الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب إثم من كذب على النبي صلى الله عليه وسلم

110 51 - حدثنا موسى ، قال : حدثنا أبو عوانة ، عن أبي حصين ، عن أبي صالح ، عن أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : تسموا باسمي ولا تكتنوا بكنيتي ، ومن رآني في المنام فقد رآني فإن الشيطان لا يتمثل في صورتي ، ومن كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار .

التالي السابق


هذا هو الحديث الخامس مما فيه المطابقة للترجمة .

بيان رجاله :

وهم خمسة :

الأول : موسى بن إسماعيل المنقري البصري التبوذكي .

الثاني : أبو عوانة الوضاح اليشكري .

الثالث : أبو حصين بفتح الحاء وكسر الصاد المهملتين ، واسمه عثمان بن عاصم بن حصين الكوفي ، سمع ابن عباس وأبا صالح وغيرهما . وعنه شعبة والسفيانان وخلق ، وكان ثقة ثبتا صاحب سنة من حفاظ الكوفة ، وكان عنده أربعمائة حديث ، وكان عثمانيا مات سنة سبع أو ثمان وعشرين ومائة ، روى له الجماعة وليس في الصحيحين من اسمه عثمان وكنيته أبو حصين [ ص: 154 ] بفتح الحاء إلا هذا أبو حصين عثمان ، ومن عداه حصين بضم الحاء المهملة وكله بالصاد المهملة إلا حضين بن المنذر ، فإنه بالضاد المعجمة .

الرابع : أبو صالح ذكوان السمان الزيات المدني ، وقد مر .

الخامس : أبو هريرة رضي الله تعالى عنه .

بيان لطائف إسناده

منها أن فيه التحديث والعنعنة ، ومنها أن رواته ما بين بصري وواسطي وكوفي ومدني ، ومنها أن فيه رواية تابعي عن تابعي .

بيان تعدد موضعه ومن أخرجه غيره

أخرجه البخاري أيضا في الأدب عن موسى بن إسماعيل . وأخرجه مسلم في مقدمة كتابه عن محمد بن عبيد بن حساب الغبري مقتصرا على الجملة الأخيرة .

بيان اللغات

قوله " تسموا " أمر بصيغة الجمع من باب التفعل ، تقول : سميت فلانا زيدا ، وسميته بزيد بمعنى ، وأسميته مثله فتسمى به ، والاسم مشتق من سموت ; لأنه تنويه ورفعة ، ووزنه افع ، والذاهب منه الواو لأن جمعه أسماء وتصغيره سمي .

وفيه أربع لغات : اسم ، واسم بالضم ، وسم ، وسم .

قوله " ولا تكتنوا " ففيه أوجه ثلاثة :

الأول : من باب التفعيل من كنى يكني تكنية ، فعلى هذا بضم التاء وفتح الكاف وضم النون مع التشديد .

الثاني : من باب التفعل من تكنى يتكنى تكنيا ، فعلى هذا بفتح الكاف والنون أيضا مع التشديد وأصله : لا تتكنوا . بالتائين ، فحذفت إحداهما كما في نارا تلظى أصله تتلظى .

الثالث : من باب الافتعال ، من اكتنى يكتني اكتناء ، فعلى هذا بفتح التاء وسكون الكاف وفتح التاء وضم النون ، والكل من الكناية وهي في الأصل أن يتكلم بشيء ويريد به غيره ، وقد كنت بكذا عن كذا ، وكنوت به ، والكنية بالضم ، والكنية أيضا بالكسر واحدة الكنى ، وهو اسم مصدر بأب أو أم ، واكتنى فلان بكذا ، وكنيته تكنية .

واعلم أن الاسم العلم إما أن يكون مشعرا بمدح أو ذم ، وهو اللقب وإما أن لا يكون ، فإما أن يصدر بنحو الأب أو الأم ، وهو الكنية أولا ، وهو الاسم فاسم النبي عليه الصلاة والسلام محمد ، وكنيته أبو القاسم ، ولقبه رسول الله وسيد المرسلين مثلا صلى الله عليه وسلم .

قوله " الشيطان " إما مشتق من شاط أي هلك فهو فعلان ، وإما من شطن أي بعد فهو فيعال ، والشيطان معروف ، وكل عات متمرد من الجن والإنس والدواب شيطان ، والعرب تسمي الحية شيطانا .

وقال الجوهري : الشيطان نونه أصلية ، ويقال : زائدة ، فإن جعلته فيعالا من قولهم تشيطن الرجل صرفته ، وإن جعلته من تشيط لم تصرفه ; لأنه فعلان .

قوله " لا يتمثل " أي لا يتصور ، يقال : مثلت له كذا تمثيلا فتمثل ، أي صورت له بالكتابة وغيرها فتصور ، قال الله تعالى : فتمثل لها بشرا سويا والتركيب يدل على مناظرة الشيء للشيء والصورة الهيئة .

بيان الإعراب

قوله " تسموا " جملة من الفعل والفاعل وباسمي صلة له ، وكذا قوله “ ولا تكنوا بكنيتي " ، وهو من قبيل عطف المنفي على المثبت ، قوله “ ومن رآني " كلمة من موصولة متضمنة معنى الشرط ، ولهذا دخلت الفاء في الجواب ، وهو قوله " فقد رآني " ، فإن قلت : الشرط ينبغي أن يكون غير الجزاء سببا له متقدما عليه ، وها هنا ليس كذلك . قلت : ليس هو الجزاء حقيقة بل لازمه تقديره فليستبشر ، فإنه قد رآني وهي رؤيا بعدها شيء ، فإن الشرط والجزاء إذا اتحدا صورة دل على الكمال والغاية ، نحو : " من كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله " ، ونحو : من أدرك الضمان فقد أدرك المرعى . أي أدرك مرعى متناهيا ، قوله “ فإن الشيطان " الفاء فيه للتعليل والشيطان اسم إن وخبرها قوله “ لا يتمثل في صورتي " ، وإعراب الجملة الأخيرة قد مر بيانه .

بيان المعاني

فيه أربعة أحكام عطف بعضها على بعض :

الأول : التسمية باسمه .

والثاني : التكنية بكنيته .

والثالث : رؤيته في المنام .

والرابع : الكذب عليه .

فوجه ذكر الحكم الثاني عقيب الحكم الأول ظاهر ; وذلك لأن التسمية والتكنية من واد واحد من أقسام الأعلام ، وكذلك وجه الحكم الرابع عقيب الحكم الثالث ظاهر ، وهو أنه إذا كذب عليه بأنه رآه في المنام فهو أيضا داخل تحت الوعيد المذكور ، وأما وجه ذكر الحكم الثالث عقيب الحكم الثاني والأول فهو ...

قوله " ومن رآني في المنام " إلى آخره جاء في الحديث أربعة ألفاظ صحاح ما ذكر ، و" من رآني " فقد رأى الحق ، وجاء : " فسيراني في اليقظة " ، وجاء : " فكأنما رآني في اليقظة " ، وفي رواية : " فإنه لا ينبغي للشيطان أن يتشبه بي " ، وهذا الثاني تفسير للأول ، فإن قوله " فقد رآني فإن الشيطان لا يتمثل بي " معناه : فقد رأى الحق .

قال الإمام الماوردي وغيره : اختلف في تأويله ، فقال القاضي أبو بكر بن [ ص: 155 ] الطيب معنى ، قوله “ فقد رآني " أي رأى الحق ورؤياه ليست بأضغاث أحلام ولا من تشبيه الشيطان .

وقوله " فإن الشيطان لا يتمثل بي " إشارة إليه أي أنها لا تكون أضغاث أحلام بل حقا ورؤيا صحيحة ، قال : وقد يراه الرائي على غير صفته المنقولة إلينا ، كأبيض اللحية أو خلاف لونه أو يراه اثنان في زمن واحد أحدهما بالمشرق والآخر بالمغرب ، يراه كل واحد في مكانه ، وقال آخرون : بل الحديث على ظاهره ، والمراد أن من رآه فقد أدركه عليه الصلاة والسلام ، ولا مانع يمنع منه والعقل لا يحيله ، وما يذكر من الاعتلال بأنه قد يراه على خلاف صفته المعروفة أو في مكانين معا ; فذلك غلط من الرائي صفاته وتخيل لها على خلاف ما هي عليه ، وقد نظر بعض الخيالات مرئيات لكون ما يتخيل مرتبطا بما يرى في العادة ; فتكون ذاته عليه الصلاة والسلام مرئية وصفاته متخيلة غير مرئية ، والإدراك لا يشترط فيه تحديق الأبصار ولا قرب المسافة ، ولا كون المرئي مدفونا في الأرض ، ولا ظاهرا عليها وإنما يشترط كونه موجودا ، وجاء ما يدل على بقاء جسمه عليه السلام وأن الأنبياء لا تغيرهم الأرض وتكون الصفات المخيلة أثرها وثمرتها اختلاف الدلالات ، فقد ذكر أنه إذا رآه شيخا فهو عام سلم ، وإذا رآه شابا فهو عام جدب ، وإن رآه حسن الهيئة حسن الأقوال والأفعال مقبلا على الرائي كان خيرا له ، وإن رآه على خلاف ذلك كان شرا له ، ولا يلحق النبي عليه الصلاة والسلام من ذلك شيء ، ولو رآه أمر بقتل من لا يحل قتله ; فهذا من الصفات المتخيلة لا المرئية ، وفيه قول ثالث قاله القاضي عياض ، وأبو بكر بن العربي أن رآه عليه الصلاة والسلام بصفته المعلومة فهو إدراك الحقيقة ، وإن رآه على غير صفته فهو إدراك المثال وتكون رؤيا تأويل ، فإن من الرؤيا ما يخرج على وجهها ، ومنها ما يحتاج إلى تأويل .

قال النووي : القول الثالث ضعيف ، بل الصحيح القول الثاني . ويقال : معنى قوله " فقد رآني " أي فقد رأى مثالي بالحقيقة ; لأن المرئي في المنام مثال ، وقوله " فإن الشيطان لا يتمثل بي " يدل على ذلك ، ويقرب منه ما قاله الغزالي ، فإنه قال : ليس معناه أنه رأى جسمي وبدني بل رأى مثالا صار ذلك المثال آلة يتأدى بها المعنى الذي في نفسي إليه بل البدن في اليقظة أيضا ليس إلا آلة النفس ، فالحق أن ما يراه مثال حقيقة روحه المقدسة التي هي محل النبوة ، فما رآه من الشكل ليس هو روح النبي - صلى الله عليه وسلم - ولا شخصه ، بل هو مثال له على التحقيق ، فإن قلت : المنام ثلاثة أقسام : رؤيا من الله ، ورؤيا من الشيطان ، ورؤيا مما حدث به المرء نفسه .

والأحاديث في هذا الباب نفت القسم الثاني منها ، وهو ما يكون من الشيطان فهل يجوز أن تكون رؤيته صلى الله عليه وسلم في المنام من القسم الثالث ، وهو ما يحدث به المرء نفسه أو لا . قلت : لا يجوز وبيان ذلك موقوف على تقديم مقدمة وهي أن الاجتماع بين الشخصين يقظة ومناما لحصول ما به الاتحاد . وله خمسة أصول كلية الاشتراك في الذات أو في صفة فصاعدا أو في حال فصاعدا أو في الأفعال أو في المراتب . وكل ما يتعقل من المناسبة بين شيئين أو أشياء لا يخرج عن هذه الخمسة وبحسب قوته على ما به الاختلاف ، وضعفه يكثر الاجتماع ويقل ، وقد يقوى على ضده فتقوى المحبة بحيث يكاد الشخصان لا يفترقان ، وقد يكون بالعكس .

ومن حصل له الأصول الخمسة وثبتت المناسبة بينه وبين أرواح الماضين اجتمع بهم متى شاء ، وإذا عرف هذا ظهر أن حديث المرء نفسه ليس مما يقدر أن يحصل مناسبة بينه وبين النبي - صلى الله عليه وسلم - ليكون سبب الاجتماع بخلاف الملك الموكل بالرؤيا ، فإنه يمثل بالوجود ما في اللوح المحفوظ من المناسبة .

وقوله في بعض الروايات " فسيراني في اليقظة " ، " وكأنما رآني في اليقظة " ، قيل : معناه سيرى تفسير ما رأى لأنه حق ، وقيل : سيراه في القيامة ، وقيل : المراد بقوله " سيراني " أهل عصره عليه الصلاة والسلام ممن لم يهاجر فتكون الرؤية في المنام علما له على رؤيته في اليقظة ، قوله “ فإن الشيطان لا يتمثل في صورتي " أي لا يتصور بصورتي .

واختلف في معنى الصورة ، فقيل : أي في صفتي ، وهو صفة الهداية . وقيل : هي على حقيقته وهي التخطيط المعلوم المشاهد له صلى الله عليه وسلم ، وهذا ظاهر . وعن هذا وضعوا لرؤيته صلى الله عليه وسلم ميزانا ، وقالوا : رؤيته صلى الله عليه وسلم هي أن يراه الرائي بصورة شبيهة لصورته الثابتة حليتها بالنقل الصحيح ، حتى لو رآه في صورة مخالفة لصورته التي كان عليها في الحس لم يكن رآه صلى الله عليه وسلم مثل أن يراه طويلا أو قصيرا جدا ، أو يراه أشعر أو شيخا أو شديد السمرة .. ونحو ذلك .

ويقال : خص الله تعالى النبي - صلى الله عليه وسلم - بأن رؤية الناس إياه صحيحة وكلها صدق ، ومنع الشيطان أن يتصور في خلقته لئلا يكذب على لسانه في النوم كما خرق الله تعالى العادة للأنبياء عليهم الصلاة والسلام بالمعجزة ، وكما استحال أن يتصور الشيطان في صورته في اليقظة .

وقال محيي السنة : رؤيا النبي - صلى الله عليه وسلم - في المنام حق ، ولا يتمثل الشيطان به .

[ ص: 156 ] وكذلك جميع الأنبياء والملائكة عليهم الصلاة والسلام ، ولا يتمثل بهم .

بيان استنباط الأحكام

الأول : احتج أهل الظاهر بقوله " ولا تكنوا " على منع التكني بكنية النبي - صلى الله عليه وسلم - مطلقا ، وبه قال الشافعي .

وقال الربيع : قال الشافعي : ليس لأحد أن يكتني بأبي القاسم سواء كان اسمه محمدا أم لم يكن ، وقال القاضي : ومنع قوم تسمية الولد بالقاسم كي لا يكون سببا للتكنية ، ويؤيد هذا قوله فيه : إنما أنا قاسم . وأخبر صلى الله عليه وسلم بالمعنى الذي اقتضى اختصاصه بهذه الكنية ، وقال قوم : يجوز التكني بأبي القاسم لغير من اسمه محمد وأحمد ، ويجوز التسمية بأحمد ومحمد ما لم يكن له كنية بأبي القاسم . وقد روى جابر ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - : من تسمى باسمي فلا يتكنى بكنيتي ، ومن تكنى بكنيتي فلا يتسم باسمي . وأخرج الترمذي ، عن أبي هريرة : نهى النبي صلى الله تعالى عليه وسلم أن يجمع بين اسمه وكنيته ، وذهب قوم إلى أن النهي منسوخ بالإباحة في حديث علي وطلحة رضي الله عنهما ، وهو قول الجمهور من السلف والعلماء .

وسمت جماعة أبناءهم محمدا وكنوهم أبا القاسم ، قال المازري : قال بعضهم : النهي مقصور بحياة النبي - صلى الله عليه وسلم - ; لأنه ذكر أن سبب الحديث أن رجلا نادى : يا أبا القاسم ، فالتفت النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فقال : لم أعنك ، وإنما دعوت فلانا . فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : تسموا باسمي ، ولا تكتنوا بكنيتي . وبه قال مالك وجوز أن يسمى بمحمد ويكنى بأبي القاسم مطلقا . قلت : أما الحديث الأول فأخرجه أبو داود ، وأما الثاني ففي الصحيحين ، وقيل : إن سبب النهي أن اليهود تكنوا به ، وكانوا ينادون : يا أبا القاسم ، فإذا التفت النبي - صلى الله عليه وسلم - قالوا : لم نعنك ، إظهارا للإيذاء ، وقد زال ذلك المعنى .

وأما الثالث : فهو حديث علي رضي الله عنه ، فأخرجه أبو داود في سننه من حديث محمد بن الحنفية ، قال : قال علي رضي الله عنه : قلت : يا رسول الله ، إن ولد لي من بعدك أنسميه باسمك ونكنيه بكنيتك ؟ قال : نعم . وقال أحمد بن عبد الله : ثلاثة تكنوا بأبي القاسم رخص لهم : محمد بن الحنفية ، ومحمد بن أبي بكر ، ومحمد بن طلحة بن عبد الله . وقال ابن جرير : النهي في الحديث للتنزيه والأدب لا للتحريم .

الثاني : فيه التصريح بجواز التسمي باسمه .

الثالث : فيه أن رؤيا النبي - صلى الله عليه وسلم - حق .

الرابع : أن الشيطان لا يتمثل بصورته .

الخامس : الكاذب عليه معد لنفسه النار .

الأسئلة والأجوبة

منها ما قيل : إن رؤيا النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا كانت حقا ، فهل يطلق عليه الصحابي أم لا ؟ أجيب بلا إذ لا يصدق عليه حد الصحابي ، وهو مسلم رأى النبي عليه الصلاة والسلام ; إذ المراد منه الرؤية المعهودة الجارية على العادة أو الرؤية في حياته في الدنيا ; لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - هو المخبر عن الله ، وهو إنما كان مخبرا عنه للناس في الدنيا لا في القبر ، ومنها ما قيل : الحديث المسموع عنه في المنام ، هل هو حجة يستدل بها أم لا ؟ أجيب بلا ; إذ يشترط في الاستدلال به أن يكون الراوي ضابطا عند السماع والنوم ليس حال الضبط ، ومنها ما قيل : حصول الجزم في نفس الرائي أنه رأى النبي - صلى الله عليه وسلم - هل هو حجة أم لا ، أجيب بلا بل ذلك المرئي هو صورة الشارع بالنسبة إلى اعتقاد الرائي أو حاله ، أو بالنسبة إلى صفته أو حكم من أحكام الإسلام ، أو بالنسبة إلى الموضع الذي رأى فيه ذلك الرائي تلك الصورة التي ظن أنها صورة النبي - صلى الله عليه وسلم - .

ومنها ما قيل : ما حقيقة الرؤيا ؟ أجيب بأنها إدراكات يخلقها الله تعالى في قلب العبد على يد الملك أو الشيطان ، ونظيره في اليقظة الخواطر فإنها قد تأتي على نسق وقد تأتي مسترسلة غير محصلة ، فإذا خلقها الله تعالى على يد الملك كان وحيا وبرهانا مفهوما ، نقل هذا عن الشيخ أبي إسحاق ، وعن القاضي أبي بكر أنها اعتقادات ، قال الإمام أبو بكر بن العربي : منشأ الخلاف بينهما أنه قد يرى نفسه بهيمة أو ملكا أو طائرا ، وهذا ليس إدراكا ; لأنه ليس حقيقة فصار القاضي إلى أنها اعتقادات ; لأن الاعتقاد قد يأتي على خلاف المعتقد .

قال ابن العربي : ذهل القاضي عن أن هذا المرئي مثل ; فالإدراك إنما يتعلق بالمثل ، وقال : إن الله يخلق في قلب النائم اعتقادات كما يخلقها في قلب اليقظان ، فهو تعالى يفعل ما يشاء فلا يمنعه من فعله نوم ولا يقظة ، فإذا خلق هذه الاعتقادات فكأنه جعلها علما على أمور أخر يخلقها في ثاني الحال أو كان قد خلقها ، فإذا خلق في قلب النائم اعتقاد الطيران وليس بطائر ، فقصارى أمره أنه اعتقد أمرا على خلاف ما هو عليه ، فيكون ذلك الاعتقاد علما على غيره كما يخلق الله الغيم علما على المطر ، ويقال : حقيقة الرؤيا ما ينزعه الملك الموكل عليها ، فإن الله تعالى قد وكل بالرؤيا ملكا يضرب من الحكمة الأمثال ، وقد أطلعه الله تعالى [ ص: 157 ] على قصص ولد آدم من اللوح المحفوظ ، فهو ينسخ منها ويضرب لكل على قصته مثلا ، فإذا نام تمثل له تلك الأشياء على طريق الحكمة ليكون له بشارة أو نذارة أو معاتبة ليكونوا على بصيرة من أمرهم .

فائدة

اعلم أن البخاري رضي الله عنه أخرج حديث " من كذب علي " ها هنا عن خمسة من الصحابة ، وهم : علي بن أبي طالب ، والزبير بن العوام ، وأنس بن مالك ، وسلمة بن الأكوع ، وأبو هريرة رضي الله عنهم . فقدم حديث علي لأن فيه النهي عن الكذب عليه صريحا والوعيد للكاذب ، والمراد من عقد الباب التنبيه عليه ، ثم عقبه بحديث الزبير لزيادة فيه ، وهي التنبيه على توقي الصحابة وتحرزهم من كثرة الرواية عنه المؤدية إلى انجرار الكذب والخطأ ، ثم عقب ذلك بحديث أنس للتنبيه على نكتة ، وهي أن توقيهم لم يكن بالامتناع عن أصل الحديث ; لأنهم مأمورون بالتبليغ ، وإنما كان لخوفهم من الإكثار المفضي إلى الخطأ ، ثم عقب ذلك بحديث سلمة لما فيه من التصريح بالقول ; لأن الأحاديث التي قبله أعم من نسبة القول والفعل إليه ثم ختم الأربعة بحديث أبي هريرة لما فيه من الإشارة إلى استواء تحريم الكذب عليه في كل حال ، سواء كان في اليقظة أو في النوم .

فائدة أخرى

اعلم أن حديث من كذب علي في غاية الصحة ونهاية القوة حتى أطلق عليه جماعة أنه متواتر ، ونوزع بأن شرط التواتر استواء طرفيه وما بينهما في الكثرة ، وليست موجودة في كل طريق بمفردها .

أجيب بأن المراد من إطلاق كونه متواترا رواية المجموع عن المجموع من ابتدائه إلى انتهائه في كل عصر ، وهذا كاف في إفادة العلم .

وحديث أنس قد روي عن العدد الكثير ، وتواترت عنهم الطرق ، وحديث علي رضي الله عنه رواه عن ستة من مشاهير التابعين وثقاتهم ، والعدد المعين لا يشترط في التواتر بل ما أفاد العلم كاف ، والصفات العلية في الرواة تقوم مقام العدد أو تزيد عليه ، ولا سيما قد روي هذا الحديث عن جماعة كثيرين من الصحابة ، فحكى الإمام أبو بكر الصيرفي في شرحه لرسالة الشافعي أنه روي عن أكثر من ستين صحابيا مرفوعا ، وقال بعض الحفاظ : إنه روي عن اثنين وستين صحابيا ، وفيهم العشرة المبشرة . وقال : ولا يعرف حديث اجتمع على روايته العشرة المبشرة إلا هذا ، ولا حديث يروى عن أكثر من ستين صحابيا إلا هذا . وقال بعضهم : إنه رواه مائتان من الصحابة ، وقد اعتنى جماعة من الحفاظ بجمع طرقه ، فقال إبراهيم الحربي : إنه ورد من حديث أربعين من الصحابة ، وكذا قال أبو بكر البزار وجمع طرقه أبو محمد يحيى بن محمد بن صاعد فزاد قليلا ، وجمعها الطبراني فزاد قليلا .

وقال أبو القاسم بن منده : رواه أكثر من ثمانين نفسا ، وجمع طرقه ابن الجوزي في مقدمة كتاب الموضوعات فجاوز التسعين ، وبذلك جزم ابن دحية ، ثم جمعها الحافظان يوسف بن خليل الدمشقي وأبو علي البكري وهما متعاصران ، فوقع لكل منهما ما ليس عند الآخر وتحصل من مجموع ذلك كله رواية مائة من الصحابة رضي الله عنهم ، وقال ابن الصلاح : ثم لم يزل عدده في ازدياد وهلم جرا على التوالي والاستمرار ، وليس في الأحاديث ما في مرتبته من التواتر ، وقيل : لم يوجد في الحديث مثال للمتواتر إلا هذا ، وقال ابن دحية : قد أخرج من نحو أربعمائة طريق . قلت : قول من قال لا يعرف حديث اجتمع على روايته العشرة إلا هذا غير مسلم ، فإن حديث رفع اليدين اجتمع على روايته العشرة ، وكذلك حديث المسح على الخفين ، وكذا قوله “ ولا حديث يروى عن أكثر من ستين صحابيا إلا هذا " ، فإن حديث السواك رواه أكثر من ستين صحابيا ، بينت ذلك في شرح معاني الآثار للطحاوي رحمه الله ، وكذلك قول من قال لم يوجد من الحديث مثال للمتواتر إلا هذا ، فإن حديث " من بنى لله مسجدا " ، وحديث الشفاعة ، والحوض ، ورؤية الله في الآخرة ، والأئمة من قريش .. كلها تصلح مثالا للمتواتر ، فافهم .

فائدة أخرى

تفصيل طرق الأحاديث المائة من الصحابة التي تحصلت من جميع الحفاظ المذكورين هو أن أربعة عشر حديثا منها قد صحت ، فعند البخاري ومسلم عن علي بن أبي طالب ، وأنس بن مالك ، وأبي هريرة ، والمغيرة أخرج البخاري حديثه في الجنائز . وعند البخاري أيضا ، عن الزبير بن العوام ، وسلمة بن الأكوع ، وعبد الله بن عمرو بن العاص . أخرج حديثه في أخبار بني إسرائيل ، وعند مسلم أيضا ، عن أبي سعيد الخدري ، وعند غيرهما من الصحاح أيضا ، عن عثمان بن عفان وعبد الله بن مسعود وعبد الله بن عمر ، وأبي قتادة وجابر وزيد بن أرقم .

ومنها ستة عشر حديثا في الحسان ، وهي : عن طلحة بن عبيد الله ، وسعيد بن زيد ، وأبي عبيدة بن الجراح ، ومعاذ بن جبل ، وعقبة بن عامر ، وعمران بن حصين ، وسلمان الفارسي ، ومعاوية بن أبي سفيان ، ورافع بن خديج ، وطارق الأشجعي ، [ ص: 158 ] والسائب بن يزيد ، وخالد بن عرفطة ، وأبي أمامة ، وأبي قرصافة ، وأبي موسى الغافقي ، وعائشة رضي الله عنهم . فهؤلاء ثلاثون نفسا ، ومنها سبعون حديثا ما بين ضعيف وساقط عن سبعين نفسا منهم ، وهم : أبو بكر ، وعمر بن الخطاب ، وعبد الرحمن بن عوف ، وسعد بن أبي وقاص ، وعمار بن ياسر ، وابن عباس ، وابن الزبير ، وزيد بن ثابت ، وأبو موسى الأشعري ، وجابر بن عبد الله ، وأسامة بن زيد ، وقيس بن سعد بن عبادة ، وواثلة بن الأسقع ، وكعب بن قطبة ، وسمرة بن جندب ، والبراء بن عازب ، وأبو موسى الغافقي ، ومالك بن عبد الله ، وعبد الله بن زعب ، وصهيب ، والنواس بن سمعان ، ويعلى بن مرة ، وحذيفة بن اليمان ، والسائب بن يزيد ، وبريدة بن الحصيب ، وسلمان بن خالد الخزاعي ، وعبد الله بن الحارث بن جزء ، وعمرو بن عبسة السلمي ، وطارق بن أشيم ، وأبو رافع إبراهيم . ويقال : أسلم مولى النبي عليه الصلاة والسلام ، وعتبة بن غزوان ، ومعاوية بن حيدة ، ومعاذ بن جبل ، وسعد بن المدحاس ، وأبو كبشة الأنماري والعرس بن عميرة ، والمنقع التميمي ، وابن أبي العشراء الدارمي ، ونبيط بن شريط ، وأبو ذر الغفاري ، ويزيد بن أسد ، وأبو ميمون الكردي ، ورجل من أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام ، ورجل آخر .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث