الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


139 5 - حدثنا عبد الله بن مسلمة عن مالك عن موسى بن عقبة عن كريب مولى ابن عباس عن أسامة بن زيد رضي الله عنهما ، أنه سمعه يقول : دفع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من عرفة حتى إذا كان بالشعب نزل فبال ، ثم توضأ ، ولم يسبغ الوضوء ، فقلت : الصلاة يا رسول الله ، فقال : الصلاة أمامك ، فركب ، فلما جاء المزدلفة نزل فتوضأ فأسبغ الوضوء ، ثم أقيمت الصلاة ، فصلى المغرب ، ثم أناخ كل إنسان بعيره في منزله ، ثم أقيمت العشاء فصلى ، ولم يصل بينهما .

التالي السابق


مطابقة الحديث للترجمة في قوله : « فتوضأ وأسبغ الوضوء " .

فإن قلت : المذكور فيه شيئان الإسباغ وتركه ، فما المرجح في تبويب الترجمة على الإسباغ .

قلت : لأنه بوب الباب السابق في تخفيف الوضوء ، فتعين أن يكون الباب الذي يتلوه في الإسباغ .

( بيان رجاله ) وهم خمسة :

الأول : عبد الله بن مسلمة ، بفتح الميمين وسكون السين المهملة ، القعنبي ، وقد مر .

الثاني : الإمام مالك رحمه الله .

الثالث : موسى بن عقبة بن أبي عياش ، أبو محمد المدني ، مولى الزبير بن العوام ، ويقال : مولى أم خالد زوجة الزبير القريشي أخو محمد وإبراهيم ، وكان إبراهيم أكبر من موسى روى عن كريب وأم خالد الصحابية وغيرهما ، وعنه مالك والسفيانان وغيرهم ، وكان من المفتين الثقات ، مات سنة إحدى وأربعين ومائة ، ومغازيه أصح المغازي ، كما قاله مالك وغيره ، وليس في الكتب الستة من اسمه موسى بن عقبة غيره .

الرابع : كريب ، وقد تقدم عن قريب .

الخامس : أسامة ، بضم الهمزة ابن زيد بن حارثة بن شراحيل الكلبي المدني الحب ابن الحب ، وكان نقش خاتمه : حب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وكان مولى النبي عليه الصلاة والسلام وابن حاضنته ، ومولاته أم أيمن ، استعمله رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وهو ابن ثماني عشرة سنة ، وقبض النبي عليه الصلاة والسلام وهو ابن عشرين ، روي له مائة حديث وثمانية وعشرون حديثا ، اتفقا على خمسة عشر حديثا ، وانفرد البخاري بحديثين ، ومسلم بحديثين ، مات بوادي القرى ، سنة أربع وخمسين على الأصح ، وهو ابن خمس وخمسين ، وذكر الله أباه زيدا في القرآن باسمه ، وأسامة بن زيد ستة أحدهم هذا ، وليس في الصحابة من اسمه أسامة بن زيد سواه ، وإن كان فيهم من اسمه أسامة ، الثاني تنوخي روى عن زيد بن أسلم وغيره ، الثالث : ليثي روى عن نافع وغيره ، الرابع : مدني مولى عمر بن الخطاب ضعيف ، الخامس : كلبي روى عن زهير بن معاوية وغيره ، السادس : شيرازي روى عن أبي حامد الفضلي .

[ ص: 259 ] ( بيان لطائف إسناده ) منها أن فيه التحديث والعنعنة والسماع ، ومنها أن رجاله كلهم مدنيون ، ومنها أن فيه رواية تابعي عن تابعي ; موسى عن كريب ، ومنها أن رجاله كلهم من رجال الكتب الستة إلا عبد الله بن مسلمة ; فإن ابن ماجه لم يخرج له .

( بيان تعدد موضعه ، ومن أخرجه غيره ) أخرجه البخاري أيضا في الحج عن عبد الله بن يوسف عن مالك به ، وعن مسدد ، عن حماد بن زيد ، عن يحيى بن سعيد ، عن موسى بن عقبة ، عن كريب ، وفي الطهارة أيضا عن محمد بن سلام ، عن يزيد بن هارون ، عن يحيى بن سعيد به ، وأخرجه مسلم في الحج عن يحيى بن يحيى ، عن مالك به ، وعن محمد بن رمح ، عن ليث بن سعد ، عن يحيى بن سعيد به ، وعن أبي بكر بن أبي شيبة وأبي كريب كلاهما عن ابن المبارك ، وعن إسحاق عن يحيى بن آدم ، عن زهير كلاهما عن إبراهيم بن عقبة ، وعن إسحاق ، عن وكيع ، عن سفيان ، عن محمد بن عقبة ، كلاهما عن كريب به ، وأخرجه أبو داود في الحج عن القعنبي به ، وأخرجه النسائي في الحج عن محمود بن غيلان عن وكيع عن سفيان ، عن إبراهيم بن عقبة به ، وعن أحمد بن سليمان عن يزيد بن هارون به ، وعن قتيبة عن مالك به ، وعن قتيبة عن حماد بن زيد عن إبراهيم بن عقبة به مختصرا .

( بيان اللغات )

قوله : « دفع من عرفة " أي : أفاض منها ، يقال : دفع السيل من الجبل إذا انصب منه ، ودفعت إليه شيئا أدفعه دفعا ، ودفعت الرجل ، قال الله تعالى ولولا دفع الله الناس ودفعت عنه الأذى واندفعوا في الحديث أو الإنشاد أفاضوا فيه ، والاندفاع مطاوع الدفع ، وتدافع القوم في الحرب ، أي : دفع بعضهم بعضا ، قال الصغاني : التركيب يدل على تنحية الشيء .

قوله : « من عرفة " على وزن فعلة اسم للزمان ، وهو اليوم التاسع من ذي الحجة ، وهذا هو الصحيح ، وقيل : عرفة وعرفات ، كلاهما اسمان للمكان المخصوص ، وقال الصغاني : ويوم عرفة التاسع من ذي الحجة ، وتقول : هذا يوم عرفة ، غير منون ، ولا تدخلها الألف واللام ، وعرفات الموضع الذي يقف الحاج به يوم عرفة ، قال الله تعالى فإذا أفضتم من عرفات وهي اسم في لفظ الجمع فلا تجمع ، قال الفراء : لا واحد لها ، وقول الناس : نزلنا عرفة ، شبيه بمولد ، وليس بعربي محض ، سميت به لأن آدم عرف حواء بها ; فإن الله تعالى أهبط آدم بالهند وحواء بجدة فتعارفا في الموقف أو لأن جبريل عليه الصلاة والسلام عرف إبراهيم عليه الصلاة والسلام المناسك هناك ، أو للجبال التي فيها والجبال التي هي الأعراف ، وكل باب فهو عرف ، ومنه عرف الديك ، أو لأن الناس يعترفون فيها بذنوبهم ويسألون غفرانها ، وقيل : لأنها مكان مقدس معظم كأنه قد عرف ، أي : طيب ، قوله : « بالشعب " بكسر الشين المعجمة وسكون العين المهملة ، وهو الطريق في الجبل ، والمراد به الشعب المعهود للحجاج .

قوله : « المزدلفة " هي موضع مخصوص بين عرفات ومنى ، وقيل : سميت بها ; لأن الحجاج يزدلفون فيها إلى الله تعالى ، أي : يتقربون بالوقوف فيها إليه ، ويسمى أيضا جمعا ; لأن آدم اجتمع فيها مع حواء عليهما السلام وازدلف إليها ، أي : دنا ; فلذلك سميت مزدلفة أيضا ، وعن قتادة ; لأنه يجمع فيها بين الصلاتين . قلت : المزدلفة ، بضم الميم من الازدلاف ، وهو التقرب أو الاجتماع ، فمن الأول قوله تعالى وأزلفت الجنة للمتقين أي : قربت ، ومن الثاني قوله تعالى وأزلفنا ثم الآخرين أي : جمعناهم ، ولذلك قيل لها : جمع

*( بيان الإعراب ) قوله : « سمعه " جملة في محل الرفع ; لأنها خبر أن ، قوله : « يقول " جملة في محل النصب على الحال ، قوله : « دفع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " مقول القول ، قوله : « حتى إذا كان بالشعب " كلمة حتى هذه ابتدائية ، أعني حرفا يبتدأ بعده الجملة سواء كانت اسمية أو فعلية ، ويجوز أن تكون جارة على ما نقل عن الأخفش في قوله تعالى حتى إذا فشلتم فعلى هذا ، قوله : « إذا " في محل الجر بها ، وعلى الأول يكون موضعها النصب ، والعامل فيه قوله : « نزل " والباء في بالشعب ظرفية ، قوله : « فبال " عطف على "نزل" ، قوله : « فقلت : الصلاة " بالنصب ، واختلفوا في الناصب ; فقال القاضي : على الإغراء ، وقيل : على تقدير : أتريد الصلاة ، ويؤيده قوله في رواية تأتي "فقلت : أتصلي يا رسول الله" يعني : أتريد الصلاة . قلت : الأولى أن يقدر نصلي الصلاة يا رسول الله ، ويجوز فيه الرفع على تقدير : حانت الصلاة أو حضرت ، قوله : « الصلاة أمامك " برفع الصلاة على الابتداء ، وخبره أمامك ، قوله : « المزدلفة " بالنصب ; لأنه مفعول "جاء" ، وفي الأصل : جاء إلى المزدلفة ، وقوله "نزل" جواب "لما" .

( بيان المعاني ) قوله : « دفع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من عرفة " أي : رجع من وقوف عرفة بعرفات ; لأنا قلنا أن عرفة اسم اليوم التاسع من ذي الحجة ، فحينئذ يكون المضاف فيه محذوفا ، وعلى قول من يقول أن عرفة اسم للمكان أيضا لا حاجة إلى التقدير ، وقد مر أنه لغة بلدية ، قوله : « ولم يسبغ الوضوء " أي : خففه ، ويؤيده ما جاء في رواية مسلم "فتوضأ وضوءا خفيفا" [ ص: 260 ] ويقال : معناه لم يكمله ، يعني : توضأ مرة مرة ; لكن بالإسباغ ، وقيل : معناه خفف استعمال الماء بالنسبة إلى غالب عاداته ، وقيل : المراد به الوضوء اللغوي ، أي : اقتصر على بعض الأعضاء ، وهو بعيد وأبعد منه ما قيل : إن المراد به الاستنجاء ، كما قال عيسى بن دينار وجماعة ، ومما يوهنه رواية البخاري الآتية في باب الرجل يوضئ صاحبه أنه عليه الصلاة والسلام عدل إلى الشعب فقضى حاجته ، فجعلت أصب الماء عليه ويتوضأ ، ولا يجوز أن يصب أسامة عليه إلا وضوء الصلاة ; لأنه كان لا يقرب منه أحد ، وهو على حاجته ، وأيضا فقد قال أسامة عقيب ذلك : الصلاة يا رسول الله ، ومحال أن يقول له "الصلاة" ، ولم يتوضأ وضوء الصلاة ، وأبعد من قال : إنما لم يسبغه ; لأنه لم يرد أن يصلي به ، ففعله ليكون مستصحبا للطهارة في مسيره ; فإنه كان في عامة أحواله على طهر ، وقال أبو الزناد : إنما لم يسبغه ليذكر الله ; لأنهم يكثرون منه عشية الدفع من عرفة ، وقال غيره : إنما فعله لإعجاله الدفع إلى المزدلفة ، فأراد أن يتوضأ وضوءا يرفع به الحدث ; لأنه عليه الصلاة والسلام كان لا يبقى بغير طهارة ، وكذا قال الخطابي : إنما ترك إسباغه حتى نزل الشعب ; ليكون مستصحبا للطهارة في طريقه ، ويجوز فيه ; لأنه لم يرد أن يصلي به ، فلما نزل وأرادها أسبغه .

قوله : « الصلاة أمامك " بفتح الهمزة ، أي : قدامك ، وقال الخطابي : يريد أن موضع هذه الصلاة المزدلفة ، وهي أمامك ، وهذا تخصيص لعموم الأوقات المؤقتة للصلوات الخمس لبيان فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وفيه دليل على أنه لا يصليها الحاج إذا أفاض من عرفة حتى يبلغها ، وأن عليه أن يجمع بينها وبين العشاء بجمع على ما سنه الرسول عليه الصلاة والسلام بفعله ، وبينه بقوله ولو أجزأته في غير المكان لما أخرها عن وقتها المؤقت لها في سائر الأيام ، وقال الكرماني : ليس فيه دليل على أنه لا يجوز ; إذ فعله المجرد لا يدل إلا على الندب وملازمة الشرطية في قوله لما أخرها ممنوعة ; لأن ذلك لبيان جواز تأخيرها أو بيان ندبية التأخير ; إذ الأصل عدم الجواز .

قلت : لا نسلم نفي الدليل على عدم الجواز ; لأن فعله قارنه قوله فدل على عدم الجواز ، وإنما يمشي كلامه أن لو كان أسامة عالما بالسنة ، ولم يكن يعلم ذلك ; لأنه عليه الصلاة والسلام أول من سنها في حجة الوداع ، والموضع موضع الحاجة إلى البيان فقران فعله بقوله دليل على عدم الجواز ووجوب تأخيرها إلى غير وقتها المعهود . والله أعلم .

فإن قلت : الصلاة أمامك ، قضية حملية ، فكيف يصح هذا الحمل ; لأن الصلاة ليست بإمام .

قلت : المضاف فيه محذوف تقديره : وقت الصلاة أمامك ; إذ نفسها لا توجد قبل إيجادها ، وعند إيجادها لا تكون أمامه ، وقيل : معناه المصلى أمامك ، أي : مكان الصلاة فيكون من قبيل ذكر الحال وإرادة المحل ، وهو أعم من أن يكون مكانا أو زمانا ، قوله : « ثم أناخ كل إنسان بعيره " كأنهم فعلوا ذلك خشية ما يحصل منها من التشويش بقيامها ، قوله : « ثم أقيمت العشاء " بكسر العين وبالمد ، والمراد به صلاة العشاء ، وهي التي وقتها من غروب الشفق إلى طلوع الفجر الصادق ، وهو في اللغة من صلاة المغرب إلى العتمة ، وقيل : من الزوال إلى الطلوع .

( بيان استنباط الأحكام ) الأول : فيه دليل لأبي حنيفة ومحمد بن الحسن فيما ذهبا إليه من وجوب تأخير صلاة المغرب إلى وقت العشاء ، حتى لو صلى المغرب في الطريق لم يجز ، وعليه إعادتها ما لم يطلع الفجر ، وبه قال زفر وجماعة من الكوفيين ، وقال مالك : لا يجوز أن يصليها قبلها إلا من به أو بدابته عذر ، فله أن يصليها قبلها بشرط كونه بعد مغيب الشفق ، وحكى ابن التين عن المدونة أنه يعيد إذا صلى المغرب قبل أن يأتي المزدلفة أو جمع بينها وبين العشاء بعد مغيب الشفق وقبل أن يأتيها ، وعن أشهب المنع إلا أن يكون صلى قبل مغيب الشفق فيعيد العشاء بعدها أبدا ، وبئس ما صنع ، وقيل : يعيد الأخيرة فقط ، وقال في المعونة : إن صلى المغرب بعرفة في وقتها فقد ترك الاختيار والسنة ، ويجزيه خلافا لأبي حنيفة ، وقال أشهب : وإذا أسرع فوصل المزدلفة قبل مغيب الشفق جمع ، وخالفه ابن القاسم فقال : لا يجمع حتى يغيب ، وقالت الشافعية : لو جمع بينهما في وقت المغرب في أرض عرفات أو في الطريق أو في موضع آخر وصلى كل صلاة في وقتها جاز جميع ذلك ، وإن خالف الأفضل ، وبه قال جماعة من الصحابة والتابعين ، وقال به الأوزاعي وأبو يوسف وأشهب وفقهاء أصحاب الحديث .

الثاني : فيه عدم وجوب الموالاة في جمع التأخير ; فإنه وقع الفصل بينها بإناخة كل إنسان بعيره في منزله .

الثالث : فيه الإقامة لكل من صلاتي الجمع ، وهو مذهب عبد الرحمن بن يزيد والأسود ومالك والشافعي وأحمد ، وقال القاضي عياض : وهو مذهب عمر بن الخطاب وابن مسعود رضي الله عنهما ، وقال ابن القاسم عن مالك : كل صلاة إلى الأئمة فلها أذان وإقامة ، وقال [ ص: 261 ] أحمد بن خالد : أعجب من مالك ; أخذ في هذا بحديث ابن مسعود ولم يروه ، وترك ما روى ، وقال سعيد بن جبير والثوري وأبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد بأذان واحد وإقامة واحدة لهما ، وهو المروى عن جابر وعبد الله بن عمر وأبي أيوب الأنصاري .

قلت : لم يذكر في الحديث المذكور الأذان ، والصحيح عند الشافعية أنه يؤذن للأولى ، وبه قال أحمد وأبو ثور وعبد الملك بن الماجشون المالكي ، وهو مذهب الطحاوي ، وللشافعي وأحمد قول : أنه يصلي كل واحدة بإقامة بلا أذان ، وهو محكي عن القاسم بن محمد وسالم ، وعن كل واحد من مالك والشافعي وأحمد : أنه يصلي بأذانين .

الرابع : فيه تنبيه المفضول الفاضل إذا خاف عليه النسيان لما كان فيه من الشغل ; لقول أسامة : "الصلاة يا رسول الله" .

الخامس : في قوله : « فتوضأ فأسبغ الوضوء " إن الوضوء عبادة وإن لم يصل به ، يعني بالأول نبه عليه الخطابي ، وقد قالت جماعة من توضأ ، ثم أراد أن يجدد وضوءه قبل أن يصلي ليس له ذلك ; لأنه لم يوقع به عبادة ، ويكون كمن زاد على ثلاث في وضوء واحد ، وهذا هو الأصح عند الشافعية ، قالوا : ولا يسن تجديده إلا إذا صلى بالأولى صلاة فرضا كانت أو نفلا . قلت : استدلال الخطابي بالحديث المذكور على ما ادعاه غير تام لا يخفى ذلك .

السادس : فيه أنهم صلوا قبل حط رحالهم ، وقد جاء مصرحا به في رواية أخرى في الصحيح ، وعن مالك يبدأ بالصلاة قبل حط الرواحل ، وقال أشهب : له أن يحط رحله قبل أن يصلي وبعد المغرب أحب إلي ما لم تكن دابته معقلة ، ولا يتعشى قبل المغرب ، وإن خفف عشاءه ، ولا يتعشى بعدها ، وإن كان عشاؤه خفيفا ، وإن طال فبعد العشاء أحب إلي .

السابع : فيه ترك النافلة في السفر ، كذا استنبطه المهلب من قوله : « ولم يصل بينهما " وكذلك قال ابن عمر رضي الله عنهما : لو كنت مسبحا لأتممت ، وقال غيره : لا دلالة فيه ; لأن الوقت بين الصلاتين لا يتسع لذلك ، ألا ترى أن بعضها قال : لا يحطون رواحلهم تلك الليلة حتى يجمعوا ، ومنهم من قال : يحط بعد الأولى مع ما في ترك الرواحل ما وقى ما نهى عنه ، ولم يتابع ابن عمر رضي الله عنهما على قوله ، والفقهاء متفقون على اختيار التنفل في السفر ، وقال ابن بطال : وقد تنفل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - راجلا وراكبا .

الثامن : استدل به القرطبي على جواز التنفل بين صلاتي الجمع ، قال : وهو قول ابن وهب قال : وخالفه بقية أصحابنا فمنعوه . قلت : الحديث نص على أنه لم يصل بينهما ، ولعله أخذه من إناخة البعير بينهما ، ومذهب الشافعية أنه جائز في جمع التأخير ممتنع في جمع التقديم ، ومذهب الحنفية المنع من التطوع بينهما ; لأنه يخل بالجمع ، ولو تطوع أو تشاغل بشيء أعاد الإقامة لوقوع الفصل نص عليه في الهداية .

التاسع : فيه الدفع من عرفة إلى مزدلفة راكبا .

العاشر : قال الداودي : فيه الاستنجاء من البول لغير صلاة تنظفا وقطعا لمادته . قلت : كأنه حمل الوضوء الأول فيه على الاستنجاء ، وقد رددنا عليه ذلك .

الحادي عشر : فيه اشتراك وقت المغرب والعشاء في الجمع خاصة ، وكذا وقت الظهر والعصر في عرفة خاصة ، وليس ذلك في غيرهما .

فإن قلت : ما السبب في جمع التأخير بمزدلفة .

قلت : السفر عند الشافعية ، ولهذا لا يجمع المزدلفي والنسك عند الحنفية ; فلهذا يجمع المزدلفي . والله أعلم .

الثاني عشر : استدل به الشافعية على أن الفوائت لا يؤذن لها ; لكن يقام .

قلت : هذا الاستدلال غير تام ; لأن تأخير المغرب إلى العشاء ليس بقضاء ، وإنما هو أداء ; لأن وقته قد تحول إلى وقت العشاء لأجل العذر المرخص ، فكيف يصح القياس عليه فيما ذكره . والله أعلم .

الثالث عشر : قال ابن بطال : فيه أن يسير العمل إذا تخلل بين الصلاتين غير قاطع نظام الجمع بينهما ; لقوله : « ثم أناخ " ولكنه لا يتكلم . قلت : ليس فيه ما يدل على عدم جواز التكلم بينهما ، ولا ما يدل على عدم قطع اليسير وعلى قطع الكثير ; بل يدل على عدم القطع مطلقا ، يسيرا أو كثيرا .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث