الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


جزء التالي صفحة
السابق

1233 [ 628 ] وعن سعد بن هشام قال : انطلقت أنا وحكيم بن أفلح إلى عائشة ، فاستأذنا عليها ، فأذنت لنا ، فدخلنا عليها ، فقالت : أحكيم ؟ (فعرفته) فقال : نعم . فقالت : من معك ؟ قال : سعد بن هشام ، قالت : من هشام ؟ قال : ابن عامر ، فترحمت عليه وقالت خيرا (قال قتادة : وكان أصيب يوم أحد) فقلت : يا أم المؤمنين ، أنبئيني عن خلق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقالت : ألست تقرأ القرآن ؟ قلت : بلى . قالت : فإن خلق نبي الله - صلى الله عليه وسلم - كان القرآن . قال : فهممت أن أقوم ، ولا أسأل أحدا عن شيء حتى أموت ، ثم بدا لي فقلت : أنبئيني عن قيام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فقالت : ألست تقرأ : يا أيها المزمل قلت : بلى . قالت : فإن الله (عز وجل) افترض قيام الليل في أول هذه السورة ، فقام نبي الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه حولا ، وأمسك الله خاتمتها اثني عشر شهرا في السماء ، حتى أنزل الله في آخر هذه السورة التخفيف ، فصار قيام الليل تطوعا بعد فريضة ، قال : فقلت : يا أم المؤمنين ، أنبئيني عن وتر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقالت : كنا نعد له سواكه وطهوره فيبعثه الله ما شاء أن يبعثه من الليل ، فيتسوك ويتوضأ ، ويصلي تسع ركعات لا يجلس فيها إلا في الثامنة ، فيذكر الله ويحمده ويدعوه ، ثم ينهض ولا يسلم ، ثم يقوم فيصلي التاسعة ، ثم يقعد فيذكر الله ويحمده ويدعوه ، ثم يسلم تسليما يسمعنا ، ثم يصلي ركعتين بعدما يسلم وهو قاعد ، فتلك إحدى عشرة ركعة يا بني . فلما أسن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأخذه اللحم أوتر بسبع ، وصنع في الركعتين مثل صنيعه في الأول ، فتلك تسع يا بني . وكان نبي الله - صلى الله عليه وسلم - إذا صلى صلاة أحب أن يداوم عليها . وكان إذا غلبه نوم أو وجع عن قيام الليل صلى من النهار ثنتي عشرة ركعة ، ولا أعلم نبي الله - صلى الله عليه وسلم - قرأ القرآن كله في ليلة ، ولا صلى ليلة إلى الصبح ، ولا صام شهرا كاملا غير رمضان .

رواه مسلم (746) (139)، وأبو داود (1342 - 1352)، والنسائي (3 \ 199) .

[ ص: 378 ]

التالي السابق


[ ص: 378 ] وقول عائشة : كان خلق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - القرآن ; أي : كان يتخلق بما فيه من محمود الأوصاف ، ويجتنب ما فيه من ممنوعها ، ويحتمل أن تريد بقولها : القرآن : الآيات التي اقتضت الثناء على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ; كقوله تعالى : وإنك لعلى خلق عظيم [ القلم :4 ] وكقوله تعالى : الذين يتبعون الرسول النبي الأمي [ الأعراف : 157 ] إلى آخرها ، وما في معنى ذلك ، والله أعلم .

وكون سعد هم أن لا يسأل أحدا عن شيء حتى يموت ; إنما كان ذلك منه استقصارا لفهمه ; إذ لم يفهم ذلك من القرآن مع وضوح ذلك المعنى فيه ، وإنهاضا لهمته للبحث عن معاني القرآن ، واكتفاء بذلك عن سؤال أحد من أهل العلم .

وقول عائشة : إن الله فرض قيام الليل . . . إلى قولها : فصار قيام الليل تطوعا : ظاهر قولها هذا يدل على أنه كان فرضا عليه وعلى الناس . قال مكي : وهو قول كافة أهل العلم . وقيل : إنه لم يكن فرضا عليه ولا عليهم ، حكاه الأبهري عن [ ص: 379 ] بعضهم ، قال لقوله : نصفه أو انقص منه قليلا أو زد عليه [ المزمل : 3 - 4 ] وليس هذا ضرب الفروض ، وإنما هو ندب . وقيل : كان فرضا على النبي - صلى الله عليه وسلم - وحده ، مندوبا لغيره ، وكأن هذا مأخوذ من مواجهة النبي - صلى الله عليه وسلم - بقوله : يا أيها المزمل [ المزمل : 1] فخص بالخطاب ، وبما روي عن ابن عباس مرفوعا : ثلاث علي فريضة ، ولكم تطوع : الوتر ، والضحى ، وركعتا الفجر . وهو ضعيف . والصحيح ما نقلته عائشة .

وقولها : إن النسخ كان بعد حول : خولفت في ذلك ، وقيل : بعد عشر سنين ، قال عياض : وهو الظاهر ; لأن السورة مكية ، ومن أول ما نزل من القرآن ، إلا الآيتين آخرها نزلت بالمدينة ، وهذا الذي قاله صحيح ، فصحيح الأحاديث والنقل المشهور على ما قدمناه في كتاب الإيمان .

وقولها : ثم يصلي ركعتين بعدما يسلم وهو قاعد : تعني أنه كان يسلم من وتره وهو قاعد ، مخبرة بمشروعية محل السلام ، ولم يرد عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه صلى ركعتي الفجر قاعدا ، والله أعلم . وسيأتي الكلام على من غلب عن حزبه .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث