الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


100 42 - حدثنا إسماعيل بن أبي أويس قال : حدثني مالك ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عبد الله بن عمرو بن العاصي قال : سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : إن الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من العباد ، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء ، حتى إذا لم يبق عالما اتخذ الناس رؤوسا جهالا ، فسئلوا ، فأفتوا بغير علم ، فضلوا وأضلوا .

التالي السابق


مطابقة الحديث للترجمة في قوله : " ولكن يقبض العلم " .

بيان رجاله : وهم خمسة ذكروا كلهم ، ومالك هو الإمام المشهور ، أخرج هذا الحديث في الموطأ ، وقال الدارقطني : لم يروه في الموطأ إلا معن بن عيسى ، وقال أبو عمر : رواه أيضا فيه سليمان بن برد ، ورواه أصحاب مالك كابن وهب وغيره خارج الموطأ ، وقد اشتهر هذا الحديث من رواية هشام بن عروة ، عن أبيه عروة بن الزبير بن العوام ، ووافقه على روايته عن أبيه عروة أبو الأسود المدني ، وحديثه في الصحيحين ، والزهري ، وحديثه في النسائي ، ويحيى بن أبي كثير وحديثه في صحيح أبي عوانة ، ووافق أباه على روايته عن عبد الله بن عمر وعمر بن الحكم بن ثوبان وحديثه في مسلم .

بيان تعدد موضعه ومن أخرجه غيره : أخرجه البخاري أيضا في الاعتصام ، عن سعيد بن تليد ، عن ابن وهب ، عن عبد الرحمن بن شريح وغيره جميعا عن أبي الأسود محمد بن عبد الرحمن يتيم عروة ، عن عروة نحوه . وأخرجه مسلم في القدر ، عن قتيبة ، عن جرير ، وعن أبي الربيع الزهراني ، عن حماد بن زيد ، وعن يحيى بن يحيى ، عن عباد بن عباد وأبي معاوية ، وعن أبي بكر بن أبي شيبة وزهير بن حرب ، كلاهما عن وكيع ، وعن أبي كريب ، عن عبد الله بن إدريس وأبي أسامة وعبد الله بن نمير وعبدة بن سليمان ، وعن ابن أبي عمر ، عن سفيان بن عيينة ، وعن محمد بن حاتم ، عن يحيى بن سعيد ، وعن أبي بكر [ ص: 131 ] ابن نافع ، عن عمر بن علي المقدمي ، وعن عبد بن حميد ، عن يزيد بن هارون ، عن شعبة ، الثلاثة عشر كلهم عن هشام بن عروة به . وعن حرملة بن يحيى ، عن ابن وهب ، عن عبد الرحمن بن شريح وحده به . وأخرجه الترمذي في العلم ، عن هارون بن إسحاق الهمداني ، عن عبدة بن سليمان به ، وقال : حسن صحيح ، وقد روي هذا الحديث عن الزهري ، عن عروة ، عن عبد الله بن عمرو ، وعن عروة ، عن عائشة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - مثل هذا . وأخرجه النسائي فيه ، عن محمد بن رافع ، عن عبد الرزاق ، عن معمر ، عن الزهري عنه به ، وعن عمرو بن علي ، عن عبد الوهاب الثقفي ، عن أيوب ويحيى بن سعيد الأنصاري ، كلاهما عن هشام بن عروة به ، قال عبد الوهاب : فلقيت هشاما ، فحدثني عن أبيه عنه به ، وعن أبيه مثله . وأخرجه ابن ماجه في السنة ، عن أبي كريب ، عن عبد الله بن إدريس وعبدة بن سليمان وأبي معاوية وعبد الله بن نمير ومحمد بن بشر ، وعن سويد بن سعيد ، عن مالك وعلي بن مسهر وحفص بن ميسرة وشعيب بن إسحاق ، تسعتهم عن هشام بن عروة به .

بيان الإعراب

قوله : " يقول " جملة وقعت حالا ، وإنما ذكر بلفظ المضارع حكاية لحال الماضي واستحضارا له ، وإلا فالأصل أن يقال : قال ; ليطابق : سمعت ، قوله : " لا يقبض العلم " جملة في محل الرفع ; لأنها خبر إن ، قوله : " انتزاعا " يجوز في نصبه أوجه :

الأول : أن يكون مفعولا مطلقا ، عن معنى يقبض ، نحو : رجع القهقرى ، وقعد جلوسا .

الثاني : أن يكون مفعولا مطلقا مقدما على فعله ، وهو ينتزعه ، ويكون " ينتزعه " حالا من الضمير في يقبض ، تقديره إن الله لا يقبض العلم حال كونه ينتزعه انتزاعا من العباد .

الثالث : أن يكون حالا من العلم بمعنى منتزعا ، تقديره : إن الله لا يقبض العلم حال كونه منتزعا . فإن قلت : على هذا ما يقع ينتزعه ؟ قلت : قيل : يكون ينتزعه جوابا عما يقال ممن ينتزع العلم ، وفيه نظر ، والأصوب أن يكون في محل النصب صفة إما لانتزاعا أو لمنتزعا من الصفات المبينة ، قوله : " ولكن " للاستدراك ، وقوله : " يقبض العلم " من قبيل إقامة المظهر موضع المضمر لزيادة تعظيم المضمر ، كما في قوله تعالى : الله الصمد بعد قوله : قل هو الله أحد وكان مقتضى الظاهر أن يقال : هو الصمد ، كما أن المقتضى هنا : ولكن يقبضه ، قوله : " حتى " ابتدائية دخلت على الجملة ، تدل على أن ذلك واقع بالتدريج كما أن إذا تدل على أنه واقع لا محالة ، و" إذا " ظرفية ، والعامل فيها اتخذ ، ويحتمل أن تكون شرطية ، فإن قلت : إذا للاستقبال ، ولم لقلب المضارع ماضيا ، فكيف يجتمعان ؟ قلت : لما تعارضا تساقطا ، فبقي على أصله وهو المضارع ، أو تعادلا فيفيد الاستمرار ، فإن قلت : إذا كانت شرطية يلزم من انتفاء الشرط انتفاء المشروط ومن وجود المشروط - وجود الشرط ، لكنه ليس كذلك لجواز حصول الاتخاذ مع وجود العالم . قلت : ذلك في الشروط العقلية ، أما في غيرها فلا نسلم اطراد هذه القاعدة ، ثم ذلك الاستلزام إنما هو في موضع لم يكن للشرط بدل ، فقد يكون لمشروط واحد شروط متعاقبة ، كصحة الصلاة بدون الوضوء عند التيمم ، أو المراد بالناس جميعهم ، فلا يصح أن الكل اتخذوا رؤوسا جهالا إلا عند عدم بقاء العالم مطلقا ، وذلك ظاهر قوله : " لم يبق " بفتح حرف المضارعة من البقاء ، وقوله : " عالم " بالرفع فاعله . وفي رواية الأصيلي : لم يبق عالما بضم حرف المضارعة من الإبقاء ، والضمير فيه يرجع إلى الله ، و" عالما " منصوب به . وفي رواية مسلم : " حتى إذا لم يترك عالما " ، قوله : " اتخذ " أصله ائتخذ ، فقلبت الهمزة ثم أدغمت التاء في التاء ، و" الناس " بالرفع فاعله ، قوله : " رؤوسا " بضم الهمزة وبالتنوين جمع رأس ، قال النووي : ضبطناه بضم الهمزة . وفي رواية أبي ذر : " رؤساء " بفتح الهمزة وفي آخره همزة أخرى مفتوحة جمع رئيس ، والأول أشهر ، وقوله : " جهالا " بضم الجيم وفتح الهاء المشددة جمع جاهل صفة لرؤوسا ، قوله : " فسئلوا " بضم السين ، والضمير فيه مفعول ناب عن الفاعل أي فسألهم السائلون فأفتوا لهم ، قوله : " فضلوا " عطف على " فأفتوا " وهو من الضلال ، و" أضلوا " من الإضلال ، يعني : فضلوا في أنفسهم ، وأضلوا السائلين . فإن قلت : الضلال متقدم على الإفتاء ، فما معنى الفاء ؟ قلت : المجموع المركب من الضلال والإضلال هو متعقب على الإفتاء وإن كان الجزء الأول مقدما عليه ; إذ الضلال الذي بعد الإفتاء غير الضلال الذي قبله . فإن قلت : الإضلال ظاهر ، وأما الضلال فإنما يلزم أن لو عمل بما أفتى ، وقد لا يعمل به . قلت : إن إضلاله للغير ضلال له ; عمل بما أفتى أو لم يعمل .

بيان المعاني

قوله : " إن الله لا يقبض العلم انتزاعا " أي إن الله لا يقبض العلم من بين الناس على سبيل أن يرفعه من بينهم إلى السماء ، أو يمحوه من صدورهم ، بل يقبضه بقبض أرواح العلماء وموت حملته ، وقال ابن بطال : معناه أن الله لا ينزع [ ص: 132 ] العلم من العباد بعد أن يتفضل به عليهم ، ولا يسترجع ما وهب لهم من العلم المؤدي إلى معرفته وبث شريعته ، وإنما يكون انتزاعه بتضييعهم العلم ، فلا يوجد من يخلف من مضى ، فأنذر - صلى الله عليه وسلم - بقبض الخير كله ، وكان تحديث النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - بذلك في حجة الوداع ، كما رواه أحمد والطبراني من حديث أبي أمامة رضي الله عنه قال : " لما كان في حجة الوداع قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : خذوا العلم قبل أن يقبض أو يرفع ، فقال أعرابي : كيف يرفع ؟ فقال : ألا إن ذهاب العلم ذهاب حملته .. ثلاث مرات " ، وقال ابن المنير : محو العلم من الصدور جائز في القدرة ، إلا أن هذا الحديث دل على عدم وقوعه ، قوله : " بغير علم " . وفي رواية أبي الأسود في الاعتصام عند البخاري : " فيفتون برأيهم " ، قوله : " جهالا " فإن قلت : المراد بهذا الجهل الجهل البسيط ، وهو عدم العلم بالشيء ، لا مع اعتقاد العلم به ؟ أم الجهل المركب ، وهو عدم العلم بالشيء مع اعتقاد العلم به ؟ قلت : المراد هنا القدر المشترك بينهما المتناول لهما . فإن قلت : أهذا مختص بالمفتين أم عام للقضاة الجاهلين ؟ قلت : عام ; إذ الحكم بالشيء مستلزم للفتوى به .

بيان استنباط الأحكام :

الأول : فيه دلالة للقائلين بجواز خلو الزمان عن المجتهد على ما هو مذهب الجمهور ، خلافا للحنابلة .

الثاني : فيه التحذير عن اتخاذ الجهال رؤوسا .

الثالث : فيه الحث على حفظ العلم والاشتغال به .

الرابع : فيه أن الفتوى هي الرياسة الحقيقية وذم من يقدم عليها بغير علم .

الخامس : قال الداودي : هذا الحديث خرج مخرج العموم ، والمراد به الخصوص لقوله - صلى الله عليه وسلم - : " لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق حتى يأتي أمر الله " ، ويقال هذا بعد إتيان أمر الله تعالى إن لم يفسر إتيان الأمر بإتيان القيامة ، أو عدم بقاء العلماء إنما هو في بعض المواضع كفي غير بيت المقدس مثلا إن فسرناه به ، فيكون محمولا على التخصيص جمعا بين الأدلة .


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث