الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الآية الحادية والعشرون قوله تعالى : { فانكحوهن بإذن أهلهن وآتوهن أجورهن بالمعروف محصنات غير مسافحات ولا متخذات أخدان } . فيها عشر مسائل :

المسألة الأولى : قال إسماعيل القاضي : زعم بعض أهل العراق أن السيد إذا زوج عبده من أمته أنه لا يجب فيه صداق ، وكيف يجوز هذا ونكاح بغير صداق سفاح ؟ وبالغ في الرد ، وبين أن الله ذكر نكاح كل امرأة ، فقرنه بذكر الصداق فقال في الإماء : { فانكحوهن بإذن أهلهن وآتوهن أجورهن بالمعروف } . وقال تعالى : { والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم إذا آتيتموهن أجورهن } . وقال أيضا : { ولا جناح عليكم أن تنكحوهن إذا آتيتموهن أجورهن } ; فكيف يخلو عنه عقد حكم الشرع فيه بأن يجب في كل نوع منه ، حتى أنه لو سكت في العقد عنه لوجب بالوطء . قال ابن العربي : وهذا الذي ذكره القاضي إسماعيل هو مذهب الشافعي وأبي حنيفة ، وقد تعرض الحنفيون والشافعيون للرد على إسماعيل ، فرد عليه أبو بكر الرازي في كتاب [ ص: 509 ] " أحكام القرآن " له ، ورد عليه علي بن محمد الطبري الهراس في كتاب " أحكام القرآن " ، فتعرضوا للارتقاء في صفوفه بغير تمييز . قال الرازي : يجب المهر ويسقط ; لئلا تكون استباحة البضع بغير بدل ، ويسقط في الثاني حين يستحقه المولى ، لأنها لا تملكه ، والمولى هو الذي يملك مالها ولا يثبت للمولى على عبده دين .

وقال الطبري : إن المهر لو وجب لوجب لشخص على شخص ، فمن الذي أوجبه ؟ وعلى من وجب ؟ فإن قلت : وجب للسيد على العبد فهذا محال أن يثبت له دين على عبده ، ووجوبه لا على أحد محال ، وكما أن العقد يقتضي الإيجاب كذلك الملك يقتضي الإسقاط ، وليس إيجابه ضرورة الإسقاط ، كما يقال إن إثبات الملك للابن ضرورة العتق ; فإن العتق لا يتصور بدون الملك ، فأما إسقاط المهر فلا يقتضي إثباته ، فوجب ألا يجب بحال . وقد دل الدليل على أن العبد لا يملك بالتمليك أصلا ، وإذا لم يملك ولا بد من مالك ، واستحال أن يكون السيد مالكا ; فامتنع لذلك ، وعاد الكلام إلى أصل آخر ; وهو أن العبد هل يملك أم لا ؟ قال القاضي أبو بكر : أما قول الرازي : إنه يجب ويسقط فكلام له في الشرع أمثلة ، منها متفق عليها ومنها مختلف فيها ; فمن المتفق عليه بيننا وبين الشافعية والحنفية هو فيما إذا قال لرجل : أعتق عبدك عني على ألف . فقال سيده : هو حر . فإن هذا القول وهو كلمة " هو حر " يتضمن عقد البيع ، ووجوب الثمن على المبتاع ، ثم وجوب الثمن للبائع ، ووجوب الملك للمبتاع ، وخروجه عن يد البائع وملكه والعتق ، ويجب الملك ثم يسقط . كل ذلك بصحة البيع والعتق . كذلك يلزم أن يقول : يجب الصداق هاهنا لحل الوطء ، ثم يكون ما كان .

ومما اتفقنا عليه نحن والشافعية إذا اشترى الابن أباه فإنه يصح عقد الشراء ويحصل الملك للابن ، ثم يسقط الملك ويعتق ، ويجب الثمن للبائع . [ ص: 510 ] وقد قال بعض أصحاب الشافعي : إذا قتل الأب ابنه يجب القصاص ويسقط ، فوجوبه لوجود علة القصاص من العدوان وشرطه من المكافآت ، ويسقط لعدم المستحق ; إذ يستحيل أن يجب للمرء على نفسه .

ونحن نقول : ينتقل القصاص إلى غير الأب من الورثة ، كما لو كان الأب كافرا لانتقل الميراث عنه إلى غيره من الورثة . وكذلك قال أصحاب أبي حنيفة : لو قتل حر عبدا قتل به ، ولو قتل مكاتبا لم يترك وفاء قتل به ، ولو قتل مكاتبا ترك وفاء لم يقتل به ; لأن الصحابة اختلفوا فيه ; فمنهم من قال : مات عبدا والقصاص لسيده . ومنهم من قال : مات حرا ويدفع من ماله كتابته لسيده ، ويرث ماله بقية ورثته ، ويرثون قصاصه ، فانتصب اختلافهم في المستحق شبهة في درك القصاص . وهذا الفقه صحيح ; وذلك أن الإيجاب حكم ، والاستيفاء حكم آخر مغاير له ، وأسبابهما تختلف ; وإذا اختلفا سببا واختلفا ذاتا كيف يصح لمحق أن ينكر انفراد أحدهما عن الآخر ؟ بل هنالك أغرب من هذا ; وهو أن الوجوب حكم والاستقرار حكم آخر ; فإن الصداق يجب بالعقد ، ولا يستقر بالوطء ; إذ يتطرق السقوط إلى جميعه قبل الوطء بالردة ، وإلى نصفه بالطلاق .

وقد انبنى على هذا الأصل أحكام كثيرة من الزكاة ، إذا كان الصداق ماشية وغيرها ; فإذا كان الاستقرار وهو وصف الوجوب حكما انفرد عن الوجوب بانفراد الاستيفاء منه وهو غيره أصلا وصفة فذلك أولى .

وأما قول الطبري : من الذي أوجب عليه ؟ ولمن وجب ؟ فيقال له : نقصك قسم ثالث عدلت عنه أو تعمدت تركه تلبيسا : وهو أن يجب للأمة وهي الزوج على العبد الذي تزوجها ، كما تجب عليه النفقة لها . فإن قال : ليست الأمة أهلا للملك ولا للتمليك . قلنا : لا نسلم ; بل العبد أهل للملك والتمليك . [ ص: 511 ] وقد بينا ذلك في مسائل الخلاف تخليصا وتلخيصا وإنصافا ، وحققنا في الكتب الثلاثة أن علة الملك الحياة والآدمية ، وإنما انغمر وصف العبد بالرق للسيد ، ولكن العلة باقية ، والحكم قد يتركب عليها مع وجود الغامر لها . وكيف لا تملك الأمة والله تعالى يقول في الإماء : { فآتوهن أجورهن } . فأضاف الأجور إليهن إضافة تمليك ؟ وأما قوله : إن العقد كما يقتضي الإيجاب كذلك [ الملك ] يقتضي الإسقاط . قلنا له : فذكر على كل واحد مقتضاه أوجب بالعقد وأسقط بالملك ووفر على كل سبب حكمه كما فعلنا في شراء القريب . وأما قوله : إن إيجابه ليس ضرورة للإسقاط بخلاف عتق القريب فإن إيجابه هناك ضرورة العتق . قلنا : وإيجابه الصداق هاهنا ضرورة الحل ; إذ جعله الله علما على الفرق بين النكاح والسفاح ، ونص على إيجابه في كل نكاح على اختلاف أنواع الناكحين من ملك أو مملوك ; فيجب للأمة ، ثم يجب للسيد منها ، وليس يستحيل أن يجب للسيد على العبد حق ، فلا تغر غرورا بما لا تحصيل فيه ولا منفعة له . وهلا قلتم : يجب للأمة على العبد ، ثم يجب للسيد من الأمة ، ثم يسقط ; وسقوط الحق بانتقاله من محل إلى محل ليس غريبا في مسائل القصاص والشفعة والديون .

وأما قوله : إن العتق لا يتصور بدون الملك ، فكذلك لا يتصور الحل في النكاح بغير صداق . وأما قولك : إن القول عاد إلى أن العبد لا يملك فيا حبذا عوده إلى هذا الأصل الذي ظهرنا فيه عليكم ، والحمد لله .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث