الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب استعظام الوسوسة والنفرة منها خالص الإيمان والأمر بالاستعاذة عند وقوعها

جزء التالي صفحة
السابق

191 [ 104 ] وعن أبي هريرة ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : يأتي الشيطان أحدكم فيقول : من خلق كذا وكذا ؟ حتى يقول له : من خلق ربك ؟ فإذا بلغ ذلك ، فليستعذ بالله ولينته .

وفي رواية : فليقل : آمنت بالله .

رواه البخاري ( 3276 ) ، ومسلم ( 135 ) ، وأبو داود ( 4721 ) و ( 4722 ) .

التالي السابق


و (قوله : " فليستعذ بالله ، ولينته ") لما كانت هذه الوساوس من إلقاء الشيطان ، ولا قوة لأحد بدفعه إلا بمعونة الله وكفايته : أمر بالالتجاء إليه ، والتعويل في دفع ضرره عليه ، وذلك معنى الاستعاذة على ما يأتي ، ثم عقب ذلك بالأمر بالانتهاء عن تلك الوساوس والخواطر ، أي : عن الالتفات إليها والإصغاء نحوها ، بل يعرض عنها ولا يبالي بها . وليس ذلك نهيا عن إيقاع ما وقع منها ، ولا عن ألا يقع منه ; لأن ذلك ليس داخلا تحت الاختيار ولا الكسب ، فلا يكلف بها ، والله أعلم .

و (قوله في الحديث الآخر : " قل : آمنت بالله ") أمر بتذكر الإيمان الشرعي ، واشتغال القلب به ; لتمحى تلك الشبهات ، وتضمحل تلك الترهات . وهذه كلها أدوية للقلوب السليمة ، الصحيحة المستقيمة ، التي تعرض الترهات لها ، ولا تمكث فيها ; فإذا استعملت هذه الأدوية على نحو ما أمر به ، بقيت القلوب على صحتها ، وانحفظت سلامتها .

فأما القلوب التي تمكنت منها أمراض الشبه فيها ، ولم تقدر على [ ص: 346 ] دفع ما حل بها بتلك الأدوية المذكورة ، فلا بد من مشافهتها بالدليل العقلي ، والبرهان القطعي ; كما فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - مع الذي خالطته شبهة الإبل الجرب ، حين قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : لا عدوى ، فقال أعرابي : فما بال الإبل تكون في الرمل كأنها الظباء ، فإذا دخل فيها البعير الأجرب أجربها ؟ فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : فمن أعدى الأول ؟! فاستأصل الشبهة من أصلها .

وتحرير ذلك على طريق البرهان العقلي أن يقال : إن كان الداخل أجربها ، فمن أجربه ; فإن كان أجربه بعير آخر كان الكلام فيه كالكلام في الأول ، فإما أن يتسلسل أو يدور ، وكلاهما محال ، فلا بد أن نقف عند بعير أجربه الله من غير عدوى ; وإذا كان كذلك ، فالله تعالى هو الذي أجربها كلها ، أي : خلق الجرب فيها . وهذا على منهاج دليل المتكلمين على إبطال علل وحوادث لا أول لها على ما يعرف في كتبهم .

والوسوسة وزنها : فعللة ، وهي صيغة مشعرة بالتحرك والاضطراب ; كالزلزلة ، والقلقلة ، والحقحقة ، وأصل الوسوسة : الصوت الخفي ، ومنه سمي صوت الحلي : الوسواس .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث