الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب القراءة والعرض على المحدث

63 [ ص: 19 ] 5 - حدثنا عبد الله بن يوسف قال : حدثنا الليث ، عن سعيد - هو المقبري - عن شريك بن عبد الله بن أبي نمر أنه سمع أنس بن مالك يقول : بينما نحن جلوس مع النبي صلى الله عليه وسلم في المسجد دخل رجل على جمل فأناخه في المسجد ثم عقله ، ثم قال لهم : أيكم محمد ؟ والنبي صلى الله عليه وسلم متكئ بين ظهرانيهم ، فقلنا : هذا الرجل الأبيض المتكئ . فقال له الرجل : ابن عبد المطلب ؟ فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : قد أجبتك . فقال الرجل للنبي صلى الله عليه وسلم : إني سائلك فمشدد عليك في المسألة ، فلا تجد علي في نفسك ! فقال : سل عما بدا لك ! فقال : أسألك بربك ورب من قبلك ، آلله أرسلك إلى الناس كلهم ؟ فقال : اللهم نعم ! قال : أنشدك بالله ، آلله أمرك أن نصلي الصلوات الخمس في اليوم والليلة ؟ قال : اللهم نعم ! قال : أنشدك بالله ، آلله أمرك أن نصوم هذا الشهر من السنة ؟ قال : اللهم نعم ! قال : أنشدك بالله ، آلله أمرك أن تأخذ هذه الصدقة من أغنيائنا فتقسمها على فقرائنا ؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم : اللهم نعم ! فقال الرجل : آمنت بما جئت به ، وأنا رسول من ورائي من قومي ، وأنا ضمام بن ثعلبة أخو بني سعد بن بكر .

التالي السابق


لما ذكر احتجاج بعضهم في القراءة على العالم لحديث ضمام بن ثعلبة أخرجه ها هنا بتمامه .

بيان رجاله ; وهم خمسة :

الأول : عبد الله بن يوسف التنيسي ، وقد مر .

الثاني : الليث بن سعد المصري ، وقد مر .

الثالث : سعيد بن أبي سعيد المقبري ، وقد مر .

الرابع : شريك بن عبد الله بن أبي نمر - بفتح النون وكسر الميم - القرشي أبو عبد الله المدني القرشي ، وقال الواقدي : الليثي . وقال غيره : الكناني . وجده أبو نمر شهد أحدا مع المشركين ثم هداه الله إلى الإسلام ، سمع أنس بن مالك وسعيد بن المسيب وأبا سلمة بن عبد الرحمن وعطاء بن يسار وغيرهم ، روى عنه مالك وسعيد المقبري وإسماعيل بن جعفر وسليمان بن بلال وغيرهم .

قال ابن سعد : كان ثقة كثير الحديث . وقال يحيى بن معين : ليس به بأس . وقال ابن عدي : شريك رجل مشهور من أهل الحديث ، حدث عنه الثقات ، وحديثه إذا روى عنه ثقة فلا بأس به إلا أن يروي عنه ضعيف ، روى له الجماعة إلا الترمذي ، توفي سنة أربعين ومائة .

الخامس : أنس بن مالك ، وقد مر .

بيان لطائف إسناده : منها أن فيه التحديث والعنعنة والسماع ، ومنها أن رواته ما بين تنيسي ومصري ومدني ، ومنها أن فيه رواية تابعي عن تابعي .

فإن قلت : هذا الحديث فيه اختلاف من وجهين ; أحدهما أن النسائي رواه من طريق يعقوب بن إبراهيم بن سعد عن الليث قال : حدثني محمد بن عجلان وغيره عن سعيد . والثاني : أخرجه النسائي أيضا والبغوي من طريق الحارث بن عمر عن عبد الله العمري عن سعيد عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه ، وأخرج ابن منده من طريق الضحاك بن عثمان عن سعيد المقبري عن أبي هريرة - قلت : أما الأول فإنه يمكن أن يكون الليث قد سمع من سعيد بواسطة ثم لقيه فحدث به ، ويؤيد ذلك رواية الإسماعيلي من طريق يونس بن محمد عن الليث : حدثني سعيد - وكذا رواية ابن منده من طريق ابن وهب عن الليث ، وأما الثاني فلأن الليث أثبتهم في سعيد .

بيان من أخرجه غيره : أخرجه أبو داود في الصلاة عن عيسى بن حماد عن الليث - نحوه ، والنسائي في الصوم عن عيسى بن حماد - به ، وعن عبيد الله بن سعد بن إبراهيم بن سعد عن عمه يعقوب بن إبراهيم عن الليث : حدثني ابن عجلان وغيره من أصحابنا عن سعيد المقبري . وأخرجه ابن ماجه في الصلاة عن عيسى بن حماد - به .

بيان اللغات : قوله " على جمل " ، وهو زوج الناقة ، وتسكين الميم فيه لغة ، ومنه قراءة أبي السماك " حتى يلج الجمل " بسكون الميم ، والجمع جمال وجمالة وجمالات وجمائل وأجمال .

قوله " فأناخه " ، يقال أنخت الجمل أبركته ، ويقال أيضا أناخ الجمل نفسه أي برك ، وقال ابن الأعرابي : لا يقال أناخ ولا ناخ .

قوله " ثم عقله " بفتح العين المهملة والقاف ، قال الجوهري : عقلت البعير [ ص: 20 ] أعقله عقلا ، وهو أن يثني وظيفه مع ذراعه ليشدهما جميعا في وسط الذراع ، والوظيف هو مستدق الساق والذراع من الإبل ، والحبل الذي يشد به هو العقال ، والجمع عقل .

قوله " متكئ " مهموز ، يقال : اتكأ على الشيء فهو متكئ ، والموضع متكأ - كله مهموز الآخر . وتوكأت على العصا ، وكل من استوى على وطاء فهو متكئ ، وهذا المعنى هو المراد في الحديث .

قوله " بين ظهرانيهم " بفتح الظاء والنون ، وفي الفائق : يقال أقام فلان بين ظهراني قومه وبين ظهرانيهم أي بينهم . وأقحم لفظ الظهر ليدل على أن إقامته بينهم على سبيل الاستظهار بهم - أي منهم - والاستناد إليهم ، وكأن معنى التثنية فيه أن ظهرا منهم قدامه وآخر وراءه ، فهو مكتوف من جانبيه ، ثم كثر استعماله في الإقامة بين القوم مطلقا وإن لم يكن مكتوفا ، وأما زيادة الألف والنون بعد التثنية فإنما هي للتأكيد كما تزاد في النسبة نحو نفساني في النسبة إلى النفس ونحوه .

قوله " فلا تجد علي " بكسر الجيم ; أي لا تغضب ، يقال وجد عليه موجدة في الغضب ، ووجد مطلوبه وجودا ، ووجد ضالته وجدانا ، ووجد في الحزن وجدا ، ووجد في المال جدة - أي استغنى ; هذا الذي ذكره الشراح ، وهي خمسة مصادر . وقال بعضهم : ومادة وجد متحدة الماضي والمضارع مختلفة المصادر بحسب اختلاف المعاني - قلت : لا نسلم ذلك ، بل يقال وجد مطلوبه يجده - بكسر الجيم - ويجده بالضم وهي لغة عامرية ، ووجد بكسر الجيم لغة ، قاله في العباب . وكذلك يقال وجد عليه في الغضب يجد بكسر الجيم ويجد بضمها موجدة ووجدانا أيضا - حكاها بعضهم ، وأنشد الفراء في نوادره لصخر الغيرثي ابنه تليدا :


وقالت لن ترى أبدا تليدا بعينك آخر العمر الجديد     كلانا رد صاحبه بيأس
وإثبات ووجدان شديد

وكذا يقال وجد في المال وجدا ووجدا ووجدا وجدة - أربع مصادر ، وقرأ الأعرج ونافع ويحيى بن يعمر وسعيد بن جبير وابن أبي عبلة وطاوس وأبو حيوة وأبو البر هشيم " من وجدكم " بفتح الواو ، وقرأ أبو الحسن روح بن عبد المؤمن " من وجدكم " بالكسر ، والباقون " من وجدكم " بالضم .

قوله " عما بدا " أي ظهر ، من البدو .

قوله " أنشدك " بفتح الهمزة وسكون النون وضم الشين المعجمة ، ومعناه أسألك بالله . وقال الجوهري : نشدت فلانا أنشده نشدا إذا قلت له نشدتك الله ! أي سألتك بالله ، كأنك ذكرته إياه فتنشد أي تذكر . وقال البغوي في شرح السنة : أصله من النشيد وهو رفع الصوت ، والمعنى سألتك رافعا صوتي . وفي العباب : نشدت فلانا أنشده نشدا ، ونشدت الضالة أنشدها نشدا ونشدة ونشدانا : طلبتها .

قوله " هذه الصدقة " أراد به الزكاة .

بيان التصريف : قوله " جلوس " جمع جالس ، كركوع جمع راكع .

قوله " فأناخه " ، أصله فأنوخه ; قلبت الواو ألفا بعد نقل حركتها إلى ما قبلها .

قوله " والنبي متكئ " اسم فاعل من اتكأ يتكئ ، أصله موتكئ ; قلبت الواو تاء وأدغمت التاء في التاء . وكذلك أصل اتكأ ويتكئ يوتكئ ; لأن مادته واو وكاف وهمزة . ومنه يقال رجل تكأة ، أصله وكأة مثل تؤدة إذا كان كثير الاتكاء ، والاتكاء أيضا ما يتكأ عليه ، وهي المتكأ ، قال الله تعالى : وأعتدت لهن متكأ قال الأخفش : هو في معنى مجلس .

قوله " فمشدد " اسم فاعل من شدد تشديدا ، والمسألة - بفتح الميم - مصدر ميمي ; يقال سألته الشيء وسألته عن الشيء سؤالا ومسألة ، وقد تخفف الهمزة فيقال : سال يسال . وقرأ أبو جعفر ونافع وابن كثير سأل سائل بتخفيف الهمزة .

قوله " سل " أمر من سأل يسأل ، وأصله اسأل على وزن افعل ، فنقلت حركة الهمزة إلى السين فحذفت للتخفيف ، واستغني عن همزة الوصل فحذفت ، فصار سل على وزن فل ; لأن الساقط هو عين الفعل .

قوله " فلا تجد علي " ، أصله فلا توجد ; لأنه من وجد عليه .

قوله " بدا " فعل ماض ، تقول : بدا الأمر بدوا مثل قعد قعودا - أي ظهر ، وأبديته أظهرته .

بيان الإعراب : قوله " بينما " أصله بين زيدت عليه ما ، وهو من الظروف الزمانية اللازمة الإضافة إلى الجملة . وبين وبينما يتضمنان بمعنى المجازات ، ولا بد لهما من جواب ، والعامل فيهما الجواب إذا كان مجردا من كلمة المفاجأة ، وإلا فمعنى المفاجأة .

قوله " نحن " مبتدأ ، وجلوس خبره .

قوله " في المسجد " اللام فيه للعهد ; أي مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم .

قوله " دخل رجل " هو جواب " بينما " ، وفي رواية الأصيلي " إذ دخل رجل " ، وقد مر غير مرة أن الأصمعي لا يستفصح إذ وإذا في جواب بين وبينما .

قوله " على جمل " في محل الرفع على أنه صفة لرجل .

قوله " فأناخه " عطف على قوله " دخل " .

قوله [ ص: 21 ] " أيكم " كلام إضافي مبتدأ ، ومحمد خبره ، وأي ها هنا للاستفهام .

قوله " والنبي متكئ " جملة اسمية وقعت حالا .

قوله " هذا الرجل " مبتدأ وخبر مقول القول ، والأبيض بالرفع صفة للرجل ، وكذلك المتكئ .

قوله " فقال له " ; أي فقال الرجل للنبي عليه الصلاة والسلام .

قوله " ابن عبد المطلب " بفتح النون ; لأنه منادى مضاف ، وأصله يا ابن عبد المطلب فحذف حرف النداء . وفي رواية الكشميهني " يا ابن عبد المطلب " بإثبات حرف النداء .

قوله " فقال له الرجل " ; أي الرجل المذكور في قوله " دخل رجل على جمل " .

قوله " إني سائلك " جملة اسمية مؤكدة بأن مقول القول .

قوله " فمشدد " عطف على "سائلك" .

قوله " فلا تجد " نهي كما ذكرناه .

قوله " فقال : سل " ; أي فقال الرسول عليه الصلاة والسلام للرجل : سل .

قوله " بربك " ; أي بحق ربك ، الباء للقسم .

قوله " آلله " بالمد في المواضع كلها ; لأنها همزتان الأولى همزة الاستفهام والثانية همزة لفظة الله ، وهو مرفوع بالابتداء ، وأرسلك خبره .

قوله " اللهم نعم " ، قال الكرماني : " اللهم " أصله يا الله ، فحذف حرف النداء وجعل الميم بدلا منه ، والجواب هو " نعم " ، وذكر لفظ اللهم للتبرك ، وكأنه استشهد بالله في ذلك تأكيدا لصدقه . قلت : اللهم تستعمل على ثلاثة أنحاء ; الأول للنداء المحض - وهو ظاهر ، والثاني للإيذان بندرة المستثنى كما يقال : اللهم إلا أن يكون كذا . والثالث البدل على تيقن المجيب في الجواب المقترن هو به ، كقولك لمن قال أزيد قائم : اللهم نعم ، أو اللهم لا - كأنه يناديه تعالى مستشهدا على ما قاله من الجواب .

قوله " أنشدك " جملة من الفعل والفاعل ، والباء في " بالله " للقسم .

قوله " أن تصلي " بتاء الخطاب ، ووقع عند الأصيلي بالنون .

قوله " الصلوات الخمس " ، هكذا بجمع " الصلوات " عند الأكثرين ، ووقع في رواية الكشميهني والسرخسي " الصلاة " بالإفراد . فإن قلت : على هذا كيف توصف الصلاة بالخمس وهي مفردة ؟ قلت : هي للجنس ، فيحتمل التعدد . وقال القاضي عياض : " أن نصلي " بالنون أوجه ، ويؤيده رواية ثابت عن أنس بلفظ " إن علينا خمس صلوات ليومنا وليلتنا " .

قوله " أن تصوم " بتاء المخاطبة ، وعند الأصيلي بالنون .

قوله " هذا الشهر " ; أي شهر رمضان من السنة ، أي من كل سنة ، إذ اللام للعهد ، والإشارة فيه لنوع هذا الشهر لا لشخص ذلك الشهر بعينه .

قوله " أن تأخذ هذه الصدقة " بتاء المخاطب وكذلك " تقسمها " ، وأن مصدرية ، وأصلها بأن تأخذ - أي تأخذ الصدقة .

قوله " فتقسمها " بالنصب عطف على قوله " أن تأخذها " .

قوله " بما جئت " ; أي بالذي جئت به .

قوله " وأنا " مبتدأ ، ورسول خبره مضاف إلى " من " بفتح الميم وهي موصولة ، وكلمة " من " في قوله " من قومي " للبيان .

بيان المعاني : قوله " فأناخه في المسجد " فيه حذف ، والتقدير : فأناخه في رحبة المسجد ونحوها ، وإنما قلنا هكذا لتتفق هذه الرواية بالروايات الأخرى ; فإن في رواية أبي نعيم " أقبل على بعير له حتى أتى المسجد ، فأناخه ثم عقله فدخل المسجد " ، وفي رواية أحمد والحاكم عن ابن عباس رضي الله عنهما ، ولفظها " فأناخ بعيره على باب المسجد فعقله ثم دخل " .

قوله " هذا الرجل الأبيض " المراد به البياض النير الزاهر ، وأما ما ورد في صفته أنه ليس بأبيض ولا آدم فالمراد به البياض الصرف كلون الجص كريه المنظر ; فإنه لون البرص . ويقال : المراد بالأبيض هو الأبيض المشرب بحمرة ، يدل عليه ما جاء في رواية الحارث بن عمير " فقال : أيكما ابن عبد المطلب ؟ فقالوا : هو الأمغر المرتفق " ، قال الليث : الأمغر الذي في وجهه حمرة مع بياض صاف . وقال غيره : الأمغر الأحمر الشعر والجلد على لون المغرة . وقال ابن فارس : الأمغر من الخيل الأشقر . قلت : مادته ميم وغين معجمة وراء مهملة .

قوله " أجبتك " ، ومعناه سمعتك . وقال الكرماني : فإن قلت : متى أجاب حتى أخبر عنه ؟ قلت : أجبت بمعنى سمعت ، أو المراد منه إنشاء الإجابة . وإنما أجابه عليه السلام بهذه العبارة لأنه أخل بما يجب من رعاية غاية التعظيم والأدب بإدخال الجمل في المسجد وخطابه بأيكم محمد وبابن عبد المطلب ، انتهى .

قلت : لا يخلو ضمام إما أنه قدم مسلما وإما غير مسلم ; فإن كان الأول فإنه يحمل ما صدر منه من هذه الأشياء على أنه لم يكن في ذلك الوقت وقف على أمور الشرع ولا على النهي ، وهو قوله تعالى : لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا على أنه كانت فيه بقية من جفاء الأعراب وجهلهم ، وإن كان الثاني فلا يحتاج إلى الاعتذار عنه .

واختلفوا هل كان مسلما عند قدومه أم لا ؟ فقال جماعة : إنه كان أسلم قبل وفوده ، حتى زعمت طائفة منهم أن البخاري فهم إسلام ضمام قبل قدومه وأنه جاء يعرض على النبي عليه السلام ، ولهذا بوب عليه باب القراءة والعرض على المحدث ، ولقوله آخر الحديث " آمنت بما جئت به ، وأنا [ ص: 22 ] رسول من ورائي من قومي " ، وإن هذا إخبار وهو اختيار البخاري ، ورجحه القاضي عياض .

وقال جماعة أخرى : لم يكن مسلما وقت قدومه ، وإنما كان إسلامه بعده لأنه جاء مستثبتا ، والدليل عليه ما في حديث ابن عباس - رواه ابن إسحاق وغيره - وفيه أن بني سعد بن بكر بعثوا ضمام بن ثعلبة ... الحديث ، وفي آخره " حتى إذا فرغ قال : أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله " .

وأجابوا عن قوله " آمنت " بأنه إنشاء وابتداء إيمان لا إخبار بإيمان تقدم منه ، وكذلك قوله " وأنا رسول من ورائي " ، ورجحه القرطبي لقوله في حديث ثابت عن أنس عند مسلم وغيره " فإن رسولك زعم " ، قال : والزعم القول الذي لا يوثق به - قاله ابن السكيت وغيره ، وقال بعضهم : فيه نظر ; لأن الزعم يطلق على القول المحقق أيضا كما نقله أبو عمر الزاهد في شرح فصيح شيخه ثعلب . قلت : أصل وضعه كما قاله ابن السكيت ، واستعماله في القول المحقق مجاز يحتاج إلى قرينة .

وأجابوا أيضا عن قولهم " إن البخاري فهم إسلام ضمام قبل قدومه " بأنه لا يلزم من تبويب البخاري ما ذكروه ; لأن العرض على المحدث هو القراءة عليه أعم من أن يكون تقدمت له أو ابتدأ الآن على الشيخ بقراءة شيء لم يتقدم قراءته ولا نظره . وقالوا : قد بوب أبو داود عليه " باب المشرك يدخل المسجد " ، وهو أيضا يدل على أنه لم يكن مسلما قبل قدومه .

وقد مال الكرماني إلى مقالة الأولين حيث قال : فإن قلت : من أين عرف حقيقية كلام الرسول عليه السلام وصدق رسالته ; إذ لا معجزة فيما جرى من هذه القصة ، وهذا الإيمان لا يفيد إلا تأكيدا وتقريرا ؟ قلت : الرجل كان مؤمنا عارفا بنبوته عالما بمعجزاته قبل الوفود ، ولهذا ما سأل إلا عن تعميم الرسالة إلى جميع الناس وعن شرائع الإسلام . قلت : عكسه القرطبي فاستدل به على إيمان المقلد بالرسول ولو لم تظهر له معجزة ، وكذا أشار إليه ابن الصلاح .

قوله " وأنا ضمام بن ثعلبة " بكسر الضاد المعجمة ، وثعلبة - بالثاء المثلثة المفتوحة والباء الموحدة - أخو بني سعد بن بكر السعدي ، قدم على النبي عليه السلام - بعثه إليه بنو سعد - فسأله عن الإسلام ثم رجع إليهم فأخبرهم به فأسلموا . وقال ابن عباس : ما سمعنا بوافد قط أفضل من ضمام بن ثعلبة .

قال ابن إسحاق : وكان قدوم ضمام هذا سنة تسع - وهو قول أبي عبيدة والطبري وغيرهما ، وقال الواقدي : كان سنة خمس - وهو قول محمد بن حبيب ، وفيه نظر من وجوه ; الأول : أن في رواية مسلم أن ذلك كان حين نزل النهي في القرآن عن سؤال الرسول عليه السلام ، وآية النهي في المائدة ، ونزولها متأخر .

الثاني : أن إرسال الرسل إلى الدعاء إلى الإسلام إنما كان ابتداؤه بعد الحديبية ، ومعظمه بعد فتح مكة شرفها الله .

الثالث : أن في حديث ابن عباس رضي الله عنهما أن قومه أطاعوه ودخلوا في الإسلام بعد رجوعه إليهم ، ولم يدخل بنو سعد بن بكر بن هوازن في الإسلام إلا بعد وقعة حنين ، وكانت في شوال سنة ثمان .

قوله " أخو بني سعد بن بكر " بن هوازن ، وهم أخوال رسول الله عليه الصلاة والسلام ، وفي العرب سعود قبائل شتى ; منها سعد تميم وسعد هذيل وسعد قيس وسعد بكر هذا ، وفي المثل " بكل واد بنو سعد " .

بيان استنباط الأحكام ، وهو على وجوه :

الأول : قال ابن الصلاح : فيه دلالة لصحة ما ذهب إليه العلماء من أن العوام المقلدين مؤمنون ، وأنه يكتفى منهم بمجرد اعتقادهم الحق جزما من غير شك وتزلزل خلافا للمعتزلة ; وذلك أنه عليه الصلاة والسلام قرر ضماما على ما اعتمد عليه في تعرف رسالته وصدقه بمجرد إخباره إياه بذلك ، ولم ينكره عليه ولا قال له يجب عليك معرفة ذلك بالنظر إلى معجزاتي والاستدلال بالأدلة القطعية .

الثاني : قال ابن بطال : فيه قبول خبر الواحد ; لأن قومه لم يقولوا له لا نقبل خبرك عن النبي صلى الله عليه وسلم حتى يأتينا من طريق آخر .

الثالث : قال أيضا : فيه جواز إدخال البعير في المسجد ، وهو دليل على طهارة أبوال الإبل وأرواثها ; إذ لا يؤمن ذلك منه مدة كونه في المسجد . قلت : هذا احتمال لا يحكم به في باب الطهارة ، على أنا قد بينا أن المراد من قوله " في المسجد " في الحديث - في رحبة المسجد ونحوها .

الرابع : فيه جواز تسمية الأدنى للأعلى دون أن يكنيه ، إلا أنه نسخ في حق الرسول عليه السلام بقوله تعالى : لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا

الخامس : فيه جواز الاتكاء بين الناس في المجالس .

السادس : فيه ما كان للنبي عليه السلام من ترك التكبر ; لقوله " ظهرانيهم " .

السابع : فيه جواز تعريف الرجل بصفة من البياض والحمرة والطول والقصر ، ونحو ذلك .

الثامن : فيه الاستحلاف على الخبر لعلم اليقين ، وفي مسلم " فبالذي خلق السماء وخلق الأرض ونصب هذه الجبال ، آلله أرسلك ؟ قال : نعم " .

التاسع : فيه التعريف [ ص: 23 ] بالشخص ; فإنه قال " أيكم محمد ؟ " وقال : " ابن عبد المطلب " .

العاشر : فيه النسبة إلى الأجداد ; فإنه قال " ابن عبد المطلب " ، وجاء في صحيح مسلم " يا محمد " .

الحادي عشر : استنبط منه الحاكم طلب الإسناد العالي ولو كان الراوي ثقة ، إذ البدوي لم يقنعه خبر الرسول عن النبي صلى الله عليه وسلم حتى رحل بنفسه وسمع ما بلغه الرسول عنه . قيل : إنما يتم ما ذكره إذا كان ضمام قد بلغه ذلك أولا . قلت : قد جاء ذلك مصرحا به في رواية مسلم .

الثاني عشر : فيه تقديم الإنسان بين يدي حديثه مقدمة يعتذر فيها ليحسن موقع حديثه عند المحدث ، وهو من حسن التوصل ، وإليه الإشارة بقوله " إني سائلك فمشدد عليك " .

الأسئلة والأجوبة : منها ما قيل : قال " على فقرائنا " ، وأصناف المصرف ثمانية لا تنحصر على الفقراء ! وأجيب بأن ذكرهم باعتبار أنهم الأغلب من سائر الأصناف ، أو لأنه في مقابلة ذكر الأغنياء .

ومنها ما قيل : لم لم يذكر الحج ؟ أجيب بأنه كان قبل فرضية الحج ، أو لأنه لم يكن من أهل الاستطاعة له - قاله الكرماني . قلت : لم يذكر الحج في رواية شريك بن عبد الله بن أبي نمر عن أنس ، وقد ذكره مسلم وغيره في رواية ثابت عن أنس ، وهو أنس ، وهو في حديث أبي هريرة وابن عباس أيضا ، وما قاله الكرماني هو منقول عن ابن التين ، والحامل لهم على ذلك ما روي عن الواقدي من أن قدوم ضمام كان سنة خمس ، وقد بينا فساده .

ومنها ما قيل : لم لم يخاطب بالنبوة ولا بالرسالة ، وقد قال الله تعالى : لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا ؟ وأجيب بأوجه ; الأول : أنه لم يكن آمن بعد .

الثاني : أنه باق على جفاء الجاهلية ، لكنه لم ينكر عليه ولا رد عليه .

الثالث : لعله كان قبل النهي عن مخاطبته عليه السلام بذلك .

الرابع : لعله لم يبلغه ، وقد مر الكلام فيه عن قريب . ويقال : إنما قال " ابن عبد المطلب " لأنه لما دخل على النبي صلى الله عليه وسلم قال " أيكم ابن عبد المطلب ، فقال له النبي عليه السلام : أنا ابن عبد المطلب " ، فقال " ابن عبد المطلب " على ما رواه أبو داود في سننه من طريق ابن عباس أنه قال " أيكم ابن عبد المطلب ؟ فقال النبي عليه السلام : أنا ابن عبد المطلب . فقال : يا ابن عبد المطلب " - وساق الحديث .

ومنها ما قيل : إن النبي صلى الله عليه وسلم كان يكره الانتساب إلى الكفار ، فكيف قال في هذا الحديث أنا ابن عبد المطلب ؟ وأجيب بأنه أراد به ها هنا تطابق الجواب السؤال ; لأن ضماما خاطبه بقوله " أيكم ابن عبد المطلب ؟ " فأجاب عليه السلام بقوله " أنا ابن عبد المطلب " . فإن قلت : كيف كان يكره ذلك وقد قال عليه السلام يوم حنين " أنا ابن عبد المطلب " ؟ قلت : لم يذكره إلا للإشارة إلى رؤيا رآها عبد المطلب مشهورة كانت إحدى دلائل نبوته ، فذكرهم بها وبخروج الأمر على الصدق .

ومنها ما قيل : ما فائدة الأيمان المذكورة ؟ وأجيب بأنها جرت للتأكيد وتقرير الأمر لا لافتقار إليها ، كما أقسم الله تعالى على أشياء كثيرة كقوله : قل إي وربي إنه لحق قل بلى وربي لتبعثن فورب السماء والأرض إنه لحق

ومنها ما قيل : هل النجدي السائل في حديث طلحة بن عبيد الله المذكور فيما مضى هو ضمام بن ثعلبة أو غيره ؟ أجيب بأن جماعة قد قالوا : إنه هو إياه ، والنجدي هو ضمام بن ثعلبة . ومال إلى هذا ابن عبد البر والقاضي عياض وغيرهما ، وقال القرطبي : يبعد أن يكونا واحدا لتباين ألفاظ حديثيهما ومساقهما .


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث