الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب الخطبة والقيام لها والجلوس بين الخطبتين

جزء التالي صفحة
السابق

1428 (5) باب

الخطبة ، والقيام لها ، والجلوس بين الخطبتين ، والإشارة باليد

[ 731 ] عن جابر بن عبد الله : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يخطب قائما يوم الجمعة ، فجاءت عير من الشام ، فانفتل الناس إليها ، حتى لم يبق إلا اثنا عشر رجلا - وفي رواية : فيهم أبو بكر وعمر - فأنزلت هذه الآية : وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها وتركوك قائما [ الجمعة : 11 ]

رواه مسلم (863) (38)، وأبو داود (1093 - 1095)، والنسائي (3 \ 110) .

[ ص: 498 ]

التالي السابق


[ ص: 498 ] (5) ومن باب : الخطبة والقيام لها

قوله : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يخطب قائما : هكذا سنة الخطبة ليكون أبلغ في الإسماع ; كالمؤذن [ عند الجمهور ] ، إلا أن تدعوه حاجة من ضعف أو غيره . وقد حكي عن أبي حنيفة : أنه لا يرى القيام لها مشروعا . حكاه ابن القصار ، بل هو عنده مباح . ثم اختلف في مشروعيته ; هل هو شرط في صحة الخطبة والجمعة أم لا ؟ فذهب الشافعي إلى أنه شرط إلا مع العذر ، ومذهبنا : أنه ليس من شروط الصحة للخطبة ولا للجمعة ، ومن تركه أساء ولا شيء عليه . وقد روي : أن أول من خطب جالسا معاوية لما ثقل .

واختلف في الخطبة : هل هي شرط في صحة الجمعة أم لا ؟

فكافة العلماء على أنها شرط ، وشذ الحسن ، فرأى أن الصلاة تجزئ دونها ، وتابعه أهل الظاهر في هذا ، وحكاه ابن الماجشون عن مالك . ثم اختلف هؤلاء : هل هي فرض ، أو سنة ؟ واضطربت الروايات عن أصحابنا في ذلك ، ثم [ ص: 499 ] اختلفوا في الخطبة المشروعة : فذهب مالك وجمهور العلماء إلى أنه لا يجزئ في الخطبة إلا ما وقع عليه اسم الخطبة عند العرب . وأبو حنيفة وأبو يوسف ذهبا إلى أنه يجزئ من ذلك تحميدة ، أو تهليلة ، أو تسبيحة ، وحكاه ابن عبد الحكم عن مالك .

والعير : الإبل التي تحمل الأطعمة والتجارة ، وهي المسماة في الرواية الأخرى : سويقة ، وهي تصغير سوق .

وقوله : فانفتل الناس إليها حتى لم يبق إلا اثنا عشر رجلا : فيه رد على من يقول : إن الجمعة لا تقام إلا على أربعين فصاعدا ، وحكي ذلك عن الشافعي ، وقد تمسك بهذا الحديث طائفة من أهل العلم على أن أقل ما تنعقد به الجمعة اثنا عشر ، ولا حجة فيه على ذلك ; لأنه - صلى الله عليه وسلم - إنما عقدها ، وشرع فيها بأكثر من هذا العدد ، ثم عرض لهم أن تفرقوا ، ولم يبق منهم غير ذلك العدد . وقد روي في بعض روايات هذا الحديث : أنه بقي معه أربعون رجلا ، والأول أصح وأشهر .

وعلى الجملة فقد اختلف العلماء في العدد المشروط في وجوب الجمعة ، وفي العدد الذي تصح ببقائهم إذا تفرقوا عن الإمام بعد شروعه فيها على أقوال كثيرة ، فلنرسم فيه مسألتين :

المسألة الأولى : اختلف هل يشترط في وجوب الجمعة عدد ؟ فذهب الجمهور من الصحابة والتابعين والفقهاء إلى اشتراطه ، وذهب داود إلى أنه لا يشترط ذلك في وجوبها ، وتلزم المنفرد ، وهي ظهر ذلك اليوم عنده لكل أحد . قال القاضي عياض : وهو خلاف الإجماع . واختلف المشترطون : هل هو مختص [ ص: 500 ] بعدد محصور أم لا ؟ فعدم الحصر هو مذهب مالك ; فإنه لم يشترط في ذلك حدا محدودا ، وإنما قال : يكونون بحيث يمكنهم الثواء في بلدهم ، وتتقرى بهم قرية . وفسره بعض أصحابنا بنصب الأسواق فيها ; حكاه عياض . والمشترطون للعدد اختلفوا : فمن قائل : مئتان ، ومن قائل : خمسون ; قاله عمر بن عبد العزيز ، ومن قائل : أربعون ; قاله الشافعي ، ومن قائل : ثلاثون بيتا ; قاله مطرف ، وعبد الملك ، عن مالك ، ومن قائل : اثنا عشر ، ومن قائل : أربعة ; قاله أبو حنيفة ، لكن إذا كانوا في مصر . وقال غيره : ثلاثة ، وقيل : واحد مع الإمام . وهذه أقوال متكافئة ، وليس على شيء منها دليل ، فالأصل ما صار إليه مالك من عدم التحديد ، والتمسك بفعل النبي - صلى الله عليه وسلم - ، والعمل المتصل في ذلك : فإنهم كانوا يجمعون في الأمصار الكبار ، والقرى الصغار ; كجواثا وغيرها .

وأما المسألة الثانية : فقد اختلفوا فيما إذا كمل ما تنعقد به الجمعة ، ثم تفرقوا عن الإمام ، فقيل : إنها تجزئ وإن بقي وحده ; قاله أبو ثور ، وحكي عن الشافعي . وقيل : إذا بقي معه اثنان ، وهو قول الثوري ، والشافعي ، وقيل : إذا بقي معه اثنا عشر رجلا ; تمسكا بهذا الحديث ، وحكاه أبو يعلى العبدي عن أصحاب مالك ، وبه قال إسحاق ، ثم اختلفوا في الحال التي يتفرقون عنها ; فقال أبو حنيفة : إن عقد بهم ركعة أو سجدة ثم تفرقوا عنه أجزأه أن يتمها جمعة ، وإن كان قبل ذلك استقبل ظهرا . وقال مالك والمزني : إن صلى بهم ركعة بسجدتيها أتمها جمعة ، وإلا لم تجزه ، وقال زفر : متى تفرقوا قبل الجلوس للتشهد لم تصح جمعة ، وإن جلس وتفرقوا عنه قبل السلام صحت ، وقال ابن القاسم وسحنون : إن تفرقوا عنه قبل سلامه لم تجزئ الجمعة . وللشافعي قول ثالث : إنها لا تجزئه حتى يبقى معه [ ص: 501 ] أربعون رجلا إلى تمام الصلاة . والأصح من هذه الأقوال ما يعضده هذا الحديث ، وهو قول إسحاق وأصحابنا ، والله تعالى أعلم .

وقوله تعالى : وإذا رأوا تجارة أو لهوا [ الجمعة : 11 ] : التجارة هنا : العير التي تحمل التجارة ، واللهو : الطبل ; الذي كانوا يضربونه عند قدومهم ، وانفضوا ; أي : تفرقوا .

وقوله : وتركوك قائما ; أي : تخطب . [ فهذا ذم لمن ترك الخطبة بعد الشروع فيها ، ونهي للمسلمين أن يتفرقوا عن إمامهم ] . [ وقد استدل به على اشتراط الخطبة في الجمعة ، وفيه بعد ] ، وأحسن متمسك فيه قوله - صلى الله عليه وسلم - : صلوا كما رأيتموني أصلي .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث