الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب ما يقال في الخطبة ورفع الصوت بها

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

1436 [ 740 ] وعن ابن عباس : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال في مخاطبته ضمادا : إن الحمد لله ، نحمده ونستعينه ، من يهده الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلا هادي له . أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأن محمدا عبده ورسوله ، أما بعد . . . ، وسيأتي بكماله .

رواه أحمد (1 \ 302)، ومسلم (868)، والنسائي (6 \ 89 - 90)، وابن ماجه (1893) .

[ ص: 506 ]

التالي السابق


[ ص: 506 ] (6) ومن باب : ما يقال في الخطبة

كونه - صلى الله عليه وسلم - تحمر عيناه ، ويعلو صوته ، ويشتد غضبه في حال خطبته ; كان هذا منه في أحوال ، وهذا مشعر بأن الواعظ حقه أن يكون منه في وعظه بحسب الفصل الذي يتكلم فيه ما يطابقه ، حتى لا يأتي بالشيء وضده ظاهر عليه ، وأما اشتداد غضبه ; فيحتمل أن يكون عند نهيه عن أمر خولف فيه ، أو يريد أن صفته صفة الغضبان .

ومنذر الجيش : هو المخبر بجيش العدو الذي يخوف به .

وقوله - صلى الله عليه وسلم - : بعثت أنا والساعة كهاتين : قيدناه بالفتح ، والضم . فأما الفتح ; فهو على المفعول معه ، والرفع على أنه معطوف على التاء في بعثت ، وفصل بينهما بـ " أنا " توكيدا للضمير ; على ما هو الأحسن عند النحويين ، وقد اختار بعضهم النصب بناء على أن التشبيه وقع بملاصقة الأصبعين واتصالهما ، واختار آخرون الرفع بناء على أن التشبيه وقع بالتفاوت الذي بين رؤوسهما ، ويعني أن ما بين زمان النبي - صلى الله عليه وسلم - وقيام الساعة قريب ; كقرب السبابة من الوسطى ، وهذا أوقع . والله أعلم .

[ ص: 507 ] وقد جاء من حديث سهل عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : سبقتها بما سبقت هذه هذه ; يعني الوسطى والسبابة .

وقوله : أما : كلمة تفصل ما بعدها عما قبلها ، وهي حرف متضمن للشرط ، ولذلك تدخل الفاء في جوابها ، وقدرها النحويون بـ مهما . وبعد : ظرف زماني قطع عن الإضافة مع كونها مرادة ، فبني على الضم ، وخص بالضم ; لأنه حركة ليست له في حال إعرابه ، والعامل فيه ما تضمنه " أما " من معنى الشرط ، فإن معناه : مهما يكن من شيء بعد حمد الله فكذا . والله أعلم . وقال بعض المفسرين في قوله تعالى : وآتيناه الحكمة وفصل الخطاب [ ص :20 ] أنه قوله : أما بعد .

وقوله : خير الهدي هدي محمد : روي : الهدى : بضم الهاء ، وفتح الدال فيهما ، وبفتح الهاء ، وسكون الدال فيهما ، وهما من أصل فعل واحد من الهداية ، وهي الدلالة والإرشاد . والهدي في مستعمل العرف هديان : هدي دلالة وإرشاد ، وهو الذي يضاف إلى الرسل والكتب ; كما قال تعالى : وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم [ الشورى :52 ] ، وفي القرآن : هدى للمتقين [ البقرة : 2] والهدي الثاني : بمعنى التأييد والعصمة من تأثير الذنوب ، والتوفيق ، وهذا هو الهدي الذي لا ينسب إلا لله تعالى ، وهو المراد بقوله تعالى : إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء [ القصص : 56 ] ، وحملت القدرية هذا الهدي على البيان بناء على أصلهم الفاسد في القدر ، كما قدمناه في أول كتاب الإيمان ، ويرد [ ص: 508 ] عليهم قوله تعالى : والله يدعو إلى دار السلام ويهدي من يشاء إلى صراط مستقيم [ يونس :25 ] ففرق بين الدلالة والهداية ، ولهذا موضع يعرف فيه ، قال أبو عبيد : الهدي بفتح الهاء وإسكان الدال : هو الطريق ، فهدي محمد : طريقه ; كما يقال : فلان حسن الهدي ; أي المذهب في الأمور كلها والسيرة ، ومنه : اهتدوا بهدي عمار .

وقوله : شر الأمور محدثاتها : يعني : المحدثات التي ليس لها في الشريعة أصل يشهد لها بالصحة والجواز ، وهي المسماة بالبدع ; ولذلك حكم عليها بأن كل بدعة ضلالة . وحقيقة البدعة : ما ابتدئ وافتتح من غير أصل شرعي ، وهي التي قال فيها - صلى الله عليه وسلم - : من أحدث في أمرنا ما ليس منه فهو رد .

وقوله : أنا أولى بكل مؤمن من نفسه ; أي : أقرب له من نفسه ، أو أحق به منها ، ثم فسر وجهه بقوله : من ترك مالا فلأهله ، ومن ترك دينا أو ضياعا فإلي وعلي . وبيانه : أنه إذا ترك دينا أو ضياعا ولم يقدر على أن يخلص نفسه منه ; إذ لم يترك شيئا يسد به ذلك ، ثم يخلصه النبي - صلى الله عليه وسلم - بقيامه به عنه ، أو سد ضيعته ; كان أولى به من نفسه ; إذ قد فعل معه ما لم يفعل هو بنفسه . والله تعالى أعلم .

وأما رواية من رواه : أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم ، في غير الأصل فيحتمل أن يحمل على ذلك ، ويحتمل أن يكون معناه : أنا أولى بالمؤمنين من [ ص: 509 ] بعضهم لبعض ; كما قال تعالى : أن اقتلوا أنفسكم [ النساء :66 ] ; أي ليقتل بعضكم بعضا ، في أشهر أقوال المفسرين .

والضياع : العيال ; قاله النضر بن شميل ، وقال ابن قتيبة : هو مصدر ضاع يضيع ، ضياعا ، ومثله : مضى يمضي ، مضاء ، وقضى يقضي قضاء ، أراد : من ترك عيالا عالة أو أطفالا ، فجاء بالمصدر موضع الاسم ; كما تقول : ترك فقرا ; أي : فقراء . والضياع بالكسر : جمع ضائع ; مثل : جائع وجياع ، وضيعة الرجل أيضا : ما يكون منه معاشه ; من صناعة أو غلة ; قاله الأزهري . وقال شمر : ويدخل فيه : التجارة والحرفة ، يقال : ما ضيعتك ؟ فتقول : كذا .

[ ص: 510 ] قلت : وهذا الكلام إنما قاله النبي - صلى الله عليه وسلم - حين رفع ما كان قرر من امتناعه من الصلاة على من مات وعليه دين لم يترك له وفاء ; كما قاله أبو هريرة : كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يؤتى بالميت عليه الدين ، فيسأل : هل ترك لدينه وفاء ؟ فإن قيل : إنه ترك وفاء صلى عليه ، وإن قالوا : لا ; قال : صلوا على صاحبكم . قال : فلما فتح الله عليه الفتوح قال : أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم ، من توفي فترك دينا ، فعلي ، ومن ترك مالا فلورثته .

قال القاضي : وهذا مما يلزم الأئمة من الفرض في مال الله تعالى للذرية وأهل الحاجة ، والقيام بهم وقضاء ديون محتاجيهم .

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث