الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

المسألة الثالثة : قوله تعالى : { فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة } : وقد تقدم بيانه في سورة البقرة .

المسألة الرابعة : في السفر في الأرض : تتعدد أقسامه من جهات مختلفات ، فتنقسم من جهة المقصود به إلى هرب أو طلب . وتنقسم من جهة الأحكام إلى خمسة أقسام ، وهي من أحكام أفعال المكلفين الشرعية : واجب ، ومندوب ، ومباح ، ومكروه ، وحرام . وينقسم من جهة التنويع في المقاصد إلى أقسام : الأول : الهجرة ، وهي تنقسم إلى ستة أقسام : الأول : الخروج من دار الحرب إلى دار الإسلام ; وكانت فرضا في أيام النبي صلى الله عليه وسلم مع غيرها من أنواعها بيناها في شرح الحديث ، وهذه الهجرة باقية مفروضة إلى يوم القيامة ، والتي انقطعت بالفتح هي القصد إلى النبي صلى الله عليه وسلم حيث كان ، فمن أسلم في دار الحرب وجب عليه الخروج إلى دار الإسلام ، فإن بقي فقد عصى ، ويختلف في حاله كما تقدم بيانه .

الثاني : الخروج من أرض البدعة . قال ابن القاسم : سمعت مالكا يقول : لا يحل لأحد أن يقيم ببلد سب فيها السلف . وهذا صحيح ; فإن المنكر إذا لم يقدر على تغييره نزل عنه قال الله تعالى : { وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم حتى يخوصوا في حديث غيره وإما ينسينك الشيطان فلا تقعد بعد الذكرى مع القوم الظالمين } . وقد كنت قلت لشيخنا الإمام الزاهد أبي بكر الفهري : ارحل عن أرض مصر إلى بلادك . فيقول : لا أحب أن أدخل بلادا غلب عليها كثرة الجهل ، وقلة العقل ، فأقول له : فارتحل إلى مكة أقم في جوار الله وجوار رسوله ; فقد علمت أن الخروج عن هذه الأرض فرض لما فيها من البدعة والحرام ، فيقول : وعلى يدي فيها هدى كثير ، وإرشاد للخلق ، وتوحيد ، وصد عن العقائد السيئة ، ودعاء إلى الله عز وجل وتعالى الكلام بيني وبينه فيها إلى حد شرحناه في ترتيب [ لباب ] الرحلة واستوفيناه .

الثالث : الخروج عن أرض غلب عليها الحرام ; فإن طلب الحلال فرض على كل مسلم .

الرابع : الفرار من الإذاية في البدن ; وذلك فضل من الله عز وجل أرخص فيه ، فإذا خشي المرء على نفسه في موضع فقد أذن الله سبحانه له في الخروج عنه ، والفرار بنفسه ; ليخلصها من ذلك المحذور . وأول من حفظناه فيه الخليل إبراهيم عليه السلام لما خاف من قومه قال : { إني مهاجر إلى ربي } .

وقال : { إني ذاهب إلى ربي سيهدين } وموسى قال الله سبحانه فيه : { فخرج منها خائفا يترقب قال رب نجني من القوم الظالمين } . وذلك يكثر تعداده . ويلحق به ، وهو :

الخامس : خوف المرض في البلاد الوخمة ، والخروج منها إلى الأرض النزهة . وقد أذن النبي صلى الله عليه وسلم للرعاء حين استوخموا المدينة أن يتنزهوا إلى المسرح ، فيكونوا فيه حتى يصحوا ، وقد استثنى من ذلك الخروج من الطاعون ; فمنع الله سبحانه منه بالحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم بيد أني رأيت علماءنا قالوا هو مكروه . وقد استوفيناه في شرح الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم .

السادس : الفرار خوف الإذاية في المال ; فإن حرمة مال المسلم كحرمة دمه ، والأهل مثله أو آكد ، فهذه أمهات قسم الهرب . وأما قسم الطلب فينقسم إلى قسمين : طلب دين وطلب دنيا ; فأما طلب الدين فيتعدد بتعدد أنواعه ، ولكن أمهاته الحاضرة عندي الآن تسعة :

الأول : سفر العبرة قال الله تعالى : { أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم } . وهذا كثير في كتاب الله عز وجل . ويقال : إن ذا القرنين إنما طاف الأرض ليرى عجائبها . وقيل : لينفذ الحق فيها .

الثاني : سفر الحج . والأول وإن كان ندبا فهذا فرض ، وقد بيناه في موضعه .

الثالث : سفر الجهاد ، وله أحكامه .

الرابع : سفر المعاش ; فقد يتعذر على الرجل معاشه مع الإقامة ، فيخرج في طلبه لا يزيد عليه ولا ينقص من صيد أو احتطاب أو احتشاش أو استئجار ، وهو فرض عليه .

الخامس : سفر التجارة والكسب الكثير الزائد على القوت ; وذلك جائز بفضل الله سبحانه . قال الله سبحانه : { ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم } يعني : التجارة . وهذه نعمة من بها في سفر الحج ، فكيف إذا انفردت .

السادس : في طلب العلم ، وهو مشهور .

السابع : قصد البقاع الكريمة ، وذلك لا يكون إلا في نوعين : أحدهما المساجد الإلهية قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : { لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد : مسجدي هذا ، والمسجد الحرام ، والمسجد الأقصى } .

الثاني : الثغور للرباط بها ، وتكثير سوادها للذب عنها ; ففي ذلك فضل كثير .

الثامن : زيارة الإخوان في الله ، وقد استوفينا ذلك في شرح الحديث .

التاسع : السفر إلى دار الحرب ، .

وسيأتي بعد إن شاء الله تعالى ; وبعد هذا فالنية تقلب الواجب من هذا حراما والحرام حلالا بحسب حسن القصد وإخلاص السر عن الشوائب .

وقد تتنوع هذه الأنواع إلى تفصيل ; هذا أصلها التي تتركب عليه . فإذا ثبت هذا فقد اختلف الناس في السفر الذي تقصر فيه الصلاة المذكورة هاهنا على ستة أقوال :

الأول : أنها لا تقصر إلا في سفر واجب ; لأن الصلاة فرض ، ولا يسقط الفرض إلا فرض .

الثاني : أنها لا تقصر إلا في سفر قربة ، وبه قال جماعة ، منهم ابن حنبل . وتعلقوا بفعل النبي صلى الله عليه وسلم وبحديث عمران بن حصين قال : { إن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يقصر إلا في حج أو عمرة أو جهاد } .

الثالث : أنه يجوز القصر في كل سفر مباح ، كما قد بينا أنواعه ، لعموم قوله سبحانه : { وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة } ولم يفرق بين سفر وسفر .

الخامس : أنه يقصر في كل سفر ، حتى في سفر المعصية ، وهو قول أبي حنيفة وجماعة ، بنوه على أن القصر فرض الصلاة في السفر بعينه . وتعلقوا بحديث عائشة : { فرضت الصلاة ركعتين ركعتين فزيدت في صلاة الحضر وأقرت صلاة السفر على أصلها } .

السادس : أن القصر لا يجوز إلا مع الخوف قال به جماعة منهم عائشة قالت : أتموا ، فقالوا لها : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقصر . قالت : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان في حرب ، وكان يخاف ; فهل تخافون أنتم ؟

أما القول الأول ففاسد ; لأن عموم القرآن لم يخص منها واجبا من ندب ، { وقد قصر النبي صلى الله عليه وسلم في غير الواجب ، كالعمرة في الحديبية وغيرها } .

وأما من قال : لا تقصر إلا في سفر قربة فعموم القرآن أيضا يقضي عليه ; لأنه عم ولم يخص قربة من مباح ، وهو القول الثالث : الصحيح .

وأما من قال : إنه يقصر في سفر المعصية فلأنها فرض معين للسفر . وقد اختلف في ذلك قول علماء المذهب ، وهي مسألة تعلقت لهم من أقوال العراقيين . وقد بينا في كتاب " التلخيص " وغيره فسادها . وقد تكلمنا على هذا الحديث في شرح مسائل الخلاف والحديث ، وبينا أنه خبر واحد ، يعارضه نص القرآن والأخبار المتواترة ; فإن الله سبحانه جعل في كتابه القصر تخفيفا ، والتمام أصلا ، ويعارض أيضا الأصول المعقولة فإنه جعل الإقامة في القرآن أصلا ، وهو الواجب وقلبها في الحديث الراوي ; وأقواه { أن عائشة قالت : سافرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فقصر وأتممت ، وأفطر وصمت ، ولم ينكر ذلك علي ، وكانت تتم في السفر } . وأما سفر المعصية فأشكل دليل فيه لهم أن قالوا : إنا بنينا الأمر على أن القصر عزيمة وليس برخصة ، والعزائم لا تتغير بسفر الطاعة والمعصية كالتيمم . قلنا : قد بينا أنه رخصة ، وعليه تنبني المسألة ، والرخص لا تجوز في سفر المعصية كالمسح على الخفين .

المسألة الخامسة : تلاعب قوم بالدين ; فقالوا : إن من خرج من البلد إلى ظاهره قصر الصلاة وأكل . وقائل هذا أعجمي لا يعرف السفر عند العرب ، أو مستخف بالدين ; ولو لا أن العلماء ذكروه ما رضيت أن ألمحه بمؤخر عيني ، ولا أن أفكر فيه بفضول قلبي ; وقد كان من تقدم من الصحابة يختلفون في تقديره ; فروي عن عمر وابن عمر وابن عباس أنهم كانوا يقدرونه بيوم . وعن ابن مسعود أنه كان يعلمهم بأن السفر كل خروج تكلف له وأدركت فيه المشقة .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث