الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب أحب الدين إلى الله أدومه

43 1 - (حدثنا محمد بن المثنى، حدثنا يحيى عن هشام قال: أخبرني أبي عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل عليها وعندها امرأة، قال: من هذه؟ قالت: فلانة تذكر من صلاتها، قال: مه، عليكم بما تطيقون، فوالله لا يمل الله حتى تملوا، وكان أحب الدين إليه ما داوم عليه صاحبه).

التالي السابق


مطابقة الحديث للترجمة ظاهرة وهي قوله " وكان أحب الدين إليه ما داوم عليه صاحبه " غير أنه غير لفظ ما داوم عليه، ولكنه في المعنى مثله; ولهذا قال في الترجمة إلى الله بدل إليه، وهي رواية المستملي وحده، وكذا في رواية عبدة عن هشام، وعند إسحاق بن راهويه في مسنده، وكذا للبخاري ومسلم من طريق أبي سلمة عن عائشة رضي الله عنها، وهذه الروايات توافق الترجمة [ ص: 256 ] (بيان رجاله) وهم خمسة: الأول: أبو موسى محمد بن المثنى البصري المعروف بالزمن، وقد مر في باب حلاوة الإيمان.

الثاني: يحيى بن سعيد القطان الأحول، وقد مر في باب من الإيمان أن يحب لأخيه.

الثالث: هشام بن عروة.

الرابع: أبوه عروة بن الزبير بن العوام، وقد مر ذكرهما في الحديث الثاني من الصحيح.

الخامس: أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها، وقد مر ذكرها أيضا غير مرة.

(بيان تعدد موضعه ومن أخرجه غيره) أخرجه البخاري أيضا في كتاب الصلاة، وقال فيه: (كانت عندي امرأة من بني أسد)، وسماها مسلم لكن قال فيه: (إن الحولاء بنت تويت بن حبيب بن أسد بن عبد العزى مرت بها، وعندها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: هذه الحولاء بنت تويت، وزعموا أنها لا تنام الليل، فقال عليه الصلاة والسلام: خذوا من العمل ما تطيقون، فوالله لا يسأم الله حتى تسأموا)، وذكره مالك في الموطأ وفيه: (فقيل له هذه الحولاء لا تنام الليل فكره ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى عرفت الكراهية في وجهه)، وذكره مسلم من رواية الزهري عن عروة ثم ذكر حديث هشام عن أبيه عروة كما أورده البخاري هنا، وفي الصلاة وفيه: (أنه عليه السلام دخل عليها، وعندها امرأة)، وأخرجه النسائي في الإيمان والصلاة عن شعيب بن يوسف النسائي عن يحيى بن سعيد به، فإن قلت: قوله " وعندها امرأة " هي الحولاء أو غيرها. قلت: يحتمل أن تكون هذه واقعة أخرى إحداهما أنها مرت بها والأخرى كانت عندها، ويحتمل أن تكون غيرها لكن قول البخاري، وعندي امرأة من بني أسد يدل على أنها الحولاء بنت تويت، ولكن الظاهر أن القصة واحدة دلت عليها رواية محمد بن إسحاق عن هشام في هذا الحديث: (مرت برسول الله عليه السلام الحولاء)، أخرجه محمد بن نصر في كتاب (قيام الليل).

وجه التوفيق أن يحمل على أنها كانت أولا عند عائشة رضي الله عنها فلما قدم النبي صلى الله عليه وسلم قامت المرأة لتخرج فمرت به في خلال ذهابها فسأل عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فبهذا اتفقت الروايات، والحولاء بالحاء المهملة تأنيث الأحول و " تويت " بضم التاء المثناة من فوق وفتح الواو وسكون الياء آخر الحروف، وفي آخره تاء مثناة من فوق أيضا وكانت الحولاء امرأة صالحة عابدة مهاجرة رضي الله عنها.

(بيان اللغات); قوله " فلانة " أي الحولاء الأسدية وهي غير منصرفة لأن حكمها حكم أعلام الحقائق كأسامة لأنها كناية عن كل علم مؤنث للأناس المؤنثة، ففيها العلمية والتأنيث; قوله " مه " بفتح الميم وسكون الهاء، وهي اسم سمي به الفعل وبنيت على السكون ومعناه اكفف، فإن وصلت نونته فقلت " مه مه "، ويقال مهمهت به أي زجرته، وقال التيمي: إذا دخله التنوين كان نكرة وإذا حذف كان معرفة، وهذا القسم من أقسام التنوين الذي يختص بالدخول على النكرة ليفصل بينها وبين المعرفة، فالمعرفة غير منون والنكرة منون; قوله " عليكم " أيضا من أسماء الأفعال أي الزموا من الأعمال ما تطيقون الدوام عليه; قوله " لا يمل الله " من الملالة وهي السآمة والضجر، وفي (الفصيح) في باب فعلت: مللت من الشيء أمل، وفي (المحكم): مللت الشيء مللا وملالا وملالة وأملني وأمل علي أبرمني، ورجل ملول وملالة وملولة وذو ملة، والأنثى ملول وملولة، وملول على المبالغة، وفي (الجامع) فأنت مال; قوله " أحب الدين " أي أحب الطاعة، ومنه في الحديث في صفة الخوارج: (يمرقون من الدين) أي من طاعة الأئمة، ويجوز أن يكون فيه حذف تقديره أحب أعمال الدين، وقال التيمي: فإن قلت: المراد بيمرقون من الدين من الإيمان لأنه ورد في رواية أخرى: (يمرقون من الإسلام)، قلت: الخوارج غير خارجين من الدائرة بالاتفاق فيحمل الإسلام على الاستسلام الذي هو الانقياد والطاعة; قوله " داوم " من المداومة وهي المواظبة، قال الجوهري: المداومة على الأمر المواظبة عليه، وثلاثيه " دام " الشيء يدوم ويدام دوما ودواما وديمومة، وأدامه غيره، ودام الشيء سكن.

(بيان الإعراب); قوله " دخل عليها " جملة في محل الرفع على أنها خبر أن; قوله " وعندها امرأة " جملة اسمية وقعت حالا; قوله " قال " هكذا بغير فاء رواية الأصيلي، وفي رواية غيره " فقال " بالفاء العاطفة، ووجه الأول أن تكون جملة استثنائية أعني جواب سؤال مقدر، فكأن قائلا يقول: ماذا قال حين دخل؟ قالت: قال: من هذه، فقوله [ ص: 257 ] من مبتدأ وهذه خبره، والجملة مقول القول، قوله: "قالت" أي عائشة فعل وفاعل، قوله: "فلانة" مرفوع لأنه خبر مبتدأ محذوف أي هي فلانة أي الحولاء الأسدية، "تذكر" بفتح التاء المثناة من فوق فعل مضارع للمؤنث، وفاعله عائشة رضي الله عنها، ويروى: "يذكر" بالياء آخر الحروف المضمومة على فعل ما لم يسم فاعله، وقوله: "من صلاتها" في محل الرفع مفعول ناب عن الفاعل والمعنى: يذكرون أن صلاتها كثيرة، وفي رواية أحمد عن يحيى القطان: "لا تنام تصلي" وعلى الوجه الأول هي في محل النصب على المفعولية، قوله: "مه" مقول القول، قوله: "بما تطيقون" ، وفي رواية: "ما تطيقون" بغير الباء ومعناه: ما تطيقون الدوام عليه وإنما قدرنا دوام الفعل لا أصل الفعل لدلالة السياق عليه، قوله: "فوالله" مجرور بواو القسم، قوله: "لا يمل الله" فعل وفاعل، قوله: "حتى تملوا" أي حتى أن تملوا فأن مقدرة ولهذا نصبت تملوا، قوله: "أحب الدين" كلام إضافي مرفوع لأنه اسم كان، قوله: "إليه" أي إلى الله، قوله: "ما داوم عليه صاحبه" في محل النصب لأنه خبر كان وصاحبه مرفوع بـ داوم، أو كلمة "ما" للمدة والتقدير: مدة دوام صاحبه عليه.

"بيان المعاني" قوله: "مه" زجر كما ذكرنا ولكن يحتمل أن يكون لعائشة والمراد نهيها عن مدح المرأة ويحتمل أن يكون المراد النهي عن تكلف عمل لا يطاق به، ولهذا قال بعده: "عليكم من العمل ما تطيقون"، وقال ابن التين: لعل عائشة أمنت عليها الفتنة، فلذلك مدحتها في وجهها، قلت: جاء في رواية حماد بن سلمة عن هشام في هذا الحديث ما يدل على أنها إنما ذكرت ذلك بعد أن خرجت المرأة أخرجها الحسن بن سفيان في مسنده من طريقه ولفظه: "كانت عندي امرأة فلما قامت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من هذه يا عائشة؟ قلت: يا رسول الله، هذه فلانة، وهي أعبد أهل المدينة"، قوله: "من العمل" يحتمل أن يريد به صلاة الليل لوروده على سببه، ويحتمل أن يحمل على جميع الأعمال قاله الباجي، قوله: "بما تطيقون" قال القاضي: يحتمل الندب إلى تكلف ما لنا به طاقة، ويحتمل النهي عن تكلف ما لا نطيق والأمر بالاقتصار على ما نطيق قال: وهو أنسب للسياق، قوله: "عليكم من العمل بما تطيقون" فيه عدول عن خطاب النساء إلى خطاب الرجال وكان الخطاب للنساء فيقتضي أن يقال: عليكن، ولكن لما طلب تعميم الحكم لجميع الأمة غلب الذكور على الإناث في الذكر، قوله: "فوالله لا يمل الله حتى تملوا" فيه المشاكلة والازدواج وهو أن يكون إحدى اللفظتين موافقة للأخرى وإن خالفت معناها كما قال تعالى: فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه معناه: فجازوه على اعتدائه، فسماه اعتداء، وهو عدل لتزدوج اللفظة الثانية مع الأولى، ومنه قوله تعالى: وجزاء سيئة سيئة مثلها وقال الشاعر وهو عمرو بن كلثوم:


ألا لا يجهلن أحد علينا فنجهل فوق جهل الجاهلينا



أراد: فنجازيه على فعله، فسماه جهلا، والجهل لا يفخر به ذو عقل، ولكنه على الوجه الذي ذكرناه، والحاصل أن الملال، لا يجوز على الله تعالى ولا يدخل تحت صفاته لأنه ترك الشيء استثقالا وكراهية له بعد حرص ومحبة فيه، وهو من صفات المخلوق فلا بد من تأويل، واختلف العلماء فيه فقال الخطابي: معناه أنه لا يترك الثواب على العمل ما لم يذكر العمل وذلك أن من مل شيئا تركه، فكنى عن الترك بالملال الذي هو سبب الترك، وقال ابن قتيبة: معناه أنه لا يمل إذا مللتم، قال: ومثاله قولهم في البليغ: فلان لا ينقطع حتى تنقطع خصومه معناه: لا ينقطع إذا انقطعت خصومه، ولو كان لم يكن له فضل على غيره، وقال بعضهم: ومعناه أن الله لا يتناهى حقه عليكم في الطاعة حتى يتناهى جهدكم قبل ذلك فلا تكلفوا ما لا تطيقون من العمل، كنى بالملال عنه لأن من تناهت قوته عن أمر وعجز عن فعله مله وتركه، وقال التيمي: معناه أن الله لا يمل أبدا مللتم أنتم أو لم تملوا نحو قولهم: لا أكلمك حتى يشيب الغراب، ولا يصح التشبيه لأن شيب الغراب ليس ممكنا عادة بخلاف ملل العباد، وحكى الماوردي أن حتى هاهنا بمعنى حين أو بمعنى الواو، وهذا ضعيف جدا.

"بيان استنباط الأحكام" الأول: فيه دلالة على استعمال المجاز وهو إطلاق الملل على الله تعالى، الثاني: فيه جواز الحلف من غير استحلاف، وأنه لا كراهة فيه إذا كان فيه تفخيم أمر أو حث على طاعة أو تنفير عن محذور ونحوه، وقال أصحاب الشافعي: يكره اليمين إلا في مواضع منها ما ذكرنا، ومنها إذا كانت في دعوى فلا تكره إذا كان صادقا، الثالث: [ ص: 258 ] فيه فضيلة الدوام على العمل والحث على العمل الذي يدوم، والعمل القليل الدائم خير من الكثير المنقطع لأن بدوام القليل تدوم الطاعة والذكر والمراقبة والنية والإخلاص، والإقبال على الله سبحانه وتعالى، ويثمر القليل الدائم بحيث يزيد على الكثير المنقطع أضعافا كثيرة، الرابع: فيه بيان شفقة النبي صلى الله عليه وسلم ورأفته بأمته لأنه أرشدهم إلى ما يصلحهم وهو ما يمكنهم الدوام عليه بلا مشقة لأن النفس تكون فيه أنشط، ويحصل منه مقصود الأعمال وهو الحضور فيها والدوام عليها بخلاف ما يشق عليه، فإنه تعرض لأن يترك كله أو بعضه أو يفعله بكلفة، فيفوته الخير العظيم، وقال أبو الزناد والمهلب: إنما قاله عليه السلام خشية الملال اللاحق، وقد ذم الله من التزم فعل البر ثم قطعه بقوله: ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم إلا ابتغاء رضوان الله فما رعوها حق رعايتها ألا ترى أن عبد الله بن عمرو ندم على مراجعة النبي صلى الله عليه وسلم بالتخفيف عنه لما ضعف ومع ذلك لم يقطع الذي التزمه، الخامس: فيه دليل للجمهور على أن صلاة جميع الليل مكروهة، وعن جماعة من السلف: لا بأس به، قال النووي، وقال القاضي: كرهه مالك مرة، وقال: لعله يصح مغلوبا، وفي رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة ثم قال: لا بأس به ما لم يضر ذلك بصلاة الصبح، وإن كان يأتيه الصبح وهو نائم فلا، وإن كان به فتور وكسل فلا بأس به.



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث