الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب في الاستبراء من البول والتستر وما يقول إذا دخل الخلاء

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

439 (19) باب

في الاستبراء من البول والتستر

وما يقول إذا دخل الخلاء

[ 225 ] عن ابن عباس ; قال : مر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على قبرين . فقال : أما إنهما ليعذبان ، وما يعذبان في كبير . أما أحدهما فكان يمشي بالنميمة . وأما الآخر فكان لا يستتر من بوله ، قال : فدعا بعسيب رطب فشقه باثنين . ثم غرس على هذا واحدا ، وعلى هذا واحدا . ثم قال : لعله أن يخفف عنهما ، ما لم ييبسا .

وفي رواية : وكان الآخر لا يستنزه عن البول أو من البول .

رواه البخاري ( 1378 ) ، ومسلم ( 292 ) ، وأبو داود ( 20 و 21 ) ، والترمذي ( 70 ) ، والنسائي ( 1 \ 28 - 30 ) .

التالي السابق


(19) ومن باب الاستبراء من البول

(قوله : " وما يعذبان في كبير ") أي : عندكم ، وهو عند الله كبير ، كما جاء في البخاري : " وإنه لكبير " أي : عند الله ، وهذا مثل قوله تعالى : وتحسبونه هينا وهو عند الله عظيم [ النور : 15 ] ، وقد تقدم الكلام على النمام في الإيمان . والنميمة : هي القالة التي ترفع عن قائلها ليتضرر بها قائلها .

[ ص: 552 ] و (قوله : " وأما الآخر فكان لا يستتر من بوله ") أي : لا يجعل بينه وبين بوله سترة حتى يتحفظ منه ، كما قال في الرواية الأخرى : " لا يستنزه عن البول " أي : لا يتباعد منه . وهذا يدل على أن القليل من البول ومن سائر النجاسات والكثير منه سواء ، وهو مذهب مالك وعامة الفقهاء ، ولم يخففوا في شيء من ذلك إلا في اليسير من دم غير الحيض خاصة .

واختلف أصحابنا في مقدار اليسير ، فقيل : هو قدر الدرهم البغلي . وقيل : قدر الخنصر ، وجعل أبو حنيفة قدر الدرهم من كل نجاسة معفو عنه ، قياسا على المخرجين ، وقال الثوري : كانوا يرخصون في القليل من البول ، ورخص الكوفيون في مثل رؤوس الإبر من البول .

وفيه دليل على أن إزالة النجاسة واجبة متعينة ، وكذلك في قوله : " استنزهوا من البول ، فإن عامة عذاب القبر منه " . وقد تخيل الشافعي في لفظ البول العموم ، فتمسك به في نجاسة جميع الأبوال ، وإن كان بول ما يؤكل لحمه . وقد لا يسلم له أن الاسم المفرد للعموم ، ولو سلم ذلك ، فذلك إذا لم يقترن به قرينة عهد ، وقد اقترنت هاهنا ، ولئن سلم له ذلك فدليل تخصيصه حديث إباحة شرب أبوال الإبل للعرنيين ، وإباحة الصلاة في مرابض الغنم ، وطوافه - عليه الصلاة والسلام - على بعير ، وسيأتي .

و (قوله : " فدعا بعسيب رطب ") العسيب من النخل : كالقضيب مما سواها ، والرطب : الأخضر .

و (قوله : " لعله يخفف عنهما ما لم ييبسا ") اختلف العلماء في تأويل هذا [ ص: 553 ] الفعل ، فمنهم من قال : أوحي إليه أنه يخفف عنهما ما داما رطبين ، وهذا فيه بعد ; لقوله : " لعله " ، ولو أوحي إليه لما احتاج إلى الترجي . وقيل : لأنهما ما داما رطبين يسبحان ، فإن رطوبتهما حياتهما ، وأخذ من هذا التأويل جواز القراءة والذكر على القبور .

وقيل : لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - شفع لهما ، ودعا بأن يخفف عنهما ، ما داما رطبين ، وقد دل على هذا حديث جابر الذي يأتي في آخر الكتاب في حديث القبرين ، قال فيه : " فأحببت بشفاعتي أن يرفه عنهما ذلك ، ما دام القضيبان رطبين ، فإن كانت القضية واحدة - وهو الظاهر - فلا مزيد على هذا في البيان .

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث