الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب من سئل علما وهو مشتغل في حديثه فأتم الحديث ثم أجاب السائل

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

59 1 - حدثنا محمد بن سنان قال : حدثنا فليح . ( ح ) وحدثني إبراهيم بن المنذر قال : حدثنا محمد بن فليح قال : حدثني أبي قال : حدثني هلال بن علي ، عن عطاء بن يسار ، عن أبي هريرة قال : بينما النبي صلى الله عليه وسلم في مجلس يحدث القوم جاءه أعرابي فقال : متى الساعة ؟ فمضى رسول الله صلى الله عليه وسلم يحدث ، فقال بعض القوم : سمع ما قال فكره ما قال ! وقال بعضهم : بل لم يسمع - حتى إذا قضى حديثه قال : أين أراه السائل عن الساعة ؟ قال : ها أنا يا رسول الله ! قال : فإذا ضيعت الأمانة فانتظر الساعة . قال : كيف إضاعتها ؟ قال : إذا وسد الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة !

التالي السابق


مطابقة الحديث للترجمة ظاهرة .

بيان رجاله : وهم ثمانية ; الأول : محمد بن سنان - بكسر السين المهملة وبالنونين - أبو بكر الباهلي العوقي البصري ، روى عنه البخاري وأبو داود وأبو حاتم الرازي ، قال يحيى بن معين : ثقة مأمون . وروى أبو داود والنسائي وابن ماجه عن رجل عنه ، توفي سنة ثلاث وعشرين ومائتين .

الثاني : فليح - بضم الفاء وفتح اللام وسكون الياء آخر الحروف ، وفي آخره حاء مهملة - ابن سليمان بن أبي المغيرة ، وهو حنين ابن أخي عبيد بن حنين ، وكان اسمه عبد الملك ، ولقبه فليح ، واشتهر بلقبه ، الخزاعي المدني ، وكنيته أبو يحيى ، روى عن نافع وعدة ، وروى عنه عبد الله بن وهب ويحيى الوحاظي وابن أعين وشريح بن النعمان وآخرون .

قال يحيى بن معين : هو ضعيف ، ما أقربه من ابن أبي أويس ! وفي رواية عنه : ليس بقوي ولا يحتج به . وقال أبو حاتم : ليس بالقوي . وقال النسائي أيضا : ليس بالقوي . وقال ابن عدي : هو عندي لا بأس به . وقد اعتمده البخاري في صحيحه ، وقد روى عنه زيد بن أبي أنيسة ، روى له البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي ، وقال الحاكم : واجتماع البخاري ومسلم عليه في إخراجهما عنه في الأصول يؤكد أمره ويسكن القلب فيه إلى تعديل . توفي سنة ثمان وستين ومائة .

الثالث : إبراهيم بن المنذر بن عبد الله بن المنذر بن المغيرة بن عبد الله بن خالد بن حزام بن خويلد [ ص: 5 ] القرشي الحزامي المدني ، أبو إسحاق ، روى عنه أبو حاتم وأبو زرعة وابن ماجه وغيرهم ، وروى البخاري عنه ، وروى أيضا عن محمد بن غالب عنه ، وروى النسائي عن رجل عنه ، وروى له الترمذي ، قال النسائي : ليس به بأس . مات سنة ست - وقيل خمس - وثلاثين ومائتين بالمدينة .

الرابع : محمد بن فليح المذكور ، روى عن هشام بن عروة وغيره ، روى عنه هارون بن موسى الفروي وغيره ، لينه ابن معين ، وقال أبو حاتم : ما به بأس ، ليس بذلك القوي . مات سنة سبع وتسعين ومائة ، روى له البخاري والنسائي وابن ماجه .

الخامس : أبو فليح المذكور .

السادس : هلال بن علي ، ويقال له : هلال بن أبي ميمونة ، ويقال له : هلال بن أبي هلال ، ويقال له : هلال ابن أسامة - نسبته إلى جده ، وقد يظن أربعة والكل واحد . قال مالك : هلال بن أبي أسامة ، تابعه على ذلك أسامة بن زيد الليثي وقال : هو الفهري القرشي المدني ، وهو من صغار التابعين ، وشيخه في هذا الحديث من أوساطهم ، سمع أنسا وغيره ، وقال أبو حاتم : يكتب حديثه ، وهو شيخ . قال الواقدي : مات في آخر خلافة هشام ، روى له الجماعة .

السابع : عطاء بن يسار ، مولى ميمونة بنت الحارث ، وقد تقدم ذكره .

الثامن : أبو هريرة ، وقد تقدم ذكره أيضا .

بيان الأنساب : الباهلي - بالباء الموحدة نسبة إلى باهلة بنت صعب بن سعد العشيرة بن مالك بن كذا ، ومالك هو جماع مذحج .

العوقي - بفتح العين المهملة والواو وبالقاف نسبة إلى العوقة ، وهم حي من عبد القيس ، ولم يكن محمد بن سنان من العوقة وإنما نزل فيهم ، كان لهم محلة بالبصرة فنزل عندهم فنسب إلى العوقة .

الخزاعي - بضم الخاء وبالزاي المعجمتين نسبة إلى خزاعة ، وهو عمرو بن ربيعة . وقال الرشاطي : الخزاعي في الأزد وفي قضاعة ; فالذي في الأزد ينسب إلى خزاعة وهو عمرو بن ربيعة ، وفي قضاعة بطن وهو خزاعة بن مالك بن عدي الحزامي بكسر الحاء المهملة وبالزاي المعجمة ، نسبة إلى حزام أحد الأجداد . وقال الرشاطي : الحزامي في أسد قريش وفي فزارة ; فالذي في قريش حزام بن خويلد بن أسد ، والذي في فزارة حزام بن سعد بن عدي بن فزارة الفهري بكسر الفاء نسبة إلى فهر بن مالك بن النضر بن كنانة .

بيان لطائف إسناده : منها أن فيه التحديث بصيغة الجمع ، والتحديث بصيغة الإفراد وهو قوله " حدثني إبراهيم بن المنذر " ، وفي بعض النسخ " حدثنا " ، والفرق بينهما ظاهر ; وهو أن الشيخ إذا حدث له وهو السامع وحده يقول حدثني ، وإذا حدث ومعه غيره يقول حدثنا . وفيه العنعنة أيضا .

ومنها أن هذا إسنادان ; أحدهما عن محمد بن سنان عن فليح عن هلال عن عطاء عن أبي هريرة ، والآخر عن إبراهيم بن المنذر عن محمد بن فليح عن أبيه عن هلال ... إلى آخره ، وهذا أنزل من الأول بواحد .

ومنها أن رجال الإسناد الأخير كلهم مدنيون ، ومنها أن في غالب النسخ قبل قوله " وحدثني إبراهيم بن المنذر " صورة ( ح ) ، وهي حاء مهملة مفردة ، قيل إنها مأخوذة من التحول لتحوله من إسناد إلى آخر ، ويقول القارئ إذا انتهى إليها " حا " ويستمر في قراءة ما بعدها ، وقيل إنها من حال بين الشيئين إذا حجز ; لكونها حالة بين الإسنادين ، وأنه لا يلفظ عند الانتهاء إليها بشيء . وقيل : إنها رمز إلى قوله " الحديث " . وأهل المغرب إذا وصلوا إليها يقولون : الحديث . وقد كتب جماعة عن حفاظ عراق العجم موضعها " صح " ، فيشعر بأنها رمز صحيح ، وحسن هنا كتابة صح ; لئلا يتوهم أنه سقط متن الإسناد الأول ، وهي كثيرة في صحيح مسلم قليلة في البخاري .

بيان تعدد موضعه ومن أخرجه غيره : أخرجه البخاري ها هنا كما ترى ، وأخرجه أيضا في الرقاق مختصرا عن محمد بن سنان عن فليح بن سليمان عن هلال بن علي - به ، ولم يخرجه من أصحاب الستة غيره .

بيان اللغات : قوله " أعرابي " هو الذي يسكن البادية ، وهو منسوب إلى الأعراب ساكني البادية من العرب الذين لا يقيمون في الأمصار ولا يدخلونها إلا لحاجة ، والعرب اسم لهذا الجيل المعروف من الناس ، ولا واحد له من لفظه سواء أقام بالبادية أو المدن ، والنسبة إليه عربي . وليس الأعراب جمعا لعرب ، ولم يعرف اسم هذا الأعرابي .

قوله " الساعة " ، قال الأزهري : الساعة الوقت الذي تقوم فيه القيامة ، وسميت بذلك لأنها تفجأ الناس في ساعة ، فيموت الخلق كلهم بصيحة واحدة . وفي العباب : الساعة القيامة .

قلت : أصله سوعة ; قلبت الواو ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها .

قوله " وسد " من وسدته الشيء فتوسده إذا جعله تحت رأسه ، والمعنى إذا فوض الأمر وأسند . وفي المطالع : إذا وسد الأمر إلى غير أهله - كذا لكافة الرواة ; أي أسند وجعل إليهم وقلدوه . وعند القابسي " أسد " ، وقال : الذي أحفظ " وسد " . وقال : هما بمعنى . قال القاضي : هو كما قال . وقد قالوا : وساد وأساد ، واشتقاقها واحد ، والواو هنا بعد الألف ، ولعلها صورة الهمزة . والوساد ما يتوسد إليه للنوم ، يقال : إساد وإسادة ووسادة . وفي العباب : الوساد والوسادة [ ص: 6 ] والوسدة المخدة ، والجمع وسد ووسائد ، وسدته كذا أي جعلته له وسادة ، وتوسد الشيء جعله تحت رأسه .

وقال بعضهم : قوله " وسد " أي جعل له غير أهله وسادا . قلت : ليس معناه كذا ، بل المعنى : إذا وضعت وسادة الأمر لغير أهلها . والمراد من الأمر جنس الأمر الذي يتعلق بالدين ، فإذا وضعت وسادته لغير أهلها تهان وتحقر على ما نبينه عن قريب .

قوله " فانتظر " أمر من الانتظار .

بيان الإعراب : قوله " بينما " أصله بين فزيدت عليه ما ، وهو ظرف زمان بمعنى المفاجأة .

قوله : " النبي صلى الله عليه وسلم " مبتدأ .

وقوله " يحدث القوم " جملة من الفعل والفاعل والمفعول - خبره ، ويحدث يقتضي مفعولين ، وأحد المفعولين ها هنا محذوف لدلالة السياق عليه ، والقوم هم الرجال دون النساء ، وقد تدخل النساء فيه على سبيل التبع لأن قوم كل نبي رجال ونساء ، وجمعه أقوام ، وجمع الجمع أقاوم .

وقوله " في مجلس " حال .

قوله " جاءه أعرابي " جملة من الفعل والفاعل - وهو أعرابي - والمفعول وهو الضمير المنصوب في " جاءه " العائد إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، وهو جواب " بينما " ، وهو العامل في " بينما " . وقال الأصمعي : الأفصح في جوابه أن لا يكون بإذ وإذا - وقال غيره بالعكس ، والصواب معه لورود الحديث هكذا . وقيل : " بينما " ظرف يتضمن معنى الشرط ، فلذلك اقتضى جوابا - وفيه نظر .

قوله " متى الساعة ؟ " مبتدأ وخبر ، وكلمة " متى " ها هنا للاستفهام .

قوله " يحدث " ; أي يحدث القوم ، وفي بعض الروايات " بحديثه " بحرف الجر ، وفي رواية المستملي والحموي " يحدثه " بزيادة الهاء وليست في رواية الباقين . والضمير المنصوب فيه لا يعود على الأعرابي ، وإنما التقدير يحدث القوم الحديث الذي كان فيه .

فإن قلت : ما محل " يحدث " من الإعراب ؟ قلت : محلها النصب على الحال من الضمير الذي في " مضى " .

قوله " فقال بعض القوم " ، من ها هنا إلى قوله " لم يسمع " جملة معترضة . فإن قلت : هل يجوز الاعتراض بالفاء ؟ قلت : نعم ، جائز .

قوله " سمع " ; أي النبي صلى الله عليه وسلم .

قوله " ما قال " ; أي الأعرابي ، وما موصولة ، وقال جملة صلته والعائد محذوف أي ما قاله ، والجملة مفعول " سمع " ، ويجوز أن تكون " ما " مصدرية - أي سمع قوله ، وكذا الكلام في قوله " فكره ما قال " .

قوله " بل لم يسمع " ، قال الكرماني : علام عطف " بل لم يسمع " ; إذ لا يصح أن يعطف على ما تقدم ، إذ الإضراب إنما يكون عن كلام نفسه ، بل لا يصح عطف أصلا على كلام غير العاطف ! قلت : لا نسلم امتناع صحة العطف والإضراب بين كلام متكلمين ، وما الدليل عليه ؟ سلمنا ، لكن يكون الكل من كلام البعض الأول ، كأنه قال البعض الآخر للبعض الأول : قل بل لم يسمع . أو كلام البعض الآخر بأن يقدر لفظ " سمع " قبله ، كأنه قال : سمع ، بل لم يسمع .

قلت : هذا كله تعسف نشأ من عدم الوقوف على أسرار العربية ، فنقول : التحقيق ها هنا أن كلمة " بل " حرف إضراب ، فإن تلاها جملة كان معنى الإضراب إما الإبطال وإما الانتقال عن غرض إلى غرض ، وإن تلاها مفرد فهي عاطفة ، وهاهنا تلاها جملة ; أعني قوله " لم يسمع " ، فكان الإضراب بمعنى الإبطال .

قوله " حتى إذا قضى " يتعلق بقوله " فمضى يحدث " ، لا بقوله " لم يسمع " .

قوله " قال : أين أراه السائل " ; أي قال النبي صلى الله عليه وسلم .

وقوله " أراه " بضم الهمزة ، معناه أظن ، وهو شك من محمد بن فليح ، ورواه الحسن بن سفيان وغيره عن عثمان بن أبي شيبة عن يونس عن محمد بن فليح من غير شك ، ولفظه : قال أين السائل ؟

فإن قلت : السائل مرفوع بماذا ؟ قلت : مرفوع على الابتداء ، وخبره قوله " أين " مقدما ، وأين سؤال عن المكان بنيت لتضمنها حرف الاستفهام . وقول بعضهم " السائل بالرفع على الحكاية " خطأ ، بل هو رفع على الابتداء كما قلنا .

وقوله : " أراه " جملة معترضة بين المبتدأ والخبر ، والمعنى أظن أنه قال " أين السائل " .

قوله " قال " ; أي الأعرابي ، " ها " حرف التنبيه ، وفي العباب " هاء " بالمد تكون تنبيها بمعنى جوابا . وقال الجوهري : ها قد تكون جواب النداء تمد وتقصر ، وأيضا ها مقصورة للتقريب ، إذا قيل لك أين أنت ؟ تقول : ها أنا ذا .

قوله " أنا " مبتدأ ، وخبره محذوف ; أي أنا سائل ، وإنما ترك العاطف عند " قال " في الموضعين السؤال والجواب لأن المقام كان مقام المقاولة ، والراوي يحكي ذلك ، كأنه لما قال الأعرابي ذلك سأل سائل ماذا قال النبي صلى الله عليه وسلم في جوابه ؟ وبالعكس .

قوله " فإذا ضيعت الأمانة " ، كلمة " إذا " تضمن معنى الشرط ، ولهذا جاء جوابها بالفاء وهو قوله " فانتظر الساعة " .

قوله " قال : كيف إضاعتها " ; أي قال الأعرابي : كيف إضاعة الأمانة ، وفي بعض النسخ " فقال " بالفاء ، وما بعده من قال في الموضعين بلا فاء ، ووجهه أن السؤال عن كيفية الإضاعة متفرع على ما قبله ، فلهذا عقبه بالفاء بخلاف أختيه .

قوله " قال : إذا وسد الأمر إلى غير أهله " جواب لقوله " كيف إضاعتها ؟ " ، فإن قلت : السؤال إنما هو عن كيفية الإضاعة لقوله " كيف " ، والجواب هو بالزمان لا بيان الكيفية - فما وجهه ؟ قلت : ذاك متضمن للجواب ; إذ يلزم منه بيان [ ص: 7 ] أن كيفيتها هي بالتوسد المذكور .

قوله " فانتظر الساعة " ، الفاء فيه للتفريع أو جواب شرط محذوف ; يعني إذا كان الأمر كذلك فانتظر الساعة ، وليست هي جواب " إذا " التي في قوله " إذا وسد الأمر إلى غير أهله " ; لأنها لا تتضمن ها هنا معنى الشرط . فإن قلت : كان ينبغي أن يقال : لغير أهله ! قلت : إنما قال " إلى غير أهله " ليدل على معنى تضمين الإسناد .

بيان المعاني : قوله " متى الساعة " ; أي متى يكون قيام الساعة .

قوله " فكره ما قال " ; أي فكره رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قاله الأعرابي ، ولهذا لم يلتفت إلى الجواب ، فلذلك حصل للصحابة رضي الله عنهم التردد ; منهم من قال " سمع فكره " ، ومنهم من قال " لم يسمع " ; وذلك لأنه - صلى الله عليه وسلم - كان يكره السؤال عن هذه المسألة بخصوصها .

قوله " أين السائل عن الساعة ؟ " ; أي عن زمان الساعة .

قوله " إذا وسد الأمر " ، المراد به جنس الأمور التي تتعلق بالدين كالخلافة والقضاء والإفتاء ونحو ذلك ، ويقال : أي بولاية غير أهل الدين والأمانات ومن يعينهم على الظلم والفجور ، وعند ذلك تكون الأئمة قد ضيعوا الأمانة التي فرض الله عليهم حتى يؤتمن الخائن ويخون الأمين ، وهذا إنما يكون إذا غلب الجهل وضعف أهل الحق عن القيام به .

فإن قلت : تأخر الجواب عن السؤال ها هنا ، وهل يجوز تأخيره فيما يتعلق بالدين ؟ قلت : الجواب من وجهين ; الأول بطريق المنع ، فنقول : لا نسلم استحقاق الجواب ها هنا ; لأن المسألة ليست مما يجب تعلمها، بل هي مما لا يكون العلم بها إلا لله تعالى . والثاني بطريق التسليم ، فنقول : سلمنا ذلك ، ولكنه يحتمل أن يكون - عليه السلام - مشتغلا في ذلك الوقت بما كان أهم من جواب هذا السائل ، ويحتمل أنه أخره انتظارا للوحي أو أراد أن يتم حديثه لئلا يختلط على السامعين ، ويحتمل أن يكون في ذلك الوقت في جواب سؤال سائل آخر متقدم فكان أحق بتمام الجواب .

بيان استنباط الأحكام ، وهو على وجوه ; الأول : فيه وجوب تعليم السائل ; لقوله صلى الله عليه وسلم " أين السائل " ، ثم إخباره عن الذي سأل عنه .

الثاني : فيه أن من آداب المتعلم أن لا يسأل العالم ما دام مشتغلا بحديث أو غيره ; لأن من حق القوم الذين بدأ بحديثهم أن لا يقطعه عنهم حتى يتمه .

الثالث : فيه الرفق بالمتعلم وإن جفا في سؤاله أو جهل ; لأنه عليه الصلاة والسلام لم يوبخه على سؤاله قبل إكمال حديثه .

الرابع : فيه مراجعة العالم عند عدم فهم السائل ; لقوله " كيف إضاعتها " .

الخامس : فيه جواز اتساع العالم في الجواب أنه ينبغي منه إذا كان ذلك لمعنى أو لمصلحة .

السادس : فيه التنبيه على تقديم الأسبق في السؤال ; لأنا قلنا إنه يحتمل أن يكون تأخير الرسول صلى الله عليه وسلم الجواب لكونه مشغولا بجواب سؤال سائل آخر ، فنبه بذلك أنه يجب على القاضي والمفتي والمدرس تقديم الأسبق لاستحقاقه بالسبق .

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث