الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


جزء التالي صفحة
السابق

1104 [ 566 ] وعن أنس بن مالك قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إذا رقد أحدكم عن الصلاة أو غفل عنها فليصلها إذا ذكرها ، فإن الله تبارك وتعالى يقول : وأقم الصلاة لذكري [ طه :14 ]

رواه أحمد (3 \ 184)، والبخاري (597)، ومسلم (684) (316)، وأبو داود (442)، والترمذي (178)، والنسائي (2 \ 293 - 294) .

[ ص: 306 ]

التالي السابق


[ ص: 306 ] (87) ومن باب : من نام عن صلاة أو نسيها

قوله " حين قفل من غزوة خيبر " ; أي رجع ، قال الأصيلي : خيبر غلط ، وإنما هو حنين ، ولم يعتر ذلك النبي - صلى الله عليه وسلم - إلا مرة واحدة حين قفل من حنين إلى مكة . وقال الباجي وابن عبد البر : قول ابن شهاب " من خيبر " أصح ، وهو قول أهل السير . وفي حديث ابن مسعود أن نومه ذلك كان عام الحديبية ، وذلك في زمن خيبر ، وعليه يدل حديث أبي قتادة . قال غيره : وذلك بطريق مكة ، وهو طريق لمكة لمن شاء . قال أبو عمر : في هذه الأحاديث ما يدل على أن نومه كان مرة واحدة ، ويحتمل أن يكون مرتين . قال عياض : أما حديث أبي قتادة فلا مرية أنه غير حديث أبي هريرة ، وكذلك حديث عمران بن حصين .

والكرى النوم ، وعرس نزل آخر الليل - قاله الخليل ، وقال أبو زيد : التعريس النزول أي وقت كان من ليل أو نهار . وفي الحديث : يعرسون في نحر الظهيرة . و " اكلأ " أي احفظ ، ومنه كلأك الله أي حفظك ، وهذا إنما كان من النبي - صلى الله عليه وسلم - بعد أن طلبوا ذلك منه ، كما قال البخاري : إنهم طلبوا التعريس منه فقال : أخاف أن تناموا ! [ ص: 307 ] فقال بلال : أنا أوقظكم . فحينئذ عرس بهم ، ووكل بلالا بحفظ الفجر .

وقوله " ففزع رسول الله صلى الله عليه وسلم " اختلف في هذا الفزع وفي سببه ; فقال الأصيلي : كان لأجل عدوهم أن يكون اتبعهم فيجدهم على غرة . وقال غيره : لما فاتهم من أمر الصلاة ولم يكن عندهم حكم من ذلك . وقد دل على هذا قولهم : ما كفارة ما صنعنا بتفريطنا ؟ وهذا بين في حقهم . وقد يكون الفزع بمعنى مبادرتهم إلى الصلاة ، كما قال " فافزعوا إلى الصلاة " ; أي : بادروا إليها . وقد يكون فزع النبي - صلى الله عليه وسلم - إجابة الفزعين من أصحابه وإغاثتهم لما نزل بهم ، يقال فزعت استغثت ، وفزعت أغثت .

وقوله " أي بلال ! " ، كذا عند أكثر الرواة بـ " أي " التي للنداء ، وعند العذري والسمرقندي " أين بلال ؟ " بأين الظرفية .

وقول بلال " أخذ بنفسي الذي أخذ بنفسك " على طريق العذر مما كان تكفل به كما قدمناه من رواية البخاري ، والنفس هنا هي التي تتوفى بالنوم وبالموت ، كما قال تعالى : الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها [ الزمر : 42 ] وهي التي تخرج من البدن حالة الموت ، كما قال تعالى : أخرجوا أنفسكم [ الأنعام :93 ] وهي المناداة بقوله : يا أيتها النفس المطمئنة إلى قوله : فادخلي في عبادي [ الفجر : 27 - 29 ] وقد عبر عنها في الموطأ في هذا الحديث بالروح فقال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن الله قبض أرواحنا ، ولو شاء لردها إلينا في حين غير هذا . فما سماه بلال نفسا سماه رسول الله صلى الله عليه وسلم روحا ، فهما إذن عبارتان عن معبر واحد ، وهذا مذهب أئمتنا .

وقد اختلف الناس قديما وحديثا في ما هو هذا المعنى المعبر عنه بالنفس [ ص: 308 ] والروح ، والذي يفهم من مجموع ما في الكتاب والسنة وأقاويل علمائنا أن ذلك هو لطيفة مودعة في الأجساد مشاركة لجميع أجزائها التي تحلها الحياة ، يتأتى إخراجها من الجسد وإدخالها فيه وقبضها منه ، أجرى الله العادة بخلق الحياة في الجسد ما دامت فيه تلك اللطيفة ، وهي القابلة للعلوم . والإنسان : هو الجسد وتلك اللطيفة .

وقد فرق الصوفية بين النفس والروح ، فقالوا : النفس لطيفة مودعة في الجسم محل للأخلاق المعلولة ، والروح محل للأخلاق المحمودة ، وهو اصطلاح من قبلهم ، ولا مشاحة في الاصطلاحات بعد فهم المعنى .

والنفس في اللغة مشترك يطلق على ما ذكرناه ، ويطلق ويراد به وجود الشيء وذاته ، ويطلق ويراد به الدم . والروح يطلق على ما ذكر ، وعلى جبريل إذ قد سماه الله تعالى روحا في قوله : نـزل به الروح الأمين [ الشعراء :193 ] ويحتمل أن يكون المراد بقوله في قوله تعالى : تنـزل الملائكة والروح [ القدر :4 ] وفي قوله : قل الروح من أمر ربي [ الإسراء :85 ] - على ما قاله ابن عباس في قوله " قل الروح " ، وقد تقدم أن الروح مشتق من الريح .

وقوله " قال : اقتادوا ! فاقتادوا رواحلهم شيئا " ، قال : استدل به بعض الحنفيين على أن الفرائض لا تقضى في هذا الوقت بهذا الحديث ; لأنه - صلى الله عليه وسلم - إنما ارتحل عن ذلك الموضع ليخرج الوقت المنهي عنه ، وهذا تحكم ، بل كما يحتمل ما ذكروه يحتمل أنه إنما كان ذلك ليعم النشاط جميعهم ، وأبين من ذلك كله ما قد نص عليه من كراهية ذلك بقوله صلى الله عليه وسلم " ليأخذ كل رجل برأس راحلته ، فإن هذا منزل حضرنا فيه الشيطان " ، وقد زاد أبو داود في هذا الحديث أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : تحولوا عن مكانكم الذي أصابتكم فيه الغفلة .

[ ص: 309 ] وقوله “ فتوضأ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأمر بلالا فأقام الصلاة " ، ولم يذكر الأذان ، وقد ذكره في حديث أبي قتادة ، فاختلف العلماء في الفوائت ; هل يؤذن لها ويقام ؟ أو لا يؤذن لها ولا يقام ؟ أو يقام لها ولا يؤذن ؟ ثلاثة أقوال ، فالأول مذهب أهل الرأي وأحمد وأبي ثور ، والثاني مذهب الثوري ، والثالث مذهب مالك والأوزاعي ، والقول الثاني للشافعي . وقد تأول بعض أصحابنا الأذان في حديث أبي قتادة بمعنى الإعلام ، وهو تكلف ، بل الذي يجمع بين الأحاديث أنه إن احتيج إلى الأذان بحيث يجمع متفرقهم فعل ، وعلى هذا يحمل حديث أبي هريرة ، وإن كانوا مجموعين لم يحتج لذلك ; إذ ليس وقتا راتبا فيدعى إليه الجميع ويعلمونه ويكون شعارا ، وقد قدمنا أن هذه فوائد الأذان ، وعلى هذا يحمل حديث أبي قتادة ، والله أعلم .

وقوله " فصلى بهم الصبح " حجة الجميع في الفوائت .

وقوله " من نسي صلاة أو نام عنها فليصلها إذا ذكرها " - وفي لفظ آخر " أو غفل عنها " ، كل ذلك دليل على وجوب القضاء على النائم والغافل ، كثرت الصلوات أو قلت ، وهذا مذهب عامة العلماء . وقد حكي خلاف شاذ عن بعض الناس فيمن زاد على خمس صلوات أنه لا يلزمه قضاء ، وهو خلاف لا يعبأ به لأنه مخالف لنص الحديث .

وأما من ترك الصلاة عامدا فالجمهور أيضا على وجوب القضاء عليه ، وفيه خلاف شاذ أيضا عن داود وأبي عبد الرحمن الأشعري ، وقد احتج الجمهور عليهم بأوجه ;

أحدها : أنه قد ثبت الأمر بقضاء الناسي والنائم مع أنهما غير مؤثمين ، فالعامد أولى .

[ ص: 310 ] وثانيها : التمسك بقوله " إذا ذكرها " ، والعامد ذاكر لتركها فلزمه قضاؤها .

وثالثها : التمسك بعموم قوله " من نسي صلاة " ; أي : من حصل منه نسيان ، والنسيان هو الترك سواء كان مع ذهول أو لم يكن ، وقد دل على هذا قوله تعالى : نسوا الله فنسيهم [ التوبة : 67 ] ; أي : تركوا معرفة الله وأمره فتركهم في العذاب .

ورابعها : التمسك بقوله " من نسي صلاة فكفارتها أن يصليها إذا ذكرها " ، والكفارة إنما تكون عن الذنوب غالبا ، والنائم والناسي بمعنى الذاهل ليس بآثم ، فتعين العامد لأن يكون هو المراد بلفظ الناسي .

وخامسها : قوله وأقم الصلاة لذكري [ طه :14 ] ; أي : لتذكرني فيها - على أحد التأويلات .

وسادسها : أن القضاء يجب بالخطاب الأول ; لأن خروج وقت العبادة لا يسقط وجوبها ، لأنها لازمة في ذمة المكلف كالديون ، وإنما يسقط العبادة فعلها أو فقد شرطها ، ولم يحصل شيء من ذلك ، وهذا أحد القولين لأئمتنا الأصوليين والفقهاء .

وفي قوله " إذا ذكرها " حجة للجمهور على أبي حنيفة حيث يقول : إن المتروكة لا تقضى بعد الصبح ولا بعد العصر . ووجه تمسكهم أنها صلاة تجب بسبب ذكرها ، فتفعل عند حضور سببها متى ما حضر ، وقد صرح بالتعليل في قوله تعالى : وأقم الصلاة لذكري [ طه :14 ] ; فإن اللام للتعليل ظاهرا ، ولا يعارض هذا بقوله صلى الله عليه وسلم : لا صلاة بعد الصبح حتى تطلع الشمس ; فإن هذا عام في جنس الصلوات ، وذلك خاص في الواجبات المقضية . والوجه الصحيح عند الأصوليين بناء العام على الخاص ; إذ ذلك يرفع التعارض وبه يمكن الجمع ، وهو أولى من الترجيح باتفاق الأصوليين .

[ ص: 311 ] واستدلاله - صلى الله عليه وسلم - بقوله تعالى وأقم الصلاة لذكري دليل على أن شرع من قبلنا شرع لنا ما لم يرد شرعنا بخلافه ، وهو قول أكثر أصحابنا . واختلف أهل التفسير في قوله تعالى " لذكري " ; فقال مجاهد : لتذكرني فيها . وقال النخعي : اللام للظرف ; أي : إذا ذكرتني ، أي ذكرت أمري بعدما نسيت ، ومنه الحديث . وقيل : لا تذكر فيها غيري . وقيل : شكرا لذكري . وقيل ما ذكرناه من أن اللام للتسبيب ، وهو أوضحها . ويقرب منه قول النخعي . وقراءة ابن شهاب تأنيث للذكر .

وقوله " ثم سجد سجدتين ، ثم صلى الغداة " ، وفي حديث أبي قتادة " فصلى ركعتين " ، وبهذه الزيادة قال أبو حنيفة والشافعي وأحمد وداود ، وهو قول أشهب وعلي بن زياد من أصحابنا . ومشهور مذهب مالك أنه يصليها قبل الصبح الفائتة ، وهو قول الثوري والليث تمسكا بحديث ابن شهاب ، وليس فيه من ذلك شيء ، ولأن فعلها قبل الفائتة يزيد الفائتة فواتا . وقال أصحابنا : إن النوافل لا تقضى ; إذ ليس في الذمة شيء فيجب قضاؤه ، فإن أراد أن يقضي فليصل نفلا مبتدأ ، والله أعلم .

وقوله " وليأخذ كل رجل برأس راحلته ; فإن هذا منزل حضرنا فيه الشيطان " ، ذهب بعض العلماء إلى الأخذ بظاهر هذا الحديث ، فقال : إن من انتبه من نوم عن صلاة فائتة في سفر زال عن موضعه ، وإن كان واديا خرج عنه . واعتضد بقوله صلى الله عليه وسلم " تحولوا عن مكانكم الذي أصابتكم فيه الغفلة " ، وهذه الزيادة ذكرها [ ص: 312 ] أبو داود في حديث أبي هريرة . وقال آخرون : إنما يلزم هذا في ذلك الوادي بعينه ; إن علم ونزلت فيه مثل تلك النازلة فيجب الخروج منه كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم . وقال الجمهور : إن هذا غير مراعى ، وإن من استيقظ عن صلاة فاتته صلاها في ذلك الوقت وحيثما كان ; لقوله صلى الله عليه وسلم " فحيثما أدركتك الصلاة فصل " ، وهذا الحديث لا يصلح لتخصيصه في غير حق النبي صلى الله عليه وسلم ; إذ لا يعلم غير النبي - صلى الله عليه وسلم - من حال ذلك الوادي ولا من غيره من المواضع ما علمه النبي صلى الله عليه وسلم ، وبتقدير أن تقع النازلة في ذلك الوادي فلا ندري هل ذلك الشيطان باق فيه أم لا ؟

وقوله " تحولوا " خطاب لأصحابه الكائنين معه خاصة لا يتعدى إلى غيرهم ; لأنه كان لسبب علمه - صلى الله عليه وسلم - بحضور الشيطان فيه ، وغيره لا يعلم ذلك فلا يتعدى إليه ذلك الحكم ، والله تعالى أعلم .

وإلى معنى ما ذكرناه ذهب الداودي وغيره من أصحابنا في تأويل الحديث .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث