الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب الاعتداد بالأقراء وتفسيرها

جزء التالي صفحة
السابق

باب الاعتداد بالأقراء وتفسيرها 2932 - ( عن الأسود عن عائشة قالت { : أمرت بريرة أن تعتد بثلاث حيض } . رواه ابن ماجه ) .

2933 - ( وعن ابن عباس { : أن النبي صلى الله عليه وسلم خير بريرة فاختارت نفسها ، وأمرها أن تعتد عدة الحرة } . رواه أحمد والدارقطني وقد أسلفنا قوله صلى الله عليه وسلم في المستحاضة { تجلس أيام أقرائها } ) .

2934 - ( وروي عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال { : طلاق الأمة تطليقتان ، وعدتها حيضتان } رواه الترمذي وأبو داود .

وفي لفظ : { طلاق العبد اثنتان ، وقرء الأمة حيضتان } رواه الدارقطني ) .

2935 - ( وروي عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال { : طلاق الأمة اثنتان وعدتها حيضتان } رواه ابن ماجه والدارقطني وإسناد الحديثين ضعيف ، والصحيح عن ابن عمر قوله : { عدة الحرة ثلاث حيض ، وعدة الأمة حيضتان } ) .

التالي السابق


حديث عائشة الأول قال الحافظ في بلوغ المرام : رواته ثقات لكنه معلول . وحديث ابن عباس أخرجه أيضا الطبراني في الأوسط . قال في مجمع الزوائد : ورجال أحمد رجال الصحيح ، ويشهد له ما أخرجه أحمد من حديث بريرة بنحوه . والحديث الذي أشار إليه المصنف في المستحاضة تقدم في أبواب الحيض وتقدم في معناه أحاديث . وحديث عائشة الثاني أخرجه أيضا البيهقي . قال أبو داود : هو حديث مجهول . وقال الترمذي : حديث غريب ولا نعرفه مرفوعا إلا من حديث مظاهر بن أسلم ، ومظاهر لا يعرف له في العلم غير هذا الحديث ا هـ . وحديث ابن عمر أخرجه أيضا مالك في الموطأ والشافعي ، وفي إسناده عمرو بن شبيب وعطية العوفي وهما ضعيفان ، وصحح الدارقطني الموقوف . وقد ذكر المصنف هذه الأحاديث للاستدلال بها على أن عدة المطلقة ثلاثة أقراء ، وعلى [ ص: 345 ] أن الأقراء هي الحيض

أما الأول فهو صريح قوله تعالى: { والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء } وإنما وقع الخلاف في الأقراء المذكورة في الآية : هل هي الأطهار أو الحيض ؟ فظاهر قوله صلى الله عليه وسلم : " تعتد بثلاث حيض " وقوله : " تجلس أيام أقرائها " وقوله : " وعدتها حيضتان " أن الأقراء هي الحيض ، وقراءة الجمهور : قروء بالهمز . وعن نافع بتشديد الواو بغير همز . قال الأخفش أقرأت المرأة : إذا صارت ذات حيض . وعن أبي عبيد أن القرء يكون بمعنى الطهر ، وبمعنى الضم والجمع ، وجزم به ابن بطال .

وفي القاموس : القرء ، ويضم : الحيض والطهر ، انتهى . وزعم كثير أن القرء مشترك بين الحيض والطهر ، وقد أنكر صاحب الكشاف إطلاقه على الطهر

وقال ابن القيم : إن لفظ القرء لم يستعمل في كلام الشارع إلا للحيض ، ولم يجئ عنه في موضع واحد استعماله للطهر ، فحمله في الآية على المعهود المعروف من خطاب الشارع أولى ، بل يتعين ، فإنه قد قال للمستحاضة : " دعي الصلاة أيام أقرائك " وهو صلى الله عليه وسلم المعبر عن الله وبلغة قومه نزل القرآن ، فإذا أورد المشترك في كلامه على أحد معنييه وجب حمله في سائر كلامه عليه ، إذا لم يثبت إرادة الآخر في شيء من كلامه ألبتة ، ويصير هو لغة القرآن التي خوطبنا بها وإن كان له معنى آخر في كلام غيره ، وإذا ثبت استعمال الشارع للقرء في الحيض علم أن هذا لغته ، فيتعين حمله عليها في كلامه . ويدل على ذلك ما في سياق الآية من قوله تعالى: { ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن } وهذا هو الحيض والحمل عند عامة المفسرين ، والمخلوق في الرحم إنما هو الحيض الوجودي ، وبهذا قال السلف والخلف ، ولم يقل أحد إنه الطهر ، وأيضا فقد قال سبحانه : { واللائي يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر واللائي لم يحضن } فجعل كل شهر بإزاء حيضة ، وعلق الحكم بعدم الحيض لا بعدم الطهر والحيض ، وقد أطال الكلام ابن القيم وأطاب ، فليراجع وحكى في البحر عن العترة أن القرء بفتح القاف وضمها حقيقة في الحيض مجاز في الطهر

وعن بعض أصحاب الشافعي عكس ذلك . وعن الأكثر أنه مشترك ، وعن الأخفش الصغير أنه اسم لانقضاء الحيض ، ثم قال في البحر : ولا خلاف أن المراد بالآية أحدهما لا مجموعهما . قال : فعن أمير المؤمنين علي وابن مسعود وأبي موسى والعترة والحسن البصري والأوزاعي والثوري والحسن بن صالح وأبي حنيفة وأصحابه : المراد به في الآية : الحيض . وعن ابن عمر وزيد بن ثابت وعائشة والصادق والباقر والإمامية والزهري وربيعة ومالك والشافعي وفقهاء المدينة ، ورواية عن أمير المؤمنين علي رضي الله عنه أنه الأطهار . ثم رجح القول الأول واستدل له ، وقد أخذ بظاهر حديث عائشة وابن عمر المذكورين في الباب الشافعي فقال : لا يملك العبد من الطلاق إلا اثنتين ، حرة كانت [ ص: 346 ] زوجته أو أمة

وقال الناصر وأبو حنيفة : إلا اثنتان في الأمة لا في الحرة فكالحر ، وقالوا كلهم : عدة الحرة منه ثلاثة قروء ، وعدة الأمة قرءان . وذهبت الهادوية وغيرهم أن العبد يملك من الطلاق ما يملكه الحر ، والعدة منه كالعدة من الحر مطلقا . وتمسكوا بعموم الأدلة الواردة في ذلك فإنها شاملة للحر والعبد . ويجاب بأن ما في الباب مخصص لذلك العموم ، ويؤيده ما أخرجه الدارقطني والبيهقي من حديث ابن مسعود وابن عباس مرفوعا " الطلاق بالرجال والعدة بالنساء " والإعلال بالوقف غير قادح ; لأن الرفع زيادة . وأيضا قد روي عن أحمد عن أمير المؤمنين علي رضي الله عنه نحو ذلك .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث