الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب الاغتباط في العلم والحكمة

73 15 حدثنا الحميدي قال : حدثنا سفيان قال : حدثني إسماعيل بن أبي خالد على غير ما حدثناه الزهري ، قال : سمعت قيس بن أبي حازم قال : سمعت عبد الله بن مسعود قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم : لا حسد إلا في اثنتين ; رجل آتاه الله مالا فسلط على هلكته في الحق ، ورجل آتاه الله الحكمة فهو يقضي بها ويعلمها .

التالي السابق


مطابقة الحديث للترجمة من حيث إن البخاري حمل ما وقع في الحديث من لفظ الحسد على الغبطة فأخرجه عن ظاهره وحمله على الغبطة وتمني الأعمال الصالحة ، وترجم الباب عليه .

بيان رجاله : وهم ستة ، والكل قد ذكروا ، والحميدي هو أبو بكر عبد الله بن الزبير بن عيسى المكي صاحب الشافعي ، أخذ عنه ورحل معه إلى مصر ، ولما مات الشافعي رجع إلى مكة . وسفيان هو ابن عيينة ، والزهري هو محمد بن مسلم بن شهاب ، وقيس بن أبي حازم - بالحاء المهملة والزاي .

بيان لطائف إسناده : منها أن فيه التحديث والسماع ، ومنها أن فيه ثلاثة من التابعين ، ومنها أن رواته ما بين مكي وكوفي ، ومنها أن فيه سفيان بن عيينة ، وقد ذكر أن الزهري حدثه بهذا الحديث بلفظ غير اللفظ الذي حدثه به إسماعيل ، وهو معنى قوله " حدثنا إسماعيل بن أبي خالد على غير ما حدثناه الزهري " برفع الزهري لأنه فاعل حدث ونا مفعوله ، والضمير يرجع إلى الحديث الذي يدل عليه " حدثنا " ، والغرض من هذا الإشعار بأنه سمع ذلك من إسماعيل على وجه غير الوجه الذي سمع من الزهري إما مغايرة في اللفظ وإما مغايرة في الإسناد وإما غير ذلك ، وفائدته التقوية والترجيح بتعداد الطرق ، ورواية سفيان عن الزهري أخرجها البخاري في التوحيد عن علي بن عبد الله عنه قال : قال الزهري عن سالم - ورواها مسلم عن زهير بن حرب وغيره عن سفيان بن عيينة قال : ثنا الزهري عن سالم عن أبيه - ساقه مسلم تاما واختصره البخاري ، وأخرجه البخاري أيضا تاما في فضائل القرآن من طريق شعيب عن الزهري قال : حدثني سالم بن عبد الله بن عمر - فذكره .

بيان تعدد موضعه ومن أخرجه غيره : أخرجه البخاري ها هنا عن الحميدي عن سفيان ، وأخرجه أيضا في الزكاة عن محمد بن المثنى عن يحيى القطان ، وفي الأحكام وفي الاعتصام عن شهاب بن عباد عن إبراهيم بن حميد الرواسي ، وأخرجه مسلم في الصلاة عن أبي بكر بن أبي شيبة عن وكيع ، وعن محمد بن عبد الله بن نمير عن أبيه ومحمد بن بشر ، وأخرجه النسائي في العلم عن إسحاق بن إبراهيم عن جرير ووكيع ، وعن سويد بن نصر عن عبد الله بن المبارك - ثمانيتهم عن إسماعيل بن أبي خالد عنه به . وأخرجه ابن ماجه في الزهد عن محمد بن عبد الله بن نمير به .

بيان اللغات : قوله " لا حسد " ، الحسد تمني الرجل أن يحول الله إليه نعمة الآخر أو فضيلته ويسلبهما عنه ، وفي [ ص: 57 ] مجمع الغرائب : الحسد أن يرى الإنسان لأخيه نعمة فيتمنى أن تكون له وتزوى عن أخيه ، وهو مذموم ، والغبط أن يرى النعمة فيتمناها لنفسه من غير أن تزول عن صاحبها ، وهو محمود . وقال ثعلب : المنافسة أن يتمنى مثل ما له من غير أن يفتقر ، وهو مباح ، ويقال : الحسد تمني زوال النعمة عن المنعم عليه ، وبعضهم خصه بأن يتمنى ذلك لنفسه ، والحق أنه أعم . وقال ابن سيده : يقال حسده يحسده ويحسده حسدا ، ورجل حاسد من قوم حسد ، والأنثى بغير هاء ، وهم يتحاسدون ، وحسده على الشيء وحسده إياه ، وفي الصحاح : يحسده حسودا . وقال الأخفش : وبعضهم يقول يحسده بالكسر ، والمصدر حسد - بالتحريك - وحسادة ، وهم قوم حسدة مثل حامل وحملة . وقال ابن الأعرابي : الحسد مأخوذ من الحسود ، وهو القراد ، فهو يقشر القلب كما يقشر القراد الجلد فيمص الدم .

قوله " آتاه الله " بالمد في أوله ; أي أعطاه الله ، من الإيتاء وهو الإعطاء .

قوله " على هلكته " بفتح اللام ; أي هلاكه ، وفي العباب : هلك الشيء يهلك - بالكسر - هلاكا وهلوكا ومهلكا ومهلكا وتهلوكا وهلكة وتهلكة وتهلكة ، قال الله تعالى : ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة - وقرأ الخليل " إلى التهلكة " بالكسر ، قال اليزيدي : التهلكة بضم اللام من نوادر المصادر وليست مما يجري على القياس ، وهلك يهلك مثال شرك يشرك - لغة فيه .

قوله " الحكمة " المراد بها القرآن - والله أعلم - كما جاء في حديث أبي هريرة : لا حسد إلا في اثنتين ; رجل علمه الله القرآن فهو يتلوه آناء الليل والنهار ، ورجل آتاه الله مالا فهو يهلكه - وفي رواية " ينفقه في الحق " ، وفي مسلم نحوه من حديث ابن عمر رضي الله عنهما .

بيان الإعراب : قوله " لا حسد " ، كلمة " لا " لنفي الجنس ، وحسد اسمه مبني على الفتح ، وخبره محذوف - أي لا حسد جائز أو صالح أو نحو ذلك .

قوله " رجل " يجوز فيه الأوجه الثلاثة من الإعراب ; الرفع على تقدير إحدى الاثنين خصلة رجل فلما حذف المضاف اكتسى المضاف إليه إعرابه ، والنصب على إضمار أعني رجلا وهي رواية ابن ماجه ، والجر على أنه بدل من " اثنين " ، وأما على رواية " اثنتين " بالتاء فهو بدل أيضا على تقدير حذف المضاف ; أي خصلة رجل ، لأن الاثنتين معناه خصلتين على ما يجيء .

قوله " آتاه الله مالا " جملة من الفعل والفاعل والمفعولين ; أحدهما الضمير المنصوب والآخر " مالا " ، وهي في محل الرفع أو الجر أو النصب على تقدير إعراب الرجل لأنها وقعت صفته .

قوله " فسلط " على صيغة المجهول ، وهي رواية أبي ذر ، ورواية الباقين " فسلطه " عطفا على " آتاه " ، وعبر بالتسليط لدلالته على قهر النفس المجبولة على الشح .

قوله " ورجل " عطف على " رجل " الأول ، وإعرابه في الأوجه كإعرابه .

وقوله " آتاه الله الحكمة " مثل " آتاه الله مالا " .

قوله " فهو يقضي بها " جملة من المبتدأ والخبر ، عطف على ما قبلها .

بيان المعاني : قوله " لا حسد إلا في اثنتين " ; أي لا حسد في شيء إلا في اثنتين - أي في خصلتين ، وكذا هو في معظم الروايات بالتاء ، ويروى " إلا في اثنين " أي شيئين .

فإن قلت : الحسد موجود في الحاسد لا في اثنتين ، فما معنى هذا الكلام ؟ قلت : المعنى لا حسد للرجل إلا في شأن اثنتين ، لا يقال قد يكون الحسد في غيرهما فكيف يصح الحصر ; لأنا نقول : المراد لا حسد جائز في شيء من الأشياء إلا في اثنتين ، أو المعنى لا رخصة في الحسد في شيء إلا في اثنتين . فإن قلت : ما في هذين الاثنين غبطة ، وهو غير الحسد ، فكيف يقال لا حسد ؟ قلت : أطلق الحسد وأراد الغبطة من قبيل إطلاق اسم المسبب على السبب . وقال الخطابي : معنى الحسد ها هنا شدة الحرص والرغبة ، كنى بالحسد عنهما لأنهما سببه والداعي إليه ، ولهذه سماه البخاري اغتباطا ، وقد جاء في بعض طرق هذا الحديث ما يبين ذلك فقال فيه : ليتني أوتيت مثل ما أوتي فلان فعملت مثل ما يعمل - ذكره البخاري في فضائل القرآن في باب اغتباط صاحب القرآن من حديث أبي هريرة رضي الله عنه ، فلم يتمن السلب وإنما تمنى أن يكون مثله ، وقد تمنى ذلك الصالحون والأخيار ، وفيه قول بأنه تخصيص لإباحة نوع من الحسد وإخراج له عن جملة ما حظر منه كما رخص في نوع من الكذب وإن كانت جملته محظورة ، فالمعنى لا إباحة في شيء من الحسد إلا فيما كان هذا سبيله ; أي لا حسد محمود إلا هذا . وقيل : إنه استثناء منقطع بمعنى لكن في اثنتين . وقال الكرماني : ويحتمل أن يكون من قبيل قوله تعالى : لا يذوقون فيها الموت إلا الموتة الأولى - أي لا حسد إلا في هذين الاثنين ، وفيهما لا حسد أيضا ، فلا حسد أصلا . قلت : المعنى في الآية لا يذوقون فيها الموت البتة ، فوقع قوله " إلا الموتة الأولى " موقع ذلك ; لأن الموتة الماضية محال ذوقها في المستقبل ، فهو من باب التعليق بالمحال ، كأنه قيل إن كانت الموتة الأولى يستقيم ذوقها في المستقبل فإنهم يذوقونها في المستقبل ولا [ ص: 58 ] يتأتى هذا المعنى في قوله " لا حسد إلا في اثنين " ، فكيف يكون من قبيل الآية المذكورة وفي الآية جميع الموت منفي بخلاف الحسد ; فإن جميعه ليس بمنفي ، فإن الحسد في الخيرات ممدوح ، ولهذا نكر الحاسد في قوله تعالى : ومن شر حاسد إذا حسد - لأن كل حاسد لا يضر ، قال أبو تمام :


وما حاسد في المكرمات بحاسد

وكذلك نكر الغاسق ; لأن كل غاسق لا يكون فيه الشر ، وإنما يكون في بعض دون بعض بخلاف النفاثات ; فإنه عرف لأن كل نفاثة شريرة .

قوله " مالا " إنما نكره وعرف الحكمة لأن المراد من الحكمة معرفة الأشياء التي جاء الشرع بها - يعني الشريعة - فأراد التعريف بلام العهد ، أو المراد منه القرآن كما ذكرنا ، فاللام للعهد أيضا بخلاف المال ، فلهذا دخل صاحبه بأي قدر من المال أهلكه في الحق تحت هذا الحكم .

قوله " فسلط على هلكته " ، في هذه العبارة مبالغتان ; إحداهما التسليط فإنه يدل على الغلبة وقهر النفس المجبولة على الشح البالغ ، والأخرى لفظ " على هلكته " فإنه يدل على أنه لا يبقي من المال شيئا ، ولما أوهم اللفظان التبذير وهو صرف المال فيما لا ينبغي ذكر قوله " في الحق " دفعا لذلك الوهم ، وكذا القرينة الأخرى اشتملت على مبالغتين إحداهما الحكمة فإنها تدل على علم دقيق محكم والأخرى القضاء بين الناس وتعليمهم فإنها من خلافة النبوة ، ثم إن لفظ الحكمة إشارة إلى الكمال العلمي ويفضي إلى الكمال العملي ، وبكليهما إلى التكميل والفضيلة إما داخلية وإما خارجية ، وأصل الفضائل الداخلية العلم ، وأصل الفضائل الخارجية المال ، ثم الفضائل إما تامة وإما فوق التامة ، والأخرى أفضل من الأولى لأنها كاملة متعدية ، وهذه قاصرة غير متعدية . ومعنى الحديث الترغيب في طلب العلم وتعلمه والتصدق بالمال . وقيل : إنه تخصيص لإباحة نوع من الحسد كما رخص في نوع من الكذب ، قال صلى الله عليه وسلم : إن الكذب لا يحل إلا في ثلاث - الحديث ، والحسد على ثلاثة أضرب : محرم ومباح ومحمود ; فالمحرم تمني زوال النعمة المحسود عليها عن صاحبها وانتقالها إلى الحاسد ، وأما القسمان الآخران فغبطة وهو أن يتمنى ما يراه من خير بأحد أن يكون له مثله ; فإن كانت في أمور الدنيا فمباح ، وإن كانت من الطاعات فمحمود ، قال النووي : الأول حرام بالإجماع . وقال بعض الفضلاء : إذا أنعم الله تعالى على أخيك نعمة فكرهتها وأحببت زوالها فهو حرام بكل حال إلا نعمة أصابها كافر أو فاجر أو من يستعين بها على فتنة أو فساد .

وقال ابن بطال : وفيه من الفقه أن الغني إذا قام بشروط المال وفعل فيه ما يرضي ربه تبارك وتعالى فهو أفضل من الفقير الذي لا يقدر على مثل هذا ، والله أعلم .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث