المضاف إليه ، وهو ياء المتكلم .

قلت : من فاعل يتكئ لا وجه له على ما لا يخفى ، وما هي إلا من ياء المتكلم : في حجري ، ولا يمنع وقوع الحال من المضاف إليه إذا كان بين المضاف والمضاف إليه شدة الاتصال ، كما في قوله تعالى : واتبع ملة إبراهيم حنيفا وكلمة "في" في قوله : ( في حجري ) ، بمعنى على ، كما في قوله تعالى : ولأصلبنكم في جذوع النخل أي على جذوع النخل ، فإن قلت : ما فائدة العدول عنه ؟ قلت : لبيان التمكن فيه كتمكن المظروف في الظرف .

قوله : ( فيقرأ القرآن ) ، وفي رواية البخاري في التوحيد : كان يقرأ القرآن ورأسه في حجري وأنا حائض ، فعلى هذا المراد بالاتكاء وضع رأسه في حجرها . وقال ابن دقيق العيد : في هذا القول إشارة إلى أن الحائض لا يقرأ القرآن ; لأن قراءتها لو كانت جائزة لما توهم امتناع القراءة في حجرها حتى احتيج إلى التنصيص عليها ، وفيه جواز ملامسة الحائض لأنها طاهرة ، وفيه جواز القراءة بقرب محل النجاسة ، قاله النووي .

قلت : فيه نظر لأن الحائض طاهرة والنجاسة هو الدم ، وهو غير طاهر في كل وقت من أوقات الحيض ، فعلى هذا لا يكره قراءة القرآن ، بحذاء بيت الخلاء ، ومع هذا ينبغي أن يكره تعظيما للقرآن ; لأن ما قرب إلى الشيء يأخذ حكمه ، وفيه جواز استناد المريض في صلاته إلى الحائض إذا كانت ثيابها طاهرة قاله القرطبي ، وفيه نظر .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث