الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب الإيمان يمان والحكمة يمانية

جزء التالي صفحة
السابق

72 (18) باب

الإيمان يمان ، والحكمة يمانية

[ 41 ] عن أبي مسعود ، قال : أشار النبي - صلى الله عليه وسلم - نحو اليمن ، فقال : ألا إن الإيمان هاهنا ، وإن القسوة وغلظ القلوب في الفدادين عند أصول أذناب الإبل ، حيث يطلع قرنا الشيطان في ربيعة ومضر .

رواه أحمد ( 2 \ 541 ) ، والبخاري ( 3302 ) ، ومسلم ( 51 ) .

التالي السابق


(18) ومن باب الإيمان يمان ، والحكمة يمانية

(قوله : " أشار النبي - صلى الله عليه وسلم - نحو اليمن ، وقال : ألا إن الإيمان هاهنا ") قيل : إن [ ص: 237 ] هذه الإشارة صدرت عنه - عليه الصلاة والسلام - وهو بتبوك ، وبينه وبين اليمن مكة والمدينة ; ويؤيد هذا قوله في حديث جابر : الإيمان في أهل الحجاز ، فعلى هذا : يكون المراد بأهل اليمن : أهل المدينة ومن يليهم إلى أوائل اليمن .

وقيل : كان بالمدينة ; ويؤيده أن كونه بالمدينة كان غالب أحواله ; وعلى هذا : فتكون الإشارة إلى سباق اليمن ، أو إلى القبائل اليمنية الذين وفدوا على أبي بكر لفتح الشام وأوائل العراق ; وإليهم الإشارة بقوله - عليه الصلاة والسلام - : إني لأجد نفس الرحمن من قبل اليمن ، أي : نصره في حياته وتنفيسه عنه فيها ، وبعد مماته ، والله تعالى أعلم . وسمي اليمن يمنا ; لأنه عن يمين الكعبة ، وسمي الشام شاما ; لأنه عن يسار الكعبة ، مأخوذ من اليد الشؤمى ، وهي اليسرى .

و (قوله : " إن القسوة وغلظ القلوب في الفدادين عند أصول أذناب الإبل ") القسوة وغلظ القلوب : اسمان لمسمى واحد ، وهو نحو قوله : إنما أشكو بثي وحزني إلى الله [ يوسف : 86 ] ، والبث : هو الحزن .

قال المؤلف : ويحتمل أن يقال : إن القسوة يراد بها : أن تلك القلوب لا تلين لموعظة ولا تخشع لتذكار ، وغلظها : ألا تفهم ولا تعقل ، وهذا أولى من الأول .

والفدادون مشدد الدال : جمع فداد ; قال أبو عبيد : هم المكثرون من الإبل ، وهم جفاة أهل خيلاء ، واحدهم : فداد ، وهو الذي يملك من المائتين إلى الألف . وقال أبو العباس : هم الجمالون والبقارون ، والحمارون والرعيان . وقال الأصمعي : [ ص: 238 ] هم الذين تعلو أصواتهم في حروثهم وأموالهم ومواشيهم ، قال : والفديد : الصوت ، وقد فد الرجل يفد فديدا ; وأنشد :


أعاذل ما يدريك أن رب هجمة لأخفافها فوق المتان فديد

ورجل فداد : شديد الصوت . وأما الفدادون بتخفيف الدال : فهي البقر التي تحرث ، واحدها : فدان بالتشديد ، عن أبي عمرو الشيباني .

قال المؤلف رحمه الله تعالى : وأما الحديث فليس فيه إلا رواية التشديد ، وهو الصحيح على ما قاله الأصمعي وغيره .

و (قوله : " عند أصول أذناب الإبل ") المراد به ، والله أعلم : الملازمون للإبل ، السائقون لها . ويظهر لي : أن الفدادين هو العامل في غير مكانه . قال : المصوتون عند أذناب الإبل سوقا لها ، وحدوا بها .

و (قوله : " حيث يطلع قرنا الشيطان في ربيعة ومضر ") هذا تعيين لمواضعهم ; كما قال في الرواية الأخرى : رأس الكفر قبل المشرق .

واختلف في قرني الشيطان : فقيل : هما ناحيتا رأسه العليا ، وهذا أصل هذا اللفظ وظاهره ; فإن قرن الشيء أعلاه في اللغة ; فيكون معناه على هذا : أن الشيطان ينتصب قائما مع طلوع الشمس لمن يسجد للشمس ; ليسجد له ، ويعبد بعبادتها ، ويفعل هذا في الوقت [ ص: 239 ] الذي يسجد لها الكفار ; كما قال - صلى الله عليه وسلم - : إن الشمس تطلع ومعها قرن الشيطان ، فإذا ارتفعت فارقها ، ثم إذا استوت قارنها ، فإذا زالت فارقها ، ثم إذا قاربت الغروب قارنها ، ثم إذا غربت فارقها .

وقيل : القرن الجماعة من الناس والأمة ; ومنه قوله - عليه الصلاة والسلام - : خير أمتي قرني ، ثم الذين يلونهم ، ثم الذين يلونهم . وعلى هذا فيكون معنى قرني الشيطان في الحديث : أنهما أمتان عظيمتان يعبدون غير الله ، ولعلهم في ذلك الوقت ربيعة ومضر المذكوران في الحديث ، أو أمتان من الفرس يعبدون الشمس ، ويسجدون لها من دون الله ; كما جاء في الحديث : وحينئذ يسجد لها الكفار .

وقال الخطابي : قرن الشيطان ضرب به المثل فيما لا يحمد من الأمور . وقيل : المراد بهذا الحديث : ما ظهر بالعراق من الفتن العظيمة ، والحروب الهائلة ; كوقعة الجمل ، وحروب صفين ، وحروراء ، وفتن بني أمية ، وخروج الخوارج ; فإن ذلك كان أصله ، ومنبعه العراق ومشرق نجد ، وتلك مساكن ربيعة ومضر إذ ذاك ، والله أعلم .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث