الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

مسألة محجورة أرادت نحلة ابنتها بمال لا تنكح إلا به

المسألة التاسعة : قوله تعالى : { ولا تأكلوها إسرافا وبدارا أن يكبروا } إسرافا : يعني مجاوزة من أموالكم التي تنبغي لكم إلى ما لا يحل لكم من أموالهم . والإسراف : مجاوزة الحد المباح إلى المحظور . وبدارا : يعني مبادرة أن يكبروا ، واستباقا لمعرفتهم لمصالحهم ، واستئثارا عليهم بأموالهم .

المسألة العاشرة : قال علماؤنا : لما لم يكن لهم عمل في أموالهم وقبضت عنها أيديهم لم يكن لهم فيها قول ، ولا نفذ لهم فيها عقد ولا عهد ، فلا يجوز فيها بيعهم ولا نذرهم ; لأن العلة التي لأجلها قبضت أيديهم عنها الصيانة لها عن تبذيرهم والحفظ لها إلى وقت معرفتهم وتبصرهم ; فلو جاز لهم فيها بيع أو هبة أو عهد لبطلت فائدة المنع لهم عنها ، وسقط مقصود حفظها عليهم . [ ص: 422 ]

فأما ما كان في أيديهم من زوجة أو أم ولد تمكنوا منهما فكلامهم نافذ فيهما ، وينفذ طلاق الزوجة وعتق أم الولد عليهم ; لأنهم تمكنوا من ذلك فعلا فينفذ القول فيهما شرعا . وهذه نكتة بديعة في الحجة لإنفاذ الطلاق والعتق .

المسألة الحادية عشرة : إذا كان الاختبار إلى بلوغ النكاح في الحرة ، وقلنا : إنه في ذات الأب ستة أو سبعة ، وفي اليتيمة ستة فما عملنا في أثناء الستة أو السبعة محمول على الرد وما كان من العمل بعده محمول على الجواز .

وقال بعض علمائنا : ما عملت في الستة والسبعة محمول على الرد ، إلا أن يتبين فيه السداد ، وما عملت بعد ذلك محمول على الإمضاء حتى يتبين فيه السفه . ولقد وقعت هذه المسألة في زماننا في محجورة أرادت نحلة ابنتها بمال لا تنكح إلا به ، فقال بعضهم : لا يجوز فعل المحجور ، وقلنا نحن : يجوز ; لأن إيناس الرشد إنما يكون بمثل هذا ; ومن نظر لولده واهتبل به فهو في غاية السداد والرشد له ولنفسه ، فوفق الله متولي الحكم يومئذ وأمضى النحلة على ما أفتيناه .

المسألة الثانية عشرة : قوله تعالى { ومن كان غنيا فليستعفف } اختلف العلماء في هذه المسألة على أربعة أقوال :

الأول : أنه لا يأكل من مال اليتيم شيئا بحال ، وهذه الرخصة في قوله سبحانه : { فليأكل بالمعروف } منسوخة بقوله تعالى : { إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما } واختاره زيد بن أسلم ، واحتج به .

الثاني : أن المراد به اليتيم ، وإذا كان فقيرا أنفق عليه وإليه بقدر فقره من مال اليتيم ، وإن كان غنيا أنفق عليه بقدر غناه ، ولم يكن للولي فيه شيء .

الثالث : أن المراد به الولي إن كان غنيا عف ، وإن كان فقيرا أكل بالمعروف . [ ص: 423 ]

الرابع : أن المعروف شربه اللبن وركوبه الظهر غير مضر بنسل ولا ناهك في حلب . قال ابن العربي : أما من قال : إنه منسوخ فهو بعيد ، لا أرضاه ; لأن الله تعالى يقول : { فليأكل بالمعروف } وهو الجائز الحسن ; وقال : { إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما } فكيف ينسخ الظلم المعروف ؟ بل هو تأكيد له في التجويز ; لأنه خارج عنه مغاير له ; وإذا كان المباح غير المحظور لم يصح دعوى نسخ فيه ; وهذا أبين من الإطناب . وأما من قال : إن المراد به اليتيم فلا يصح لوجهين : أحدهما أن الخطاب لا يصلح أن يكون له ; لأنه غير مكلف ولا مأمور بشيء من ذلك .

الثاني : أنه إن كان غنيا أو فقيرا إنما يأكل بالمعروف ; فسقط هذا . وأما من قال : إن الولي إن كان غنيا عف وإن كان فقيرا أكل فهو قول عمر ; روي عنه أنه قال : إنما أنا في بيت المال كولي اليتيم إن استغنيت تركت ، وإن احتجت أكلت ; وبه أقول . وأما استثناء اللبن ، ومثله التمر ، فهو على قول مالك ; لقول ابن عباس : اشرب غير مضر بنسل ولا ناهك للحلب ; ولأن شرب اللبن من الضرع ; وأكل التمر من الجذوع أمر متعارف بين الخلق متسامح فيه . فإن أكل هل يقضي ؟ اختلف الناس فيه ; فروي عن عمر أنه قال : إن أكلت قضيت .

واختلف في ذلك قول عكرمة ; وهو قول عبيدة السلماني وأبي العالية ، وهو أحد قولي ابن عباس . فأما من نفى القضاء فاحتج بأن الأكل له ، كما أن النظر عليه ; فجرى مجرى الأجرة .

وأما من يرى القضاء فاحتج بقوله سبحانه : { ومن كان غنيا فليستعفف } [ ص: 424 ] فمنع منه ، فإن فعل قضى . ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف ، أي بقدر الحاجة ، ويقضي كما يقضي المضطر إلى المال في المخمصة . قال عبيدة السلماني ، في قول الله سبحانه : { فإذا دفعتم إليهم أموالهم فأشهدوا عليهم } ذلك دليل على وجوب القضاء على من أكل . المعنى : فإذا رددتم ما أكلتم فأشهدوا إذا غرمتم ، وسيأتي الكلام على هذا إن شاء الله .

والصحيح أنه لا يقتضي ; لأن النظر له ; فيتعين به الأكل بالمعروف ، والمعروف هو حق النظر ; وقد قال أبو حنيفة : يقارض في مال اليتيم ويأكل حظه من الربح ، فكذلك يأخذ من صميم المال بمقدار النظر ; هذا إذا كان فقيرا ; أما إذا كان غنيا فلا يأخذ شيئا ; لأن الله سبحانه أمره بالعفة والكف عنه . فإن قيل : فقول عمر : " أنا كولي اليتيم إن استغنيت تركت " أليس يجوز للغني الأكل من بيت المال ؟ كذلك يجوز للوصي إن كان غنيا الأكل من مال اليتيم ؟ قلنا عنه جوابان : أحدهما : أن قول عمر : " أنا كولي اليتيم إن استغنيت " دليل على أن الخليفة ليس كالوصي ، ولكن عمر بورعه جعل نفسه كالوصي .

الثاني : أن الذي يأكله الخلفاء والولاة والفقهاء ليس بأجرة ، وإنما هو حق جعله الله لهم لنازلهم ومنتابهم ; وإلا فالذي يفعلونه فرض عليهم ، فكيف تجب الأجرة لهم ; وهو فرض عليهم ، والفرضية تنفي الأجرة ، لا سيما إذا كان عملا غير معين كعمل الخلفاء والقضاة والمفتين والسعاة والمعلمين ، والله أعلم .

المسألة الثالثة عشرة : من هو المخاطب بهذا كله ؟ : قال علماؤنا : كان الأيتام في ذلك الزمان على قسمين : [ الأول ] : يتيم معهود به ، كقول سعد : هو ابن أخي عهد إلي فيه . [ ص: 425 ]

الثاني : مكفول بقرابة أو جوار . وعند المالكية أن الكافل له ناظر كما لو وصى إليه الأب ، إلا أن الكافل ناظر في حفظ الموجود ، والمعهود إليه قائم مقام الأب في التصرف المطلق ; فإن كان اليتيم عريا عن كافل ووصي فالمخاطب ولي الأولياء ، وهو السلطان ; فهو ولي من لا ولي له ، وهو ولي على الأولياء ، فصار تقدير الآية : يا من إليه يتيم بكفالة أو عهد أو ولاية عامة ، افعل كذا .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث