الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

الآية التاسعة عشرة قوله تعالى وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

الآية التاسعة عشرة قوله تعالى : { وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن قال إني جاعلك للناس إماما قال ومن ذريتي قال لا ينال عهدي الظالمين }

الآية فيها ثلاث مسائل : المسألة الأولى : ابتلى معناه اختبر ، وقد تقدم بيانه في كتاب المشكلين ، وبينا أن معناه أمر ليعلم من الامتثال أو التقصير مشاهدة ما علم غيبا ، وهو عالم الغيب والشهادة ، تختلف الأحوال على المعلومات ، وعلمه لا يختلف ، بل يتعلق بالكل تعلقا واحدا .

المسألة الثانية : قوله تعالى : { بكلمات } هي : جمع كلمة ، ويرجع تحقيقها إلى كلام الباري سبحانه ، لكنه تعالى عبر بها عن [ ص: 55 ] الوظائف التي كلفها إبراهيم عليه السلام ، ولما كان تكليفها بالكلام سميت به ، كما يسمى عيسى عليه السلام كلمة ; لأنه صدر عن الكلمة ، وهي : كن ، وتسمية الشيء بمقدمته أحد قسمي المجاز الذي بيناه في موضعه .

المسألة الثالثة : ما تلك الكلمات ؟ وقد اختلف العلماء فيها اختلافا كثيرا ، لبابه قولان : أحدهما : أنها شريعة الإسلام ، فأكملها إبراهيم عليه السلام .

قال ابن عباس : وما قام أحد بوظائف الدين مثله يعني والله أعلم قبله ; فقد قام بها بعده كثير من الأنبياء ، وخصوصا محمدا صلى الله عليه وسلم وعليهم .

الثاني : أنها الفطرة التي أوعز الله تعالى بها إليه ، ورتبها عليه ، وروت عائشة رضي الله عنها في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال { عشر من الفطرة : قص الشارب وإعفاء اللحية والسواك واستنشاق الماء وقص الأظفار وغسل البراجم وحلق العانة ونتف الإبط وانتقاص الماء ونسيت العاشرة إلا أن تكون المضمضة } .

وروى عمار بن ياسر الحديث ، وقال : { المضمضة والاستنشاق } ، وزاد : { الختان } ، وذكر { الانتضاح } بدل { انتقاص الماء } .

وقد قال بعض علمائنا : إن معنى قوله هنا : { من الفطرة } يعني من السنة ، وأنا أقول : إنها من الملة ، وقد روي أن إبراهيم ابتلي بها فرضا ، وهي لنا سنة ، والذي [ ص: 56 ] يصح أن إبراهيم عليه السلام ابتلي بها تكليفا غير معين من الفرض أو الندب في جميعها أو انقسام الحال فيها .

وقد اتفقت الأمة على أنها من الملة ، واختلفوا في مراتبها ; فأما قص الشارب وإعفاء اللحية فمخالفة للأعاجم فإنهم يقصون لحاهم ، ويوفرون شواربهم ، أو يوفرونهما معا ، وذلك عكس الجمال والنظافة .

وأما السواك والمضمضة والاستنشاق فلتنظيف الفم من الطعام والقلح .

وأما قص الأظفار فلتنزيه الطعام عما يلتئم من الوسخ فيها والأقذار .

وأما غسل البراجم فلما يجتمع من الأوساخ في غضونها .

وحلق العانة ونتف الإبط تنظيفا عما يتلبد من الوسخ فيهما على شعرهما ومما يجتمع من الرمص فيهما ، والاستنجاء لتنظيف ذلك المحل وتطبيبه عن الأذى والأدواء .

وأما الختان فلنظافة القلفة عما يجتمع من أذى البول فيها ، ولم يختتن أحد قبل إبراهيم عليه السلام ; ثبت في الصحيح : { أنه اختتن بالقدوم وهو ابن مائة وعشرين سنة } . وقد اختلف العلماء فيه ، فرأى الشافعي أنه سنة لما قرن به من إخوته في هذا الحديث ، ورأى مالك أنه فرض ; لأنه تكشف له العورة ولا يباح الحرام إلا للواجب ، وقد مهدناه في مسائل الخلاف ، فلما أتمإبراهيم عليه السلام هذه الوظائف أثنى الله سبحانه عليه ، فقال : { وإبراهيم الذي وفى } .

[ ص: 57 ] سمعت بعض العلماء يقول : وإبراهيم الذي وفى بماله للضيفان ، وببدنه للنيران ، وبقلبه للرحمن .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث