الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

209 75 - حدثنا عبد الله بن يوسف ، أخبرنا مالك ، عن هشام ، عن أبيه ، عن عائشة : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : إذا نعس أحدكم وهو يصلي فليرقد حتى يذهب عنه النوم ، فإن أحدكم إذا صلى وهو ناعس لا يدري لعله يستغفر فيسب نفسه .

التالي السابق


مطابقة هذا الحديث والذي بعده للترجمة تفهم من معنى الحديث ، فإن النبي صلى الله عليه وسلم لما أوجب قطع الصلاة ، وأمر بالرقاد ، دل ذلك على أنه كان مستغرقا في النوم ، فإنه علل ذلك بقوله ( فإن أحدكم . . إلخ ) ، وفهم من ذلك أنه إذا كان النعاس أقل من ذلك ، ولم يغلب عليه ، فإنه معفو عنه ، ولا وضوء فيه ، وأشار البخاري إلى ذلك بقوله : ومن لم ير من النعسة . . إلخ ، ولا غلبة في النعسة والنعستين ، فإذا زادت يغلب عليه النوم فينتقض وضوءه كما ذكرنا ، وكذلك لا غلبة في الخفقة الواحدة كما أشرنا إليه عن قريب .

وقال ابن المنير : فإن قلت : كيف مخرج الترجمة من الحديث ، ومضمونها أن لا يتوضأ من النعاس الخفيف ، ومضمون الحديث النهي عن الصلاة مع النعاس .

قلت : إما أن يكون البخاري تلقاها من مفهوم تعليل النهي عن الصلاة حينئذ بذهاب العقل المؤدي إلى أن ينعكس الأمر ، يريد أن يدعو فيسب نفسه ، فإنه دل أنه إن لم يبلغ هذا المبلغ صلى به ، وإما أن يكون تلقاها من كونه إذا بدأ به النعاس وهو في النافلة ، اقتصر على إتمام ما هو فيه ولم يستأنف أخرى ، فتماديه على ما كان فيه يدل على أن النعاس اليسير لا ينافي الطهارة ، وليس بصريح في الحديث ، بل يحتمل قطع الصلاة التي هو فيها ، ويحتمل النهي عن استئناف شيء آخر ، والأول أظهر .

بيان رجاله :

وهم خمسة ، ذكروا كلهم غير مرة ، وهشام هو ابن عروة ، يروي عن أبيه عروة بن الزبير بن العوام ، عن عائشة رضي الله عنها ، وفي رواية الأصيلي صرح بذكر عروة ، والرواة كلهم مدنيون غير شيخ البخاري .

بيان من أخرجه غيره :

أخرجه مسلم أيضا في الصلاة عن قتيبة ، عن مالك .

وأخرجه أبو داود فيه ، عن القعنبي ، عن مالك .

بيان المعنى ، والإعراب :

قوله ( وهو يصلي ) جملة اسمية وقعت حالا .

قوله ( فليرقد ) أي فلينم ، وللنسائي من طريق أيوب ، عن هشام : فلينصرف ، والمراد به الخروج من الصلاة بالتسليم .

فإن قلت : فقد جاء في حديث ابن عباس في نومه في بيت ميمونة رضي الله عنها ، فجعلت إذا غفيت يأخذ بشحمتي أذني ، ولم يأمره بالنوم .

قلت : لأنه جاء تلك الليلة ليتعلم منه ، ففعل ذلك ليكون أثبت له .

فإن قلت : الشرط هو سبب للجزاء ، فها هنا النعاس سبب للنوم أو للأمر بالنوم .

قلت : مثله محتمل للأمرين كما يقال في نحو : اضربه تأديبا ; لأن التأديب مفعول له إما للأمر بالضرب ، وإما للمأمور به ، والظاهر الأول .

قوله ( وهو ناعس ) جملة اسمية وقعت حالا .

فإن قلت : ما الفائدة في تغيير الأسلوب حيث قال ثمة : وهو يصلي ، بلفظ الفعل ، وها هنا : وهو ناعس ، بلفظ اسم الفاعل ؟ قلت : ليدل على أنه لا يكفي تجدد أدنى نعاس ، وتقضيه في الحال ، بل لا بد من ثبوته بحيث يفضي إلى عدم درايته بما يقول ، وعدم علمه بما يقرأ .

فإن قلت : هل فرق بين نعس وهو يصلي ، وصلى وهو ناعس ؟ قلت : الفرق الذي بين ضرب قائما ، وقام ضاربا ، وهو احتمال القيام بدون الضرب في الأول ، واحتمال الضرب بدون القيام في الثاني ، وإنما اختار ذلك ثمة وهذا هنا ; لأن الحال قيد وفضلة ، والأصل في الكلام هو ما له القيد ، ففي الأول لا شك أن النعاس هو علة الأمر بالرقاد لا الصلاة ، فهو [ ص: 111 ] المقصود الأصلي في التركيب ، وفي الثاني الصلاة علة للاستغفار إذ تقدير الكلام : فإن أحدكم إذا صلى وهو ناعس يستغفر .

وقوله ( لا يدري ) وقع موقع الجزاء إذا كانت كلمة إذا شرطية ، وإن لم تكن شرطية يكون خبرا لـ "إن" ، فافهم .

قوله ( لعله يستغفر ) أي يريد الاستغفار فيسب ، يعني يدعو على نفسه ، وصرح به النسائي في رواية من طريق أيوب ، عن هشام ، وفي بعض النسخ : يسب ، بدون الفاء .

فإن قلت : ما الفرق بينهما ؟ قلت : بدون الفاء تكون الجملة حالا ، وبالفاء عطفا على يستغفر ، ويجوز في "يسب" الرفع والنصب ، أما الرفع فباعتبار عطف الفعل على الفعل ، وأما النصب فباعتبار أنه جواب لكلمة "لعل" التي للترجي ، فإنها مثل ليت .

فإن قلت : كيف يصح ها هنا معنى الترجي ؟ قلت : الترجي فيه عائد إلى المصلي لا إلى المتكلم به ، أي لا يدري أمستغفر أم ساب مترجيا للاستغفار ، فهو في الواقع بضد ذلك ، أو استعمل بمعنى التمكن بين الاستغفار والسب ; لأن الترجي بين حصول المرجو وعدمه ، فمعناه لا يدري أيستغفر أم يسب ، وهو متمكن منهما على السوية .

بيان استنباط الأحكام :

الأول : أن فيه الأمر بقطع الصلاة عند غلبة النوم عليه ، وأن وضوءه ينتقض حينئذ .

الثاني : أن النعاس إذا كان أقل من ذلك يعفى عنه ، فلا ينتقض وضوءه ، وقد أجمعوا على أن النوم القليل لا ينقض الوضوء ، وخالف فيه المزني ، فقال : ينقض قليله وكثيره لما ذكرنا .

وقال المهلب ، وابن بطال ، وابن التين ، وغيرهم : إن المزني خرق الإجماع .

قلت : هذا تحامل منهم عليه ; لأن الذي قاله نقل عن بعض الصحابة والتابعين ، وقد ذكرناه عن قريب إن شاء الله تعالى .

الثالث : فيه الأخذ بالاحتياط ; لأنه علل بأمر محتمل .

الرابع : فيه الدعاء في الصلاة من غير تعيين بشيء من الأدعية .

الخامس : فيه الحث على الخشوع ، وحضور القلب في العبادة ، وذلك لأن الناعس لا يحضر قلبه ، والخشوع إنما يكون بحضور القلب .

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث