الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


870 35 - حدثنا آدم قال : حدثنا ابن أبي ذئب ، عن الزهري ، عن السائب بن يزيد قال : كان النداء يوم الجمعة أوله إذا جلس الإمام على المنبر على عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وأبي بكر وعمر رضي الله تعالى عنهما ، فلما كان عثمان رضي الله عنه وكثر الناس زاد النداء الثالث على الزوراء .

التالي السابق


مطابقته للترجمة ظاهرة .

ذكر رجاله ، وهم أربعة : آدم بن أبي إياس ، ومحمد بن عبد الرحمن بن أبي ذئب ، ومحمد بن مسلم بن شهاب الزهري ، والسائب بن يزيد الكندي ابن أخت النمر .

ذكر لطائف إسناده : فيه التحديث بصيغة الجمع في موضعين ، وفيه العنعنة في موضعين ، وفيه القول في موضعين ، وفيه عن السائب ، وفي رواية عقيل عن ابن شهاب أن السائب ابن يزيد أخبره ، وفي رواية يونس : وفيه عن الزهري ، سمعت السائب ، وستأتي هاتان الروايتان عن قريب إن شاء الله تعالى .

ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره : أخرجه البخاري أيضا في الجمعة عن أبي نعيم ، وعن يحيى بن بكير ، وعن محمد بن مقاتل ، وأخرجه أبو داود في الصلاة عن محمد بن سلمة المرادي ، وعن عبد الله بن محمد النفيلي ، وعن هناد بن السري ، وعن محمد بن يحيى بن فارس ، وأخرجه الترمذي فيه عن أحمد بن منيع ، وقال : حسن صحيح ، وأخرجه النسائي فيه عن محمد بن سلمة المرادي به ، وعن محمد بن يحيى ، وعن محمد بن عبد الأعلى ، وأخرجه ابن ماجه فيه عن يوسف بن موسى القطان ، وعن عبد الله بن سعيد .

ذكر معناه : قوله : " كان النداء " أي : الأذان ، وكذا وقع في رواية ابن خزيمة عن وكيع عن ابن أبي ذئب : كان الأذان على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبي بكر وعمر أذانين يوم الجمعة ، يريد بالأذانين الأذان والإقامة تغليبا أو لاشتراكهما في الإعلام ، وفي رواية لابن خزيمة " عن أبي عامر عن ابن أبي ذئب : كان ابتداء النداء الذي ذكره الله تعالى في القرآن يوم الجمعة " ، قوله : “ أوله " بالرفع بدل من النداء ، قوله : “ إذا جلس الإمام على المنبر " جملة في محل النصب ; لأنها خبر كان ، وفي رواية أبي عامر المذكورة " إذا خرج الإمام ، وإذا أقيمت الصلاة " ، وكذا في رواية البيهقي من طريق ابن أبي فديك عن ابن أبي ذئب ، وفي رواية النسائي عن سليمان التيمي " عن الزهري " كان بلال يؤذن إذا جلس النبي - صلى الله عليه وسلم - على المنبر ، فإذا نزل أقام ، ثم كان كذلك في زمن أبي بكر وعمر " ، وفي رواية أبي داود : كان يؤذن بين يدي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على باب المسجد وأبي بكر وعمر " ، وكذا في رواية الطبراني ، وفي رواية عبد بن حميد في تفسيره " في زمن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبي بكر وعمر وعامة خلافة عثمان ، فلما تباعدت المنازل وكثر الناس أمر بالنداء الثالث ، فلم يعب ذلك عليه ، وعيب عليه إتمام الصلاة بمنى " .

وقال الشافعي رحمه الله : حدثنا بعض أصحابنا عن ابن أبي ذئب ، وفيه : ثم أحدث عثمان الأذان الأول على الزوراء ، وفي ( مصنف عبد الرزاق ) عن ابن جريج قال سليمان بن موسى : أول من زاد الأذان بالمدينة عثمان رضي الله تعالى عنه ، فقال عطاء : كلا ، إنما كان يدعو الناس دعاء ، ولا [ ص: 211 ] يؤذن غير أذان واحد ، وفيه أيضا عن الحسن : النداء الأول يوم الجمعة الذي يكون عند خروج الإمام والذي يكون قبل ذلك محدث ، وكذا قال ابن عمر في رواية عنه : الأذان الأول يوم الجمعة بدعة ، وعن الزهري : أول من أحدث الأذان الأول عثمان ، يؤذن لأهل الأسواق ، وفي لفظ : فأحدث عثمان التأذينة الثالثة على الزوراء ليجتمع الناس ، ووقع في ( تفسير جويبر ) عن الضحاك عن برد بن سنان عن مكحول " عن معاذ بن عمر : هو الذي زاد ، فلما كانت خلافة عمر رضي الله تعالى عنه ، وكثر المسلمون أمر مؤذنين أن يؤذنا للناس بالجمعة خارجا في المسجد حتى يسمع الناس الأذان ، وأمر أن يؤذن بين يديه كما كان يفعل المؤذن بين يدي النبي - صلى الله عليه وسلم - وبين يدي أبي بكر ، ثم قال عمر : أما الأذان الأول فنحن ابتدعناه لكثرة المسلمين ، فهو سنة من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ماضية " ، وقيل : إن أول من أحدث الأذان الأول بمكة الحجاج ، وبالبصرة زياد ، قوله : “ فلما كان عثمان " أراد أنه لما صار خليفة ، قوله : “ وكثر الناس " أي : بمدينة النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وصرح به في رواية الماجشون ، وظاهر هذا أن عثمان أمر بذلك في ابتداء خلافته ; لكن في رواية أبي حمزة عن يونس عند أبي نعيم في ( المستخرج ) أن ذلك كان بعد مضي مدة خلافته ، قوله : “ زاد النداء الثالث " إنما سمي ثالثا باعتبار كونه مزيدا ; لأن الأول هو الأذان عند جلوس الإمام على المنبر ، والثاني هو الإقامة للصلاة عند نزوله ، والثالث عند دخول وقت الظهر ، فإن قلت : هو الأول ; لأنه مقدم عليهما . قلت : نعم هو أول في الوجود ، ولكنه ثالث باعتبار شرعيته باجتهاد عثمان ، وموافقة سائر الصحابة له بالسكوت ، وعدم الإنكار فصار إجماعا سكوتيا ، وإنما أطلق الأذان على الإقامة ; لأنها إعلام كالأذان ، ومنه قوله - صلى الله عليه وسلم - " بين كل أذانين صلاة لمن شاء " ، ويعني به بين الأذان والإقامة ، وإنما أولناه هكذا حتى لا يلزم أن يكون الأذان ثلاثا ، ولم يكن كذلك ، ولا يلزم أيضا أن يكون في الزمن الأول أذانان ، ولم يكن إلا أذان واحد ، فالأذان الثالث الذي زاده عثمان هو الأول اليوم ، فيكون الأول هو الأذان الذي كان في زمن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وزمن أبي بكر وعمر رضي الله تعالى عنهما عند الجلوس على المنبر ، والثاني هو الإقامة ، والثالث الأذان الذي زاده عثمان فأذن به على الزوراء .

ذكر ما يستفاد منه : قيل : استدل البخاري بهذا الحديث على الجلوس على المنبر قبل الخطبة ، قال بعضهم : خلافا لبعض الحنفية .

وقال صاحب التوضيح : قوله : " إذا جلس الإمام على المنبر " هذا سنة ، وعليه عامة العلماء خلافا لأبي حنيفة ، كذا قاله ابن بطال ، وتبعه ابن التين وقالا : خالف الحديث . قلت : هما خالفا الحديث حيث نسبا إليه ما لم يقل ; لأن مذهبه ما ذكره صاحب الهداية ، وإذا صعد الإمام على المنبر جلس وأذن المؤذنون بين يدي المنبر ، بذلك جرى التوارث ، انتهى .

واختلف : إن جلوس الإمام على المنبر قبل الخطبة هل هو للأذان أو لراحة الخطيب ؟ فعلى الأول : لا يسن في العيد ; لأنه لا أذان له ، ومما يستفاد منه أن الأذان قبل الخطبة ، وأن الخطبة قبل الصلاة ، ومنه أن التأذين كان بواحد .

وقال أبو عمر : اختلف الفقهاء هل يؤذن بين يدي الإمام واحد أو مؤذنون ، فذكر ابن عبد الحكم عن مالك إذا جلس على المنبر ونادى المنادي منع الناس من البيع تلك الساعة ، هذا يدل على أن النداء عنده واحد بين يدي الإمام ، ونص عليه الشافعي ، ويشهد له حديث السائب " لم يكن لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - غير مؤذن واحد " ، وهذا يحتمل أن يكون أراد بلالا لمواظبته على الأذان دون ابن أم مكتوم وغيره ، وعن ابن القاسم عن مالك : إذا جلس الإمام على المنبر وأخذ المؤذنون في الأذان حرم البيع ، فذكر المؤذنون بلفظ الجماعة ، ويشهد لهذا حديث الزهري عن ثعلبة بن أبي مالك القرظي " أنهم كانوا في زمن عمر بن الخطاب يصلون يوم الجمعة حتى يخرج عمر رضي الله تعالى عنه وجلس على المنبر وأذن المؤذنون " الحديث .

وهكذا حكاه الطحاوي عن أبي حنيفة وأصحابه ، قال ابن عمر : ومعلوم عند الناس أنه جائز أن يكون المؤذنون واحدا وجماعة في كل صلاة إذا كان ذلك مترادفا لا يمنع من إقامة الصلاة في وقتها ، وعن الداودي : كانوا يؤذنون في أسفل المسجد ليسوا بين يدي الإمام ، فلما كان عثمان رضي الله تعالى عنه جعل من يؤذن على الزوراء ، وهي كالصومعة ، فلما كان هشام جعل المؤذنين أو بعضهم يؤذنون بين يديه فصاروا ثلاثة فسمي فعل عثمان ثالثا لذلك .

فإن قلت : قد مر عن السائب " لم يكن لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - غير مؤذن واحد " ، فقد ثبت في الصحيح أن ابن أم مكتوم كان يؤذن للنبي - صلى الله عليه وسلم - فلذلك قال : فكلوا واشربوا حتى تسمعوا [ ص: 212 ] تأذين ابن أم مكتوم ، وكان من مؤذنيه أيضا سعد القرظ ، وأبو محذورة ، والحارث الصدائي ، فما التوفيق بين هذه الروايات ؟ قلت : أراد السائب بقوله : " لم يكن لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - غير مؤذن واحد " يعني في الجمعة ، فلم ينقل أن غيره كان يؤذن للجمعة ، فالذي ورد عنه التأذين يوم الجمعة بلال رضي الله تعالى عنه ، ولم ينقل أن ابن أم مكتوم كان يؤذن للجمعة .

وأما سعد القرظ فكان جعله مؤذنا بقباء .

وأما أبو محذورة فكان جعله مؤذنا بمكة شرفها الله تعالى .

وأما الحارث فإنه تعلم الأذان حتى يؤذن لقومه .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث