الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب سؤال جبريل النبي صلى الله عليه وسلم عن الإيمان والإسلام والإحسان وعلم الساعة

50 1- (حدثنا مسدد، قال: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم، أخبرنا أبو حيان التيمي، عن أبي زرعة، عن أبي هريرة قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم بارزا يوما للناس فأتاه جبريل فقال: ما الإيمان؟ قال: الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وبلقائه ورسله وتؤمن بالبعث، قال: ما الإسلام؟ قال: الإسلام أن تعبد الله ولا تشرك به وتقيم الصلاة، وتؤدي الزكاة المفروضة وتصوم رمضان، قال: ما الإحسان؟ [ ص: 283 ] قال: أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك، قال: متى الساعة؟ قال: ما المسؤول عنها بأعلم من السائل، وسأخبرك عن أشراطها، إذا ولدت الأمة ربها، وإذا تطاول رعاة الإبل البهم في البنيان في خمس لا يعلمهن إلا الله، ثم تلا النبي صلى الله عليه وسلم: إن الله عنده علم الساعة الآية، ثم أدبر فقال: ردوه فلم يروا شيئا، فقال: هذا جبريل جاء يعلم الناس دينهم)

التالي السابق


مطابقة الحديث للترجمة ظاهرة.

(بيان رجاله) وهم خمسة الأول: مسدد بن مسرهد، وقد مر ذكره في باب من الإيمان أن يحب لأخيه، الثاني: إسماعيل بن إبراهيم بن سهم بن مقسم أبو بشر مولى بني أسد بن خزيمة المشهور بابن علية بضم العين وفتح اللام وتشديد الياء وكانت امرأة عاقلة نبيلة وكان صالح المزي ووجوه أهل البصرة وفقهاؤها يدخلون عليها فتبرز لهم وتحادثهم وتسائلهم، وقد مر ذكره في باب حب الرسول من الإيمان، الثالث أبو حيان بفتح الحاء المهملة وتشديد الياء آخر الحروف، واسمه يحيى بن حيان الكوفي التيمي، قال أحمد بن عبد الله: هو ثقة صالح بر صاحب سنة مات سنة خمس وأربعين ومائة، روى له الجماعة ونسبته إلى تيم الرباب وحيان إما مشتق من الحياة فلا ينصرف أو من الحين فينصرف، الرابع أبو زرعة هرم بن عمرو بن جرير البجلي تقدم ذكره في باب الجهاد من الإيمان، الخامس أبو هريرة.

(بيان لطائف إسناده) منها أن فيه التحديث والعنعنة، ومنها أن إسماعيل بن إبراهيم قد ذكره البخاري في باب حب الرسول من الإيمان بنسبته إلى أمه حيث قال: حدثنا يعقوب بن إبراهيم، حدثنا ابن علية، عن عبد العزيز وذكره هاهنا باسم أبيه، وهذا دليل على كمال ضبط البخاري، وأمانته حيث نقل لفظ الشيوخ بعينه فأداه كما سمعه، ومنها أن فيه أبا حيان وهو غير تابعي، وقد روى عنه تابعيان كبيران أيوب والأعمش.

(بيان تعدد موضعه ومن أخرجه غيره) أخرجه هاهنا عن مسدد عن إسماعيل، وفي التفسير عن إسحاق بن إبراهيم عن جرير كلاهما عن أبي حيان به، وفي الزكاة مختصرا عن عبد الرحيم عن عقيل، عن زهير، عن أبي حيان، وأخرجه مسلم في الإيمان عن أبي بكر بن أبي شيبة، وزهير بن حرب، كلاهما عن إسماعيل بن علية، وعن محمد بن عبد الله بن نمير، عن محمد بن بشر، عن أبي حيان، وعن زهير، عن جرير، عن عمارة كلاهما عن أبي زرعة، وأخرجه ابن ماجه في السنة بتمامه وفي الفتن ببعضه، عن أبي بكر بن أبي شيبة، وأخرجه أبو داود في السنة عن عثمان، عن جرير، عن أبي فروة الهمداني، عن أبي زرعة، عن أبي ذر، وأبي هريرة، وأخرجه النسائي في الإيمان، عن محمد بن قدامة، عن جرير به، وفي العلم عن إسحاق بن إبراهيم، عن جرير مختصرا من غير ذكر سؤال السائل، وقد أخرجه مسلم من حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه، ولم يخرجه البخاري لاختلاف فيه على بعض رواته فمشهوره رواية كهمس بن الحسن، عن عبد الله، عن بريدة بن يحيى بن يعمر بفتح الياء آخر الحروف وسكون العين المهملة وفتح الميم عن عبد الله بن عمر عن أبيه عمر بن الخطاب رضي الله عنهما، وأخرجه مسلم في الإيمان، وأخرجه أبو داود أيضا في السنة عن عبيد الله بن معاذ به، وعن مسدد، عن يحيى بن سعيد به، وعن محمود بن خالد عن الفريابي، عن سفيان، عن علقمة بن مرثد، عن سليمان بن بريدة، عن يحيى بن يعمر بهذا الحديث يزيد وينقص، وأخرجه الترمذي في الإيمان عن: أبي عمار الحسين بن حريث الخزاعي، عن وكيع به، وعن محمد بن المثنى، عن معاذ بن معاذ به، وعن أحمد بن محمد، عن ابن المبارك، عن كهمس به، وقال: حسن صحيح، وأخرجه النسائي في الإيمان عن إسحاق بن إبراهيم، عن النضر بن شميل، عن كهمس به، وأخرجه ابن ماجه في السنة عن علي بن محمد، عن وكيع به، قلت: رواه عن كهمس جماعة من الحفاظ وتابعه مطر الوراق عن عبيد الله بن بريدة، وأخرجهما أبو عوانة في صحيحه، وسليمان التيمي عن يحيى بن يعمر أخرجهما ابن خزيمة في صحيحه، وكذا رواه عثمان بن عثمان، وعبد الله بن بريدة لكنه قال: يحيى بن يعمر وحميد بن عبد الرحمن معا عن ابن عمر، عن عمر رضي الله عنه، وأخرجه أحمد في مسنده، وقد خالفهم سليمان بن بريدة أخو عبد الله، فرواه عن يحيى بن يعمر، عن عبد الله بن عمر، قال: "بينما نحن عند النبي صلى الله عليه وسلم" فجعله من مسند ابن عمر لا من روايته عن أبيه، وأخرجه أحمد أيضا، وكذا رواه أبو نعيم في الحلية من طريق عطاء الخراساني.

[ ص: 284 ] عن يحيى بن يعمر، وكذا روى من طريق عطاء بن أبي رباح عن عبد الله بن عمر أخرجهما الطبراني، وفي الباب عن أنس رضي الله عنه أخرجه البزار بإسناد حسن، وعن جرير البجلي أخرجه أبو عوانة في صحيحه، وعن ابن عباس، وأبي عامر الأشعري أخرجهما أحمد بإسناد حسن.

(بيان اختلاف الروايات فيه) قوله: "كان النبي صلى الله عليه وسلم بارزا يوما للناس" وفي رواية أبي داود عن أبي فروة: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجلس بين أصحابه فيجيء الغريب فلا يدري أيهم هو حتى يسأل، فطلبنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نجعل له مجلسا يعرفه الغريب إذا أتاه، قال: فبنينا له دكانا من طين يجلس عليه، وكنا نجلس بجنبته" واستنبط منه القرطبي استحباب جلوس العالم بمكان يختص به، ويكون مرتفعا إذا احتاج لذلك لضرورة تعليم ونحوه، قوله: "فأتاه رجل" ، وفي التفسير للبخاري: "إذ أتاه رجل يمشي" وفي رواية النسائي عن أبي فروة: "فإنا لجلوس عنده إذ أقبل رجل أحسن الناس وجها وأطيب الناس ريحا، كأن ثيابه لم يمسها دنس"، وفي رواية مسلم من طريق كهمس من حديث عمر رضي الله عنه: "بينما نحن ذات يوم عند رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر"، وفي رواية ابن حبان: "شديد سواد اللحية لا يرى عليه أثر السفر ولا يعرفه منا أحد حتى جلس إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأسند ركبتيه إلى ركبتيه، ووضع كفيه على فخذيه"، ولسليمان التيمي: "ليس عليه سحناء سفر، وليس من البلد فتخطى حتى برك بين يدي النبي عليه السلام كما يجلس أحدنا في الصلاة ثم وضع يده على ركبتي النبي عليه السلام"، قلت: "السحناء" بفتح السين والحاء المهملتين والنون وهي الهيئة وكذلك السحنة بالتحريك، قال أبو عبيدة: لم أسمع أحدا يقولها أعني السحناء بالتحريك غير الفراء، قوله: "فقال: ما الإيمان؟" وزاد البخاري في التفسير: "فقال: يا رسول الله، ما الإيمان؟"، قوله: "أن تؤمن بالله وملائكته وبلقائه ورسله" ، وفي رواية الأصيلي: واتفقت الرواة على ذكرها في التفسير، قوله: "وبلقائه" كذا وقعت هنا بين الكتب والرسل وكذا لمسلم من الطريقين، ولم يقع في بقية الروايات، ووقع في حديثي أنس وابن عباس: "وبالموت وبالبعث بعد الموت"، قوله: "ورسله" وفي رواية الأصيلي: "وبرسوله" ووقع في حديث أنس، وابن عباس رضي الله عنهم: "والملائكة والكتاب والنبيين، وكذا في رواية النسائي عن أبي ذر، وعن أبي هريرة، قوله: "وتؤمن بالبعث" زاد البخاري في التفسير: "وبالبعث الآخر" وفي رواية مسلم في حديث عمر رضي الله عنه: "واليوم الآخر" وزاد الإسماعيلي في مستخرجه هنا: "وتؤمن بالقدر" وهي رواية أبي فروة أيضا، وفي رواية كهمس، وسليمان التيمي: "وتؤمن بالقدر خيره وشره"، وكذا في حديث ابن عباس، وكذا لمسلم في رواية عمارة بن القعقاع، وأكده بقوله في رواية عطاء، عن ابن عمر بزيادة: "حلوه ومره في الله"، قوله: "وتصوم رمضان" وفي حديث عمر رضي الله عنه: "وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلا"، وكذا في حديث أنس في رواية عطاء الخراساني لم يذكر الصوم، وفي حديث أبي عامر ذكر الصلاة والزكاة فحسب، ولم يذكر في حديث ابن عباس غير الشهادتين، وفي رواية سليمان التيمي ذكر الجميع، وزاد بعد قوله: "وتحج البيت وتعتمر وتغتسل من الجنابة وتتم الوضوء" وفي رواية مطر الوراق: "وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة"، وفي رواية مسلم: "وتقيم الصلاة المكتوبة"، قوله: "أن تعبد الله كأنك تراه"، وفي رواية عمارة بن القعقاع: "أن تخشى الله كأنك تراه"، وفي رواية أبي فروة: "فإن لم تره فإنه يراك"، قوله: "ما المسؤول عنها بأعلم من السائل"، وفي رواية أبي فروة: "فنكس فلم يجبه ثم أعاد فلم يجبه شيئا ثم رفع رأسه قال: ما المسئول "، قوله: "سأخبرك" وفي التفسير: "سأحدثك"، قوله: "عن أشراطها" ، وفي حديث عمر رضي الله عنه: "قال: فأخبرني عن أماراتها" وفي رواية أبي فروة: "ولكن لها علامات تعرف بها"، وفي رواية سليمان التيمي: "ولكن إن شئت عن أشراطها قال: أجل"، ونحوه في حديث ابن عباس وزاد: "فحدثني"، قوله: "إذا ولدت الأمة ربها"، وفي التفسير: "ربتها" بتاء التأنيث، وكذا في حديث عمر رضي الله عنه، وفي رواية: "إذا ولدت الأمة بعلها" يعني السراري، وفي رواية عمارة: "إذا رأيت الأمة تلد ربتها"، ونحوه لأبي فروة، وفي رواية عثمان بن غياث: "إذا ولدت الإماء أربابهن" بلفظ الجمع، قوله: "رعاة الإبل البهم" بضم الباء الموحدة، وفي رواية الأصيلي: بفتحها، وفي رواية مسلم: "رعاء البهم"، وفي رواية: " وأن ترى الحفاة العراة العالة رعاء الشاء يتطاولون في البنيان"، وزاد الإسماعيلي في رواية: "الصم البكم" قوله: "في خمس" ، وفي حديث ابن عباس رضي الله عنهما: "سبحان الله خمس"، وفي رواية عطاء الخراساني قال: "فمتى الساعة قال: هي في خمس من الغيب لا يعلمها إلا الله"، قوله: "والآية" [ ص: 285 ] وفي رواية الإسماعيلي: "وتلا الآية إلى آخر السورة"، وفي رواية مسلم "إلى قوله: خبير"، وكذا في رواية أبي فروة، ووقع للبخاري في التفسير: "إلى الأرحام"، قوله: "فقال: ردوه" ، وزاد في التفسير: "فأخذوا ليردوه فلم يروا شيئا"، قوله: "جاء يعلم" ، وفي التفسير: "ليعلم" وفي رواية الإسماعيلي: "أراد أن تعلموا إذ لم تسألوا"، ومثله لعمارة، وفي رواية أبي فروة: "والذي بعث محمدا بالحق ما كنت بأعلم به من رجل منكم وإنه لجبريل" وفي حديث أبي عامر: "ثم ولى فلم نر طريقه"، قال النبي عليه السلام: "سبحان الله هذا جبريل جاء ليعلم الناس دينهم، والذي نفس محمد بيده ما جاءني قط إلا وأنا أعرفه إلا أن تكون هذه المرة"، وفي رواية سليمان التيمي: "ثم نهض فولى فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: علي بالرجل، فطلبناه كل مطلبة فلم يقدر عليه، فقال: هل تدرون من هذا؟ هذا جبريل عليه السلام أتاكم ليعلمكم دينكم خذوا عنه، فوالذي نفسي بيده ما اشتبه علي منذ أتاني قبل مرتي هذه، وما عرفته حتى ولى"، وفي حديث عمر رضي الله عنه: "قال: ثم انطلق فلبث مليا، ثم قال: يا عمر، أتدري من السائل؟ قلت: الله ورسوله أعلم، قال: فإنه جبريل أتاكم ليعلمكم دينكم"، هذا لفظ مسلم، وفي رواية الترمذي قال عمر رضي الله عنه: "فلقيني رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ثلاث فقال: يا عمر، هل تدري من السائل" الحديث، وأخرجه أبو داود بنحوه، وفيه: "فلبثت ثلاثا"، وفي رواية أبي عوانة: "فلبثنا ليالي فلقيني رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ثلاث"، وفي رواية ابن حبان: "بعد ثالثة" وفي رواية ابن منده: "بعد ثلاثة أيام".

(بيان اللغات) قوله: "كان النبي صلى الله عليه وسلم بارزا يوما للناس" أي ظاهرا لهم، وجالسا معهم غير محتجب، والبروز الظهور، وقال ابن سيده: برز يبرز بروزا خرج إلى البراز، وهو الفضاء، وبرزه إليه، وأبرزه، وكلما ظهر بعد خفاء فقد برز قال تعالى: وترى الأرض بارزة قال الهروي: أي ظاهرة ليس فيها مستظل ولا متفيأ، وفي الأفعال لابن طريف: برز الشيء برزا، ذكره عنه صاحب الواعي، قوله: "فأتاه رجل" أي ملك في صورة رجل، قوله: "وملائكته" جمع ملك، وأصله ملأك مفعل من الألوكة بمعنى الرسالة، وزيدت التاء فيه لتأكيد معنى الجمع أو لتأنيث الجمع، وهم أجسام علوية نورانية مشكلة بما شاءت من الأشكال، قوله: "وبلقائه" قال الخطابي: أي برؤية ربه تعالى في الآخرة، قوله: "ورسله" جمع رسول، قال الكرماني: الرسول هو النبي الذي أنزل عليه الكتاب، والنبي أعم منه، قلت: هذا التعريف غير صحيح لأنه غير جامع لأن كثيرا من الأنبياء عليهم السلام لم ينزل عليهم كتب وهم رسل مثل سليمان، وأيوب، ولوط، ويونس، وزكريا، ويحيى ونحوهم، والتعريف الصحيح: أن يقال: الرسول من أنزل عليه كتاب أو أنزل عليه ملك، والنبي بخلافه، فكل رسول نبي، ولا عكس، قوله: "بالبعث" وهو بعث الموتى من القبور، ويقال: المراد منه بعثة الأنبياء عليهم السلام، والأول أظهر، قوله: "أن تعبدوا الله" من العبادة، وهي الطاعة مع خضوع، وتذلل، قال الهروي: يقال: طريق معبد إذا كان مذللا للسالكين، وكل من دان للملك فهو عابد له، وفي المحكم: عبد الله يعبده عبادة ومعبدة ومعبدة تأله له، وفي الصحاح: التعبد التنسك، قوله: "ما الإحسان" مصدر أحسن من حسن من الحسن، وهو ضد القبح، ويأتي عن قريب معناه الشرعي، قوله: "عن أشراطها" بفتح الهمزة جمع شرط بالتحريك يعني علاماتها، وقيل: مقدماتها، وقيل: صغار أمورها، وفي المحكم، والجامع: أوائلها، وفي الغريبين: عن الأصمعي ومنه الاشتراط الذي يشترط بعض الناس على بعض إنما هي علامة يجعلونها بينهم، والمراد أشراطها السابقة لأشراطها المقارنة لها كطلوع الشمس من مغربها، وخروج الدابة، ونحوهما، قوله: "ربها" الرب المالك، والسيد، والمصلح، وفي العباب: رب كل شيء مالكه، والرب اسم من أسماء الله تعالى، ولا يقال في غيره إلا بالإضافة، وقد قالوه في الجاهلية للمالك قال الحارث بن حلزة اليشكري في المنذر ماء السماء:


وهو الرب والشهيد على يوم الحوارين والبلابلا



وقال ابن الأنباري: ويقال الرب مخففا، وربيت القوم أي كنت فوقهم، ورب الضيعة أصلحها وأتمها، ورب فلان ولده يربه ربا، ورب بالمكان أقام به، والربة المولاة، ثم قال: وفي حديث النبي عليه السلام حين سأله جبريل عليه السلام عن أمارات الساعة فقال: "أن تلد الأمة ربتها"، ويقال: فلانة ربة البيت، وهن ربات الحجال، قوله: "وإذا تطاول" أي تفاخر بطول البنيان وتكبر به، والرعاة بضم الراء جمع راع كالقضاة جمع قاض، وكذا الرعاة بكسر الراء جمع راع كالجياع جمع جايع، قوله: "والبهم" بضم الباء الموحدة جمع الأبهم، وهو الذي لا شية له، قاله الكرماني، وقال القاضي: جمع بهيم، وهو الأسود [ ص: 286 ] الذي لا يخالطه لون غيره وهو شر الإبل، قلت: إذا كان البهم صفة للرعاة ينبغي أن يكون جمع بهيم، وإن كان صفة للإبل ينبغي أن يكون جمع بهماء، وكلا الوجهين جائز كما نذكره في الإعراب، وأما البهم بفتح الباء كما هو في رواية الأصيلي فلا وجه له هاهنا، قاله القاضي عياض: وأما قوله في رواية مسلم: "رعاء البهم" فهو بفتح الباء فهو جمع بهيمة وهي صغار الضأن والمعز، وقال النووي: هذا قول الجمهور، وقال بعضهم: رواية مسلم "إذا رأيت رعاء البهم" بحذف لفظة إبل أنسب من رواية البخاري وهي زيادة لفظة الإبل لأنهم أضعف أهل البادية، أما أهل الإبل فهم أهل الفخر والخيلاء، والمعنى في الكل أن أهل الفقر والحاجة تصير لهم الدنيا حتى يتباهوا في البنيان، قلت: ذكر ابن التياني في كتاب الموعب أن البهم صغار الضأن الواحدة بهمة للذكر والأنثى، والجمع بهم، وجمع البهم بهام وبهامات، وفي العين: البهمة اسم للذكر، والأنثى من أولاد بقر الوحش، ومن كل شيء من ضرب الغنم والمعز، وفي المخصص يكون بعد العشرين يوما بهمة من الضأن والمعز إلى أن يفطم، وفي المحكم وقيل: هي بهمة إذا شبت والجمع بهم، وبهم وبهام وبهامات جمع الجمع، وقال ثعلب: البهم صغار المعز، وفي الجامع للقزاز: بهمة مفتوحة الباء ساكنة الهاء يقال لأولاد الوحش من الظباء وما جانس الضأن والمعز: بهم، وفي الصحاح: البهام جمع بهم، والبهم جمع بهمة والبهمة اسم للمذكر والمؤنث، والسخال أولاد المعز، فإذا اجتمعت البهام والسخال قلت لهما جميعا: بهام وبهم أيضا، وفي المغيث لأبي موسى المديني وقيل: البهمة السخلة انتهى، والبهيمة ذوات الأربع من دواب البر والبحر، قوله: "ثم أدبر" من الإدبار وهو التولي.

(بيان الإعراب) قوله: "بارزا" نصب لأنه خبر كان، قوله: "يوم" نصب على الظرف، قوله: "للناس" يتعلق ببارزا، قوله: "ما الإيمان" جملة اسمية وقعت مقول القول، قوله: "أن تؤمن" خبر المبتدأ أعني قوله: "الإيمان"، وأن مصدرية، قوله: "وتؤمن" بالنصب عطفا على قوله: "أن تؤمن"، قوله: "أن تعبد الله" في محل الرفع على أنه خبر للمبتدأ، أعني قوله: الإسلام، وأن مصدرية، قوله: "ولا تشرك" بالنصب عطفا على أن تعبد، قوله: "شيئا" نصب على أنه مفعول لتشرك، قوله: "وتقيم" بالنصب عطفا على أن تعبد، وكذلك وتؤدي الزكاة، وكذلك وتصوم رمضان، وأن مقدرة في الجميع، قوله: "ما الإحسان" كلمة ما للاستفهام مبتدأ والإحسان خبره والألف واللام فيه للعهد في قوله تعالى: للذين أحسنوا الحسنى وزيادة و هل جزاء الإحسان إلا الإحسان وأحسنوا إن الله يحب المحسنين ولتكرره في القرآن وترتب الثواب عليه، سأل عنه جبريل عليه السلام، قوله: "قال: أن تعبد الله" أي قال النبي صلى الله عليه وسلم في جوابه: الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه، فقوله: أن مصدرية في محل الرفع على أنها خبر مبتدأ محذوف تقديره: الإحسان عبادتك الله كأنك تراه، وقال الكرماني: فإن قلت: كأنك، ما محله من الإعراب؟ قلت: هو حال من الفاعل أي تعبد الله مشبها بمن يراه انتهى كلامه، قلت: تحقيق الكلام هنا أن كأن للتشبيه قال الجوهري في فصل أن، وقد تزاد على أن كاف التشبيه تقول: كأنه شمس، وقال غيره: "أنه" حرف مركب عند الجمهور حتى ادعى ابن هشام، وابن الخباز الإجماع عليه، وليس كذلك قالوا: والأصل في كأن زيدا أسد، أن زيدا كأسد، ثم قدم حرف التشبيه اهتماما به، ففتحت همزة أن لدخول الجار، وذكروا لها أربعة معان أحدها وهو الغالب عليها والمتفق عليه التشبيه، وهذا المعنى أطلقه الجمهور لكأن، وزعم جماعة منهم ابن السيد أنه لا يكون إلا إذا كان خبرها اسما جامدا نحو كأن زيدا أسد، بخلاف كأن زيدا قائم، أو في الدار، أو عندك، أو يقدم، فإنها في ذلك كله للظن، والثاني الشك والظن، والثالث التحقيق، والرابع التقريب، قاله الكوفيون، وحملوا عليه، قوله: "كأنك بالدنيا لم تكن وبالآخرة لم تزل" فإذا علم هذا فنقول: قوله: "كأنك تراه" ينزل على أي معنى من المعاني المذكورة، فالأقرب أن ينزل على معنى التشبيه، فالتقدير: الإحسان عبادتك الله تعالى حال كونك في عبادتك مثل حال كونك رائيا، وهذا التقدير أحسن وأقرب للمعنى من تقدير الكرماني لأن المفهوم من تقديره أن يكون هو في حال العبادة مشبها بالرائي إياه، وفرق بين عبادة الرائي بنفسه، وعبادة المشبه بالرائي بنفسه، وأما على قول ابن السيد فتحمل "كأن" على معنى الظن لأن خبرها غير جامد فافهم، قوله: "فإن لم تكن تراه" أي فإن لم تكن ترى الله وكلمة "إن" للشرط، وقوله: "لم تكن تراه" جملة وقعت فعل الشرط، فإن قلت: أين جزاء الشرط؟ قلت: محذوف تقديره: فإن لم تكن تراه فأحسن العبادة فإنه يراك، فإن قلت: لم لا يكون قوله: "فإنه يراك" جزاء للشرط؟ قلت: لا يصح لأنه ليس مسببا عنه [ ص: 287 ] وينبغي أن يكون فعل الشرط سببا لوقوع الجزاء كما تقول في: إن جئتني أكرمتك، فإن المجيء هو السبب للإكرام وعدمه سبب لعدمه، وهاهنا عدم رؤية العبد ليست بسبب لرؤية الله تعالى فإن الله تعالى يراه سواء وجدت من العبد رؤية أو لم توجد، فإن قلت: ما الفاء في قوله: "فإنه"؟ قلت: للتعليل على ما لا يخفى، قوله: "متى الساعة؟" جملة اسمية وقعت مقول القول، وفي بعض النسخ: "فمتى"، فإن صحت فالفاء فيها زائدة، قوله: "ما المسؤول" كلمة "ما" بمعنى ليس، وقوله: "بأعلم" خبرها، وزيدت فيها الباء لتأكيد معنى النفي، قوله: "وسأخبرك" السين هنا لتأكيد الوعد بالإخبار كما في قوله تعالى: فسيكفيكهم الله وهو السميع العليم ومعنى السين أن ذلك كائن لا محالة وإن تأخر إلى حين، قوله: "إذا ولدت الأمة" إنما قال: إذا، ولم يقل: إن، لأن الشرط محقق الوقوع، فجاء بلفظ "إذا" التي للجزم بوقوع مدخولها فلهذا يصح أن يقال: إذا قامت القيامة كان كذا، ولا يصح أن يقال: إن قامت القيامة كان كذا، فإن قلت: أين الجزاء؟ قلت: هو محذوف تقديره: إذا ولدت الأمة فهي أي الولادة من أشراطها، وقال الكرماني: والأظهر أن تكون إذا متمحضة لمجرد الوقت أي وقت الولادة، ووقت التطاول، قلت: هذا تقدير ناقص، والمعنى الصحيح عندي كون إذا لمجرد الوقت، وأن يقدر مبتدأ محذوف، والتقدير: وسأخبرك عن أشراطها هي وقت ولادة الأمة ربها، ووقت تطاول الرعاء في البنيان، قوله: "رعاة الإبل" كلام إضافي مرفوع لأنه فاعل تطاول، وقوله: "البهم" روي بالرفع على أنه صفة للرعاة أي الرعاة السود، وقال الخطابي: معناه الرعاء المجهولون الذين لا يعرفون جمع أبهم، ومنه أبهم الأمر فهو مبهم إذا لم تعرف حقيقته، وروي بالجر على أنه صفة للإبل، أي: رعاة الإبل السود، قالوا: وهي شرها كما ذكرناه عن قريب، قوله: "في البنيان" يتعلق بقوله: تطاول، قوله: "في خمس" في محل الرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف تقديره: علم وقت الساعة في جملة خمس، وقوله: "لا يعلمهن إلا الله" صفة لخمس، ومحلها الجر أو التقدير: هي في خمس من الغيب كما جاء في رواية عطاء الخراساني: "هي في خمس من الغيب لا يعلمها إلا الله"، قوله: "الآية" يجوز فيه الرفع على تقدير أن يكون مبتدأ محذوف الخبر أي الآية مقروءة إلى آخرها، والنصب على تقدير أن يكون مفعولا لفعل مقدر، أي اقرأ الآية، والجر على تقدير: إلى الآية، أي إلى مقطعها وتمامها، وفيه ضعف لا يخفى، قوله: "هذا جبريل" جاء مثل قولك: هذا زيد قام، قوله: "يعلم الناس" جملة وقعت حالا، فإن قلت: لم يكن معلما وقت المجيء فكيف يكون حالا؟ قلت: هذه حال مقدرة كما في قوله تعالى: لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين

(بيان المعاني) قوله: "فأتاه رجل" قد ذكرنا في حديث عمر في رواية مسلم: "بينما نحن جلوس عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب شديد سواد الشعر لا يرى عليه أثر السفر ولا يعرفه منا أحد، حتى جلس إلى النبي عليه السلام فأسند ركبتيه إلى ركبتيه، ووضع كفيه على فخذيه، وقال: يا محمد، أخبرني عن الإسلام"، الحديث، والضمير في "فخذيه" يعود على النبي عليه السلام، وقال النووي: "على فخذي نفسه" يعني نفس جبريل عليه السلام، وأعاد الضمير إليه وتبعه على ذلك التوربشتي شارح المصابيح، وليس كذلك بل الضمير يعود على النبي عليه السلام كما ذكرنا، والدليل على ذلك ما جاء في رواية سليمان التيمي: "ثم وضع يده على ركبتي النبي" وبه جزم البغوي وإسماعيل التيمي، ورجحه الطيبي من جهة البحث، والظاهر أنه لم يقف على رواية سليمان، فلذلك رجحه من جهة البحث، ونظر النووي فيما قاله التنبيه على أنه جلس كهيئة المتعلم بين يدي من يتعلم منه لاقتضاء باب الأدب ذلك، ولكن على رواية سليمان إنما فعل جبريل ذلك لزيادة المبالغة في تعمية أمره ليقوى ظن الحاضرين أنه من جفاة الأعراب، ولهذا تخطى الناس حتى انتهى إلى النبي عليه السلام كما ذكرنا في رواية سليمان التيمي، ولهذا استغربت الصحابة رضي الله عنهم صنيعه لأنه ليس من أهل البلد، وجاء ماشيا ليس له أثر السفر، فإن قيل: كيف عرف عمر رضي الله عنه أنه لم يعرفه أحد قيل: من قول الحاضرين كما في رواية عثمان بن عفان فنظر القوم بعضهم إلى بعض فقالوا: ما نعرف هذا، قوله: "أن تؤمن بالله" الإيمان بالله هو التصديق بوجوده تعالى، وأنه لا يجوز عليه العدم، وأنه تعالى موصوف بصفات الجلال والكمال من العلم والقدرة والإرادة والكلام والسمع والبصر والحياة، وأنه تعالى منزه عن صفات النقص التي هي أضداد تلك الصفات وعن صفات الأجسام والمتحيزات، وأنه واحد حق صمد فرد خالق جميع المخلوقات متصرف فيها بما شاء من التصرفات يفعل في ملكه ما يريد ويحكم في خلقه [ ص: 288 ] ما يشاء، قوله: "وملائكته" أي الإيمان بجميع ملائكته، فمن ثبت تعيينه كجبريل وميكائيل وإسرافيل وعزرائيل عليهم السلام وجب الإيمان به، ومن لم يعرف اسمه آمنا به إجمالا، وكذلك الأنبياء المرسلون من علمنا اسمه آمنا به، ومن لم نعلم آمنا به إجمالا، وما كان من ذلك ثابتا بالنص أو التواتر كفر من يكفر به، والإيمان برسل الله عليهم السلام هو بأنهم صادقون فيما أخبروا به عن الله تعالى، وأن الله تعالى أيدهم بالمعجزات الدالة على صدقهم، وأنهم بلغوا عن الله رسالاته، وبينوا للمكلفين ما أمرهم ببيانه وأنه يجب احترامهم، وأن لا يفرق بين أحد منهم، قوله: "وبلقائه" الإيمان بلقائه هو التصديق برؤية الله تعالى في الآخرة، قاله الخطابي واعترض عليه النووي بأن أحدا لا يقطع لنفسه برؤية الله تعالى، فإنها مختصة لمن مات مؤمنا، والمرء لا يدري بم يختم له، فكيف يكون من شروط الإيمان، ورد عليه بأن المراد الإيمان بأن ذلك حق في نفس الأمر، وقد قيل: إنها مكررة لأنها داخلة في الإيمان بالبعث وهو القيام من القبور، قلنا: لا نسلم التكرار لأن المراد باللقاء ما بعد تلك، وقال النووي: اختلفوا في المراد بالجمع بين الإيمان بلقاء الله والبعث، فقيل: اللقاء يحصل بالانتقال إلى دار الجزاء والبعث عند قيام الساعة، وقيل: اللقاء ما يكون بعد البعث عند الحساب، قوله: "وتقيم الصلاة" المراد بها المكتوبة كما صرح بها في رواية مسلم، وهو احتراز عن النافلة فإنها وإن كانت من وظائف الإسلام لكنها ليست من أركانه، فتحمل المطلقة هاهنا على المقيدة في الرواية الأخرى جمعا بينهما، قوله: "الزكاة المفروضة" قيل: احترز بالمفروضة عن الزكاة المعجلة قبل الحول فإنها ليست مفروضة حال الأداء، وقيل: احترز من صدقة التطوع فإنها زكاة لغوية، قوله: "ما الإحسان" وهو يستعمل لمعنيين أحدهما متعد بنفسه كقولك: أحسنت كذا، إذا حسنته وكملته منقولة بالهمزة من حسن الشيء، والآخر بحرف الجر كقولك: أحسنت إليه إذا أوصلت إليه النفع والإحسان، وفي الحديث بالمعنى الأول فإنه يرجع إلى إتقان العبادات ومراعاة حق الله تعالى ومراقبته، ويقال: الإحسان على مقامين; الأول: كما قال صلى الله عليه وسلم: أن تعبد الله كأنك تراه" فهذا مقام، الثاني: قوله: "فإن لم تكن تراه فإنه يراك"، قال عبد الجليل: الأول على ثلاثة أقسام، الأول في مقام الإسلام وذلك أن الأمور في عالم الحس ثلاثة معاص وطاعات ومباحات المعايش، فأما قسم المعاصي على اختلاف أنواعها فإن العبد مأمور بأن يعلم أن الله يراه، فإذا هم بمعصية وعلم أن الله يراه ويبصره على أي حالة كانت وأنه يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور كف عن المعصية ورجع عنها، وأما الإنسان فيذهل عن نظر الله إليه فينسى حين المعصية أنه يراه أو يكون جاهلا فيظن أن الله تعالى بعيد منه، ولا يتذكر، ويعلم أنه يحرك جوارحه حين العمل المعمول فينسى ذلك أو يجهل فيقع في المعصية، ولو علم وتحقق أن والده أو رجلا كبيرا لو يراه حين المعصية لكف عنها، وهرب منها فإذا علم العبد أن الله يراه في حين المعصية كف عنها بحصول البرهان الإحساني عنده، وهو البرهان الذي أوتيه ورآه يوسف عليه السلام، وهو قيام الدليل الواضح العلمي بأن الله تعالى موجود حق، وأنه ناظر إلى كل شيء ومصرف لكل شيء ومحركه ومسكنه فمن أراه الله تعالى هذا البرهان عند جميع المهمات صرف عنه السوء والفحشاء من جميع المنكرات، الثاني قسم الطاعات فهي أن تعلم أن الله تعالى موجود حق وتبرهن عنده أنه يراه لا محالة إلا أن يكون زنديقا جاحدا لا يقر برب، فإن كان مقرا بوجوده فترك العبادة فإنما تركها تهاونا لنقصان البرهان الإحساني عنده، وهذه حال المضيعين للفرائض لجهلهم بقدر الآمر وقدر أمره، الثالث من المباحات وهو محل الغفلة والسهو عن هذا المقام الإحساني، فإذا تذكر العبد أن الله تعالى يراه في تصرفه وأنه أمره بالإقبال عليه، وقلة الإعراض عنه استحيى أن يراه مكبا على الخسيس الفاني مستغرقا في الاشتغال به عن ذكره، وعن الإقبال على ما يقطع عنه، المقام الثاني في عالم الغيب فإن العبد إذا فكر في مواطن الآخرة من موت وقبر وحشر وعرض وحساب وغير ذلك وعلم أنه معروض على الله تعالى في ذلك العالم ومواطنه تهيأ لذلك العرض فيتزين للآخرة بزينة أهل الآخرة ما استطاع، وأما المقام الثالث في الإحسان فإن العبد إذا علم أن سره موضع نظر الله تعالى وجب عليه تصفية سره لمولاه وإصلاح ذلك وتنقيته مما يكرهه الله تعالى أن يراه وينظر إليه في قلوب أوليائه فيزيل الصفات المهلكات، ويطهره منها، ويتصف بالمحمودات حتى يجعل سره كالمرآة المجلوة، قوله: "كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك" قال النووي: هذا أصل عظيم من أصول الدين، وقاعدة مهمة من قواعد المسلمين وهو عمدة الصديقين وبغية السالكين [ ص: 289 ] وكنز العارفين ودأب الصالحين وتلخيص معناه أن تعبد الله عبادة من يرى الله تعالى ويراه الله تعالى، فإنه لا يستبقي شيئا من الخضوع والإخلاص وحفظ القلب والجوارح ومراعاة الآداب ما دام في عبادته، وقوله: "فإن لم تكن تراه فإنه يراك" يعني أنك إنما تراعي الأدب إذا رأيته ورآك لكونه يراك لا لكونك تراه، وهذا المعنى موجود، وإن لم تره لأنه يراك، وحاصله الحث على كمال الإخلاص في العبادة ونهاية المراقبة فيها، وقال: هذا من جوامع الكلم التي أوتيها رسول الله عليه الصلاة والسلام، وقد ندب أهل الحقائق إلى مجالسة الصالحين ليكون ذلك مانعا من تلبسه بشيء من النقائص احتراما لهم، واستحياء منهم، فكيف بمن لا يزال الله تعالى مطلعا عليه في سره وعلانيته، وقال القاضي عياض: قد اشتمل على شرح جميع وظائف العبادات الظاهرة والباطنة من عقود الإيمان، وأعمال الجوارح، وإخلاص السرائر، والحفظ من آفات الأعمال حتى أن علوم الشريعة كلها راجعة إليه، ومتشعبة منه، قوله: "متى الساعة" الساعة مقدار من الزمان غير معين لقوله تعالى: ما لبثوا غير ساعة وفي عرف أهل الشرع عبارة عن يوم القيامة، وفي عرف المعدلين جزء من أربعة وعشرين جزءا من أوقات الليل والنهار، قوله: "إذا ولدت الأمة ربها" أي مالكها وسيدها وذكروا في معنى هذا أوجها، الأول: قال الخطابي: معناه اتساع الإسلام واستيلاء أهله على بلاد الشرك، وسبي ذراريهم، فإذا ملك الرجل الجارية واستولدها كان الولد فيها بمنزلة ربها لأنه ولد سيدها، وقال النووي وغيره: هذا قول الأكثرين، وقال بعضهم: لكن في كونه المراد نظر لأن استيلاد الإماء كان موجودا حين المقالة، والاستيلاء على بلاد الشرك وسبي ذراريهم واتخاذهم سراري وقع أكثره في صدر الإسلام، وسياق الكلام يقتضي الإشارة إلى وقوع ما لم يقع مما سيقع في قيام الساعة، قلت: في نظره نظر لأن قوله: "إذا ولدت الأمة ربها" كناية عن كثرة التسري من كثرة فتوح المسلمين واستيلائهم على بلاد الشرك، وهذا بلا شك لم يكن واقعا وقت المقالة، والتسري وإن كان موجودا حين المقالة ولكنه لم يكن من استيلاء المسلمين على بلاد الشرك، والمراد أن يكون من هذه الجهة فافهم.

والثاني معناه أن الإماء يلدن الملوك فتكون أم الملك من جملة الرعية وهو سيدها وسيد غيرها من رعيته، وهذا قول إبراهيم الحربي، والثالث: معناه أن تفسد أحوال الناس فيكثر بيع أمهات الأولاد في آخر الزمان فيكثر تردادها في أيدي المشترين حتى يشتريها ابنها وهو لا يدري، وعلى هذا القول لا يختص بأمهات الأولاد بل يتصور في غيرهن، فإن الأمة قد تلد حرا بوطء غير سيدها بشبهة أو ولدا رقيقا بنكاح أو زنا، ثم تباع الأمة في الصورتين بيعا صحيحا، وتدور في الأيدي حتى يشتريها ابنها أو بنتها وعلى هذا يكون من الأشراط غلبة الجهل بتحريم بيع أمهات الأولاد، والرابع أن أم الولد لما عتقت بولدها فكأنه سيدها، وهذا بطريق المجاز لأنه لما كان سببا في عتقها بموت أبيه أطلق عليه ذلك، والخامس أن يكثر العقوق في الأولاد فيعامل الولد أمه معاملة السيد أمته من الإهانة وغير ذلك، وأطلق عليه ربها مجازا لذلك، وقال بعضهم: يجوز أن يكون المراد بالرب المربي فيكون حقيقة، وهذا أوجه الأوجه عندي لعمومه، قلت: هذا ليس بأوجه الأوجه بل أضعفها; لأن النبي صلى الله عليه وسلم إنما عد هذا من أشراط الساعة لكونه على نمط خارج على وجه الاستغراب أو على وجه دال على فساد أحوال الناس، والذي ذكره هذا القائل ليس من هذا القبيل فافهم، وأما رواية بعلها فالصحيح في معناها أن البعل هو السيد أو المالك، فيكون بمعنى ربها على ما سلف.

قال أهل اللغة: بعل الشيء ربه ومالكه، قال تعالى: أتدعون بعلا أي ربا قاله ابن عباس، والمفسرون، وقيل: المراد هنا الزوج، وعلى هذا معناه نحو ما سبق أنه يكثر بيع السراري حتى يتزوج الإنسان أمه ولا يدري، وهذا أيضا معنى صحيح إلا أن الأول أظهر لأنه إذا أمكن حمل الروايتين في القضية الواحدة على معنى واحد كان أولى، قوله: "وإذا تطاول رعاة الإبل البهم في البنيان" المعنى أن أهل البادية أهل الفاقة تنبسط لهم الدنيا حتى يتباهوا في إطالة البنيان يعني العرب تستولي على الناس وبلادهم ويزيدون في بنيانهم، وهو إشارة إلى اتساع دين الإسلام كما أن العلامة الأولى أيضا فيها اتساع الإسلام، قال الكرماني: ومحصله أن من أشراطها تسلط المسلمين على البلاد والعباد، وقال ابن بطال: معناه أن ارتفاع الأسافل من العبيد والسفلة الجمالين وغيرهم من علامات القيامة، وروى الطبراني من حديث ابن أبي جمرة، عن ابن عباس رضي الله عنهما مرفوعا: "من انقلاب الدين تفصح النبط واتخاذهم القصور في الأمصار"، وقال القرطبي: المقصود الإخبار عن تبدل الحال بأن يستولي أهل البادية على الأمر ويتملكوا البلاد بالقهر فتكثر أموالهم وتنصرف هممهم إلى تشييد [ ص: 290 ] البنيان والتفاخر به، وقد شاهدنا ذلك في هذا الزمان، وقال الطيبي: المقصود أن علاماتها انقلاب الأحوال والقرينة الثانية ظاهرة في صيرورة الأعزة أذلة ألا ترى إلى الملكة بنت النعمان حيث سبيت وأحضرت بين يدي سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه كيف أنشدت؟


بينا نسوس الناس والأمر أمرنا     إذا نحن فيهم سوقة نتنصف
فأف لدنيا لا يدوم نعيمها     تقلب تارات بنا وتصرف

قوله: "في خمس" إلى آخره، قال القرطبي: لا مطمع لأحد في علم شيء من هذه الأمور الخمس لهذا الحديث، وقد فسر النبي صلى الله عليه وسلم قول الله تعالى: وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو بهذه الخمس، وهو الصحيح، قال: فمن ادعى علم شيء منها غير مسند إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم كان كاذبا في دعواه، قال: وأما ظن الغيب فقد يجوز من المنجم وغيره إذا كان غير أمر عادي، وليس ذلك بعلم، وقد نقل ابن عبد البر الإجماع على تحريم أخذ الأجرة، والجعل وإعطائها في ذلك.

(استنباط الأحكام) وهو على وجوه، الأول فيه أن الإيمان هو أن يؤمن العبد بالله وملائكته وبلقائه ورسله ويؤمن بالبعث والنشور، الثاني أن الإسلام أن تعبد الله ولا تشرك به شيئا، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة وتصوم رمضان، الثالث: أن الإحسان أن تعبد الله كأنه يراك وتراه، الرابع: احتج به من يدعي تغاير الإيمان والإسلام، ومع هذا تقدم غير مرة أن الإسلام والإيمان والدين عند البخاري عبارات عن معنى واحد، وقال محيي السنة: جعل النبي صلى الله عليه وسلم الإسلام اسما لما ظهر من الأعمال، والإيمان اسما لما بطن من الاعتقاد، وليس ذلك لأن الأعمال ليست من الإيمان والتصديق بالقلب ليس من الإسلام بل ذلك تفصيل لجملة هي كلها شيء واحد وجماعها الدين، ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: "أتاكم جبريل يعلمكم دينكم" والتصديق والعمل يتناولهما اسم الإيمان والإسلام جميعا، وقال ابن الصلاح: ما في الحديث بيان لأصل الإيمان، وهو التصديق الباطن، وأصل الإسلام وهو الاستسلام، والانقياد الظاهر، ثم اسم الإيمان يتناول ما فسر به الإسلام، وسائر الطاعات لكونها ثمرات للتصديق الباطن الذي هو أصل الإيمان، ولهذا فسر الإيمان في حديث الوفد بما هو الإسلام هاهنا، واسم الإسلام يتناول أيضا ما هو أصل الإيمان، وهو التصديق الباطن، ويتناول الطاعات، فإن ذلك كله استسلام، فتحقق ما ذكرنا أنهما يجتمعان فيه، ويفترقان، وقال من قال إنهما حقيقتان متباينتان: إن حديث جبريل عليه السلام جاء على الوضع الأصلي بالتفرقة بين الإيمان والإسلام فالإيمان في اللغة التصديق مطلقا، وفي الشرع التصديق بقواعد الشرع، والإسلام في اللغة الاستسلام والانقياد، ومنه قوله تعالى: قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا وفي الشرع الانقياد في الأفعال الظاهرة الشرعية لكن الشرع توسع فأطلق الإيمان على الإسلام في حديث وفد عبد القيس، وقوله: "الإيمان بضع وسبعون بابا أدناها إماطة الأذى عن الطريق"، وأطلق الإسلام يريد به الأمرين قال الله تعالى: إن الدين عند الله الإسلام وقال بعض العلماء: تنافس العلماء في هذه الأسماء تنافسا لا طائل تحته، فإنهم متفقون على أنه يستفاد منها بالشرع زيادة على أصل الوضع، فهل ذلك المعنى يصير تلك الأسماء موضوعة كالوضع الابتدائي كما في لفظ الدابة أو هي مبقاة على الوضع اللغوي، والشرع إنما تصرف في شروطها وأحكامها، قلت: وهذا الثاني هو قول القاضي أبي بكر الباقلاني، قال: والقول بالأول يحصل غرض الشيعة على الصحابة، فإذا قيل: إن الله تعالى وعد المؤمنين بالجنة، وهم قد آمنوا، يقولون: الإيمان هو التصديق في قلوبهم لكن الشرع نقل هذه الألفاظ إلى الطاعات وهم صدقوا، وما أطاعوا في أمر الخلافة، فإذا قلنا لم تنقل انسد الباب الردي، وقد قال الشيخ أبو إسحاق الشيرازي: يمكننا أن نقول بأن الأسماء الشرعية منقولة إلا هذه المسألة، الخامس فيه وجوب الإيمان بهذه المذكورات في الحديث، السادس فيه عظم مرتبة هذه الأركان التي فسر الإسلام بها، السابع فيه جواز قول رمضان بلا شهر، الثامن فيه عظم محل الإخلاص والمراقبة، التاسع فيه لا أدري من العلم والاعتراف بعدم العلم، وأن ذلك لا ينقصه ولا يزيل ما عرف من جلالته بل ذلك دليل على ورعه وتقواه ووفور علمه وعدم تبجحه بما ليس عنده، العاشر فيه دليل على تمثل الملائكة بأي صورة شاؤوا من صور بني [ ص: 291 ] آدم كقوله تعالى: فتمثل لها بشرا سويا وقد كان جبريل عليه السلام يتمثل بصورة دحية، ولم يره النبي عليه السلام في صورته التي خلق عليها غير مرتين، فإن قلت: لو كان جبريل عليه السلام متمثلا بصورة دحية في ذلك الوقت لكان النبي عليه السلام عرفه من أول الأمر، وما عرف أنه جبريل إلا في آخر الحال، قلت: من ادعى أن جبريل ما يتمثل إلا بصورة دحية فقط فعليه البيان على أن الذي ذكرنا من الروايات أن جبريل أتاه في صورة رجل حسن الهيئة لكنه غير معروف لديهم يرد عليه، فإن قلت: وقع في رواية النسائي من طريق أبي فروة في آخر الحديث وأنه لجبريل نزل في صورة دحية الكلبي، قلت: "قوله: نزل في صورة دحية الكلبي" وهم لأن دحية معروف عندهم، وقد قال عمر رضي الله عنه في حديثه: ما يعرفه منا أحد، وقد أخرجه محمد بن نصر المروزي في كتاب الإيمان له من الوجه الذي أخرجه منه النسائي، فقال في آخره: " فإنه جبريل جاء ليعلمكم دينكم " حسب، وهذه الرواية هي المحفوظة لموافقتها باقي الروايات، الحادي عشر قال القرطبي: هذا الحديث يصلح أن يقال له: أم السنة، لما تضمن من جملة علم السنة، وقال الطيبي: لهذه النكتة استفتح به البغوي كتابه المصابيح، وشرح السنة اقتداء بالقرآن في افتتاحه بالفاتحة لأنها تضمنت علوم القرآن إجمالا، وقال القاضي عياض: اشتمل هذا الحديث على جميع وظائف العبادات الظاهرة والباطنة من عقود الإيمان ابتداء وحالا ومآلا، ومن أعمال الجوارح، ومن إخلاص السرائر والتحفظ من آفات الأعمال حتى أن علوم الشريعة كلها راجعة إليه، ومتشعبة منه، الثاني عشر فيه دليل على أن رؤية الله تعالى في الدنيا بالأبصار غير واقعة، فإن قلت: فالنبي صلى الله عليه وسلم قد رآه، قلت: قال بعضهم: وأما النبي عليه السلام فذاك لدليل آخر، قلت: رؤية النبي عليه السلام ربه عز وجل لم يكن في دار الدنيا بل كانت في الملكوت العليا والدنيا لا تطلق عليها، والدليل الصريح على عدم وقوع رؤية الله تعالى بالأبصار في الدنيا ما رواه مسلم من حديث أبي أمامة، قال عليه السلام: "واعلموا أنكم لن تروا ربكم حتى تموتوا"، وأما الرؤية في الآخرة فمذهب أهل الحق أنها واقعة بالأبصار، فإن قلت: الرؤية يشترط فيها خروج شعاع وانطباع صورة المرئي في الحدقة والمواجهة والمقابلة ورفع الحجب، فكيف يجوز ذلك على الله سبحانه وتعالى؟ قلت: هذه الشروط للرؤيا عادة في الدنيا، وأما في الآخرة فيجوز أن يكون الله تعالى مرئيا لنا إذ هي حالة يخلقها الله تعالى في الحاسة فتحصل بدون هذه الشروط، ولهذا جوز الأشاعرة أن يرى أعمى الصين بقعة أندلس، وقد ادعى بعض غلاة الصوفية جواز رؤية الله تعالى بالأبصار في دار الدنيا، وقال في قوله: "فإن لم تكن تراه" إشارة إلى مقام المحو والفناء وتقديره: فإن لم تصر شيئا وفنيت عن نفسك حتى كأنك ليس بموجود فإنك حينئذ تراه، قلت: هذا تأويل فاسد بدليل رواية كهمس فإن لفظها: "فإنك إن لا تراه فإنه يراك" فسلط النفي على الرؤية لا على الكون، وكذلك يبطل تأويلهم رواية أبي فروة: "فإن لم تراه فإنه يراك"، ورد عليهم بعضهم بقوله: لو كان المراد ما زعموا لكان قوله: "تراه" محذوف الألف لأنه يصير مجزوما لكونه على تأويلهم جواب الشرط، ولم يجئ حذف الألف في شيء من طرق هذا الحديث، وهذا الجواب لا يقطع به شغبهم لأن لهم أن يقولوا: الجزاء جملة حذف صدرها تقديره: فأنت تراه، والجزم في الجملة لا يظهر، والمقدر كالملفوظ، قوله: "متى الساعة" قال القرطبي: المقصود من هذا السؤال كف السامعين عن السؤال عن وقت الساعة لأنهم كانوا قد أكثروا السؤال عنها، كما ورد في كثير من الآيات والحديث، فلما حصل الجواب بما ذكر حصل اليأس من معرفتها بخلاف الأسئلة الماضية، فإن المراد بها استخراج الأجوبة ليتعلمها السامعون، ويعملوا بها، وهذا السؤال والجواب وقعا بين عيسى ابن مريم، وجبريل عليهما السلام أيضا، لكن كان عيسى سائلا، وجبريل مسئولا، قال الحميدي: حدثنا سفيان، حدثنا مالك بن مغول، عن إسماعيل بن رجاء، عن الشعبي قال: "سأل عيسى ابن مريم جبريل عليه السلام عن الساعة قال: فانتفض بأجنحته، وقال: ما المسؤول عنها بأعلم من السائل"، قوله: "جاء يعلم الناس دينهم" أي قواعد دينهم، وكلياتها، وقال ابن المنير: فيه دلالة على أن السؤال الحسن يسمى علما وتعليما لأن جبريل عليه السلام لم يصدر منه سوى السؤال، ومع ذلك فقد سماه معلما، وقد اشتهر قولهم: السؤال نصف العلم.

(الأسئلة والأجوبة) منها ما قيل: ما سبب ورود هذا الحديث؟ وأجيب بأن سببه ما رواه مسلم من رواية عمارة بن القعقاع أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "سلوني فهابوه أن يسألوه، فجاء رجل فجلس عند ركبتيه، فقال: يا رسول الله، [ ص: 292 ] ما الإسلام"، الحديث، ومنها ما قيل: ما وجه تفسير الإيمان بأن تؤمن، وفيه تعريف الشيء بنفسه؟ وأجيب بأنه ليس تعريفا بنفسه إذ المراد من المحدود الإيمان الشرعي، ومن الحد الإيمان اللغوي أو المتضمن للاعتراف، ولهذا عدي بالباء، أي أن تصدق معترفا بكذا، ومنها ما قيل: كيف بدأ جبريل عليه السلام بالسؤال قبل السلام؟ وأجيب بأنه يحتمل أن يكون ذلك مبالغة في التعمية لأمره، أو ليبين أن ذلك غير واجب أو سلم فلم ينقله الراوي، قلت: الأولان ضعيفان، والاعتماد على الثالث لأنه ثبت في رواية أبي فروة بعد قوله: "كأن ثيابه لم يمسها دنس حتى سلم من طرف البساط فقال: السلام عليك يا محمد، فرد عليه السلام، قال: أدنو يا محمد؟ قال: ادن، فما زال يقول: أدنو مرارا، ويقول: ادن"، ونحوه في رواية عطاء عن ابن عمر رضي الله عنهما لكن قال: "السلام عليك يا رسول الله"، وفي رواية: "يا رسول الله، أدنو؟ فقال: ادن"، ولم يذكر السلام فاختلفت الرواية: هل قال: يا محمد أو قال يا رسول الله؟ وهل سلم أو لا؟ وطريق التوفيق أن رواية من قال: سلم مقدمة على رواية من سكت عنه أو أنه قال أولا: يا محمد، كما كان الأعراب يقوله قصدا للتعمية، ثم خاطبه بعد ذلك، بقوله: يا رسول الله، ووقع عند القرطبي أنه قال: السلام عليكم يا محمد، واستنبط من هذا أنه يستحب للداخل أن يعمم بالسلام ثم يخصص من يريد تخصيصه، ومنها ما قيل: لم قدم السؤال عن الإيمان؟ وأجيب بأنه الأصل، وثنى بالإسلام، فإنه يظهر به تصديق الدعوى، وثلث بالإحسان لأنه متعلق بهما، وقد وقع في رواية عمارة بن القعقاع بدأ بالإسلام، وثنى بالإيمان، وقالوا: إنما بدأ بالإسلام لأنه بالأمر الظاهر ثم بالإيمان لأنه بالأمر الباطن، ورجح الطيبي هذا، وقال: لما فيه من الترقي، ووقع في رواية مطر الوراق: بدأ بالإسلام، وثنى بالإحسان، وثلث بالإيمان، ويمكن أن يقال هنا: إن الإحسان هو الإخلاص كما ذكرنا فكما أن محله القلب فكذلك ذكر في القلب، والحق أن هذا التقديم والتأخير من الرواة، والله تعالى أعلم.

ومنها ما قيل: إن السؤال عن ماهية الإيمان لأنه سأله بكلمة ما، ولا يسأل بها إلا عن الماهية، وماهية الإيمان التصديق، والجواب غير مطابق، وأجيب بأنه عليه السلام علم منه أنه إنما سأله عن متعلقات الإيمان إذ لو كان سؤاله عن حقيقته لكان جوابه التصديق، وقال الطيبي: قوله: "أن تؤمن بالله" يوهم التكرار وليس كذلك، فإنه يتضمن معنى أن تعترف، ولهذا عداه بالباء، وقال بعضهم: والتصديق أيضا يعدى بالباء فلا يحتاج إلى دعوى التضمين، قلت: الطيبي ادعى تضمين الإيمان معنى الاعتراف، وكون التصديق يتعدى بالباء لا يمنع دعوى تضمين الإيمان معنى الاعتراف حتى يقال: لا يحتاج إلى دعوى التضمين، ومنها ما قيل: الإيمان بالكتب أيضا واجب، ولم تركه؟ وأجيب بأن الإيمان بالرسل مستلزم للإيمان بما أنزل عليهم على أنه مذكور في رواية الأصيلي هاهنا كما ذكرناه، ومنها ما قيل: لم كرر لفظ "تؤمن" في قوله: "وتؤمن بالبعث"، وأجيب بأنه نوع آخر من المؤمن به، لأن البعث سيوجد فيما بعد، وأخواته موجودة الآن، ومنها ما قيل: ظاهر الحديث يدل على أن الإيمان لا يتم إلا على من صدق بجميع ما ذكر، فما بال الفقهاء يكتفون بإطلاق الإيمان على من آمن بالله ورسوله؟ وأجيب بأن الإيمان برسوله هو الإيمان به، وبما جاء به من ربه، فيدخل جميع ذلك تحت ذلك، ومنها ما قيل: إن المراد من قوله: (أن تعبد الله ولا تشرك به شيئا) إن كان معرفة الله تعالى وتوحيده فلا يحتاج إلى قوله: (ولا تشرك به شيئا)، وإن كان المراد الطاعة مطلقا فيدخل فيها جميع الوظائف، وما الفائدة بعد ذلك في ذكر الصلاة والصوم؟ وأجيب بأن المراد النطق بالشهادتين صرح بذلك في حديث عمر رضي الله عنه، قال: "الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله"، ولما عبر الراوي عن ذلك بالعبادة احتيج أن يوضح ذلك بقوله: ولا تشرك به شيئا، ولم يحتج إليه في رواية عمر رضي الله تعالى عنه لاستلزامها ذلك، ولئن سلمنا أن المراد منها مطلق الطاعة فذكر الصلاة وأخواتها يكون من باب عطف الخاص على العام، ومنها ما قيل: إن السؤال عن الإسلام عام، والجواب خاص لقوله: "أن تعبد الله"، وكذا قوله في الإيمان: "أن تؤمن"، وفي الإحسان: "أن تعبد"، وأجيب بأنه ليس المراد بمخاطبة الأفراد اختصاصه بذلك بل المراد تعليم السامعين الحكم في حقهم وحق من تخلف عنهم، وقد بين ذلك بقوله في آخر الحديث: "يعلم الناس دينهم"، ومنها ما قيل: لم لم يذكر الحج؟ وأجيب بأنه لم يكن فرض حينئذ، ويرد هذا ما رواه ابن منده في كتاب الإيمان بإسناده الذي هو على شرط مسلم من طريق سليمان التيمي من حديث عمر رضي الله عنه، أوله أن رجلا في آخر عمر النبي صلى الله عليه وسلم جاء إلى [ ص: 293 ] رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر الحديث بطوله، فهذا يدل على أنه إنما جاء بعد إنزال جميع الأحكام لتقرير أمور الدين، والصواب أن تركه من الرواة إما ذهولا، وإما نسيانا، والدليل على ذلك اختلافهم في ذكر بعض الأعمال دون بعض، ففي رواية كهمس: "وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلا"، وكذا في حديث أنس، وفي رواية عطاء الخرساني لم يذكر الصوم، وفي حديث أبي عامر ذكر الصلاة والزكاة حسب كما ذكرناه عن قريب، ومنها ما قيل: لفظة أعلم في قوله: "ما المسؤول عنها بأعلم من السائل" مشعرة بوقوع الاشتراك في العلم، والنفي توجه إلى الزيادة، فيلزم أن يكون معناه أنهما متساويان في العلم به، لكن الأمر بخلافه لأنهما متساويان في نفي العلم به، وأجيب بأن اللازم ملتزم لأنهما متساويان في القدر الذي يعلمان منه وهو نفس وجودها، وأنه صلى الله عليه وسلم نفى أن يكون صالحا لأن يسأل عنه ذلك لما عرف أن المسؤول في الجملة ينبغي أن يكون أعلم من السائل، ومنها ما قيل: لم قال: "ما المسؤول عنها بأعلم من السائل" والمقام يقتضي أن يقال: لست بأعلم بها منك؟ وأجيب بأنه إنما قال كذلك إشعارا بالتعميم تعريضا للسامعين إن كل سائل ومسؤول فهو كذلك، ومنها ما قيل: إن الأشراط جمع شرط، وأقله ثلاثة على الأصح، ولم يذكر هنا إلا اثنان، وأجيب بأنه إما أنه ورد على مذهب أن أقله اثنان، أو حذف الثالث لحصول المقصود بما ذكر، وقال بعضهم: في هذه الأجوبة نظر، ولو أجيب بأن هذا دليل القول الصائر إلى أن أقل الجمع اثنان لما بعد عن الصواب، قلت: هذا الذي قاله بعيد عن الصواب لأنه كيف يكون هذا دليلا لمن يقول: إن أقل الجمع اثنان، لأنه لا يخلو إما أن يستدل على ذلك بلفظ الأشراط، أو بلفظ إذا ولدت، وإذا تطاول فكل منهما لا يصح أن يكون دليلا، أما الأول فلأنه لم يقل أحد إنه ذكر الأشراط، وأراد به الشرطين بل المراد أكثر من ثلاثة، وأما الثاني فلأنه ليس بصورة التثنية حتى يقال ذكرها وأراد بها الجمع فافهم، وقوله: أو حذف الثالث لحصول المقصود هو الجواب المرضي لأن المذكور من الأشراط ثلاثة، وإنما بعض الرواة اقتصر على اثنين منها لأن البخاري ذكر هنا الولادة والتطاول، وفي التفسير ذكر الولادة ورؤوس الحفاة، وفي رواية محمد بن بشر التي أخرج مسلم إسنادها، وساق ابن خزيمة لفظها عن أبي حيان ذكر الثلاثة، وكذا في مستخرج الإسماعيلي من طريق ابن علية، وكذا ذكرها عمارة بن القعقاع، ومنها ما قيل: لم ذكر جمع القلة والعلامات أكثر من العشرة في الواقع؟ وأجيب بأنه جاز لأنه قد تستقرض القلة للكثرة، وبالعكس أو لفقد جمع الكثرة للفظ الشرط، أو لأن الفرق بالقلة والكثرة إنما هو في النكرات لا في المعارف، ومنها ما قيل: كيف أطلق الرب على غير الله تعالى وقد ورد النهي عنه بقوله عليه الصلاة والسلام: "ولا يقل أحدكم: ربي، وليقل: سيدي ومولاي"؟ وأجيب بأن هذا من باب التشديد والمبالغة، وأن الرسول عليه السلام مخصوص به، قلت: الممنوع إطلاق الرب على غير الله تعالى بدون الإضافة، وأما بالإضافة فلا يمنع، يقال: رب الدار، ورب الناقة، ومنها ما قيل: من أين استفاد الحصر من قوله تعالى: " إن الله عنده علم الساعة " الآية، حتى يوافق الحصر الذي في الحديث؟ وأجيب من تقديم عنده، وأما بيان الحصر في أخواتها فلا يخفى على العارف بالقواعد، ومنها ما قيل: ما وجه الانحصار في هذه الخمس مع أن الأمور التي لا يعلمها إلا الله كثيرة، أجيب بأنه إما لأنهم كانوا سألوا الرسول عن هذه الخمس فنزلت الآية جوابا لهم، وإما لأنها عائدة إلى هذه الخمس فافهم، ومنها ما قيل: ما النكتة في العدول عن الإثبات إلى النفي في قوله: وما تدري نفس ماذا تكسب غدا وكذا في التعبير بالدراية دون العلم؟ وأجيب للمبالغة والتعميم إذ الدراية اكتساب علم الشيء بحيلة، فإذا انتفى ذلك عن كل نفس مع كونه مختصا بها، ولم يقع منه على علم كان عدم اطلاعه على علم غير ذلك من باب أولى، ومنها ما قيل: ما الحكمة في سؤال الساعة حيث عرف جبريل عليه السلام أن وقتها غير معلوم لخلق الله؟ وأجيب بأن أقله التنبيه على أنه لا يطمع أحد في التطلع إليه، والفصل بين ما يمكن معرفته وما لا يمكن، وقد مر الكلام فيه عن قريب، ومنها ما قيل: إن جبريل عليه السلام سأل فقط والناس تعلموا الدين من الجواب لا منه، فكيف قال: يعلم الناس، بإسناد التعليم إليه؟ وأجيب بأنه لما كان سببا فيه أطلق المعلم عليه، أو لما كان غرضه التعليم أطلق عليه.



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث