الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب الشروط في النكاح وما نهي عنه منها

جزء التالي صفحة
السابق

باب الشروط في النكاح وما نهي عنه منها 2698 - ( عن عقبة بن عامر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : { أحق الشروط أن يوفى به ما استحللتم به الفروج } رواه الجماعة ) .

2699 - ( وعن أبي هريرة { أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يخطب الرجل على خطبة أخيه ، أو يبيع على بيعه ، ولا تسأل المرأة طلاق أختها لتكتفئ ما في صحفتها أو إنائها ، فإنما رزقها على الله تعالى } متفق عليه وفي لفظ متفق عليه { : نهى أن تشترط المرأة طلاق أختها } ) .

2700 - ( وعن عبد الله بن عمرو أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : { لا يحل أن تنكح امرأة بطلاق أخرى } رواه أحمد )

التالي السابق


قوله : ( أحق الشروط أن يوفى به ) في رواية للبخاري : { أحق ما أوفيتم من الشروط } وفي أخرى له : { أحق الشروط أن توفوا به } قوله : ( ما استحللتم به [ ص: 170 ] الفروج ) أي أحق الشروط بالوفاء شروط النكاح لأن أمره أحوط وبابه أضيق قال الخطابي : الشروط في النكاح مختلفة ، فمنها : ما يجب الوفاء به اتفاقا وهو ما أمر الله به من إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان ، وعليه حمل بعضهم هذا الحديث ومنها : ما لا يوفى به اتفاقا كسؤال المرأة طلاق أختها

ومنها : ما اختلف فيه كاشتراط أن لا يتزوج عليها أو لا يتسرى أو لا ينقلها من منزلها إلى منزله ، وعند الشافعية : الشروط في النكاح على ضربين : منها ما يرجع إلى الصداق فيجب الوفاء به ; وما يكون خارجا عنه فيختلف الحكم فيه قوله : ( نهى أن يخطب الرجل على خطبة أخيه ) قد تقدم الكلام على هذا في أول كتاب النكاح قوله : ( أن يبيع على بيعه ) قد تقدم الكلام عليه في كتاب البيع قوله : ( ولا تسأل طلاق أختها ) ظاهر هذا التحريم وهو محمول على ما إذا لم يكن هناك سبب يجوز ذلك لريبة في المرأة لا ينبغي معها أن تستمر في عصمة الزوج ، ويكون ذلك على سبيل النصيحة المحضة أو لضرر يحصل لها من الزوج أو للزوج منها ، أو يكون سؤالها ذلك تفويضا وللزوج رغبة في ذلك ، فيكون كالخلع من الأجنبي إلى غير ذلك من المقاصد المختلفة وقال ابن حبيب : حمل العلماء هذا النهي على الندب ، فلو فعل ذلك لم يفسخ النكاح وتعقبه ابن بطال بأن نفي الحل صريح في التحريم ولكن لا يلزم منه فسخ النكاح ، وإنما فيه التغليظ على المرأة أن تسأل طلاق الأخرى ولترض بما قسم الله لها ، والتصريح بنفي الحل وقع في رواية أحمد المذكورة في الباب ، ووقع أيضا في رواية للبخاري : قوله : ( لتكتفئ ) بفتح المثناة الأولى وسكون الكاف من كفأت الإناء : إذا قلبته وأفرغت ما فيه وفي رواية للبخاري : " لتستفرغ ما في صحفتها " وفي رواية له : " تكفأ " وأخرجه أبو نعيم في المستخرج بلفظ : { لا يصلح لامرأة أن تشترط طلاق أختها لتكتفئ إناءها } وأخرجه الإسماعيلي وقال : " لتكتفئ " وكذا البيهقي وهو بفتح المثناة وسكون الكاف وبالهمزة

وفي رواية للبخاري : " لتكفئ " بضم المثناة من أكفأته بمعنى أمالته ، والمراد بقوله : ما في صحفتها " ما يحصل لها من الزوج ، وكذلك معنى " أو إنائها " قوله : ( طلاق أختها ) قال الثوري : معنى هذا الحديث نهي المرأة الأجنبية أن تسأل رجلا طلاق زوجته وأن يتزوجها هي ، فيصير لها من نفقته ومعونته ومعاشرته ما كان للمطلقة ، فعبر عن ذلك بقوله : " لتكفئ ما في صحفتها " والمراد بأختها : غيرها ، سواء كانت أختها من النسب أو الرضاع أو الدين وحمل ابن عبد البر الأخت هنا على الضرة ومن الشروط التي هي من مقتضيات النكاح ومقاصده : شرطها عليه العشرة بالمعروف والإنفاق والكسوة والسكنى وأن لا يقصر في شيء من حقها من قسمة ونحوها ، وشرطه عليها أن لا تخرج إلا بإذنه ولا تمنعه نفسها ولا تتصرف في متاعه إلا برضاه [ ص: 171 ] وأما الشروط التي تنافي مقتضى العقد كأن تشرط عليه أن لا يقسم لضرتها أو لا ينفق عليها أو لا يتسرى ، أو يطلق من كانت تحته ; فلا يجب الوفاء بشيء من ذلك ويصح النكاح

وفي قول للشافعي بطل النكاح وقال أحمد وجماعة : يجب الوفاء بالشروط مطلقا وقد استشكل ابن دقيق العيد حمل الحديث على الشروط التي هي من مقتضيات النكاح وقال : تلك الأمور لا تؤثر الشروط في إيجادها ، وسياق الحديث يقتضي الوفاء بها ، والشروط التي هي من مقتضى العقد مستوية في وجوب الوفاء بها واختلف أهل العلم في اشتراط المرأة أن لا يخرجها زوجها من بلدها فحكى الترمذي عن أهل العلم من الصحابة ، قال : ومنهم عمر ، أنه يلزم ، قال : وبه يقول الشافعي وأحمد وإسحاق

وروى ابن وهب بإسناد جيد : " أن رجلا تزوج امرأة فشرط أن لا يخرجها من دارها ، فارتفعوا إلى عمر فوضع الشرط وقال : المرأة مع زوجها " قال أبو عبيد : تضادت الروايات عن عمر في هذا وحكى الترمذي عن علي أنه قال : سبق شرط الله شرطها ، قال : وهو قول الثوري وبعض أهل الكوفة قال أبو عبيد : وقد قال بقول عمر عمرو بن العاص ومن التابعين طاوس وأبو الشعثاء وهو قول الأوزاعي وقال الليث والثوري والجمهور بقول علي ، حتى لو كان صداق مثلها مائة مثلا فرضيت بخمسين على أن لا يخرجها فله إخراجها ولا يلزمه إلا المسمى وقالت الحنفية : لها أن ترجع عليه بما نقصت له من الصداق

وقال الشافعي : يصح النكاح ويلغى الشرط ويلزمه مهر المثل ، وعنه يصح وتستحق الكل ، كذا في الفتح قال أبو عبيد : والذي نأخذ به أنا نأمره بالوفاء بشرطه من غير أن نحكم عليه بذلك قال : وقد أجمعوا على أنها لو اشترطت عليه أن لا يطأها لم يجب الوفاء بذلك الشرط ، فكذلك هذا ، ومما يقوي حمل حديث عقبة على الندب حديث عائشة في قصة بريرة المتقدم بلفظ : { كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل } وقد تقدم أيضا حديث : { المسلمون عند شروطهم ، إلا شرطا أحل حراما أو حرم حلالا } وأخرج الطبراني في الصغير بإسناد حسن

عن جابر : { أن النبي صلى الله عليه وسلم خطب أم مبشر بنت البراء بن معرور فقالت : إني شرطت لزوجي أن لا أتزوج بعده ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : إن هذا لا يصلح }



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث