الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

القول في تأويل قوله تعالى "فما لكم في المنافقين فئتين والله أركسهم بما كسبوا "

[ ص: 7 ] القول في تأويل قوله ( فما لكم في المنافقين فئتين والله أركسهم بما كسبوا )

قال أبو جعفر : يعني جل ثناؤه بقوله : " فما لكم في المنافقين فئتين " ، فما شأنكم ، أيها المؤمنون ، في أهل النفاق فئتين مختلفتين " والله أركسهم بما كسبوا " ، يعني بذلك : والله ردهم إلى أحكام أهل الشرك ، في إباحة دمائهم وسبي ذراريهم .

و" الإركاس " ، الرد ، ومنه قول أمية بن أبي الصلت :


فأركسوا في حميم النار ، إنهم كانوا عصاة وقالوا الإفك والزورا



يقال منه : "أركسهم" و "ركسهم" .

وقد ذكر أنها في قراءة عبد الله وأبي : ( والله ركسهم ) ، بغير "ألف" . [ ص: 8 ]

واختلف أهل التأويل في الذين نزلت فيهم هذه الآية .

فقال بعضهم : نزلت في اختلاف أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في الذين تخلفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد وانصرفوا إلى المدينة ، وقالوا لرسول الله عليه السلام ولأصحابه : ( لو نعلم قتالا لاتبعناكم ) [ سورة آل عمران : 167 ] .

ذكر من قال ذلك :

10049 - حدثني الفضل بن زياد الواسطي قال : حدثنا أبو داود ، عن شعبة ، عن عدي بن ثابت قال : سمعت عبد الله بن يزيد الأنصاري يحدث ، عن زيد بن ثابت : أن النبي صلى الله عليه وسلم لما خرج إلى أحد ، رجعت طائفة ممن كان معه ، فكان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فيهم فرقتين ، فرقة تقول : "نقتلهم" ، وفرقة تقول : "لا" . فنزلت هذه الآية : " فما لكم في المنافقين فئتين والله أركسهم بما كسبوا أتريدون أن تهدوا " الآية ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم في المدينة : إنها طيبة ، وإنها تنفي خبثها كما تنفي النار خبث الفضة .

10050 - حدثنا أبو كريب قال : حدثنا أبو أسامة قال : حدثنا شعبة ، عن عدي بن ثابت ، عن عبد الله بن يزيد ، عن زيد بن ثابت قال : خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فذكر نحوه .

10051 - حدثني زريق بن السخت قال : حدثنا شبابة ، عن عدي بن ثابت ، عن عبد الله بن يزيد ، عن زيد بن ثابت قال : ذكروا المنافقين عند النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال فريق : "نقتلهم" ، وقال فريق : "لا نقتلهم" . فأنزل [ ص: 9 ] الله تبارك وتعالى : " فما لكم في المنافقين فئتين " إلى آخر الآية

وقال آخرون : بل نزلت في اختلاف كان بين أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوم كانوا قدموا المدينة من مكة ، فأظهروا للمسلمين أنهم مسلمون ، ثم رجعوا إلى مكة وأظهروا لهم الشرك .

ذكر من قال ذلك :

10052 - حدثنا محمد بن عمرو قال : حدثنا أبو عاصم ، عن عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : " فما لكم في المنافقين فئتين " ، قال : قوم خرجوا من مكة حتى أتوا المدينة يزعمون أنهم مهاجرون ، ثم ارتدوا بعد ذلك ، فاستأذنوا [ ص: 10 ] النبي صلى الله عليه وسلم إلى مكة ليأتوا ببضائع لهم يتجرون فيها . فاختلف فيهم المؤمنون ، فقائل يقول : "هم منافقون" ، وقائل يقول : "هم مؤمنون" . فبين الله نفاقهم فأمر بقتالهم ، فجاءوا ببضائعهم يريدون المدينة ، فلقيهم علي بن عويمر ، أو : هلال بن عويمر الأسلمي ، وبينه وبين النبي صلى الله عليه وسلم حلف وهو الذي حصر صدره أن يقاتل المؤمنين أو يقاتل قومه ، فدفع عنهم بأنهم يؤمون هلالا وبينه وبين النبي صلى الله عليه وسلم عهد .

10053 - حدثني المثنى قال : حدثنا أبو حذيفة قال : حدثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، مثله بنحوه غير أنه قال : فبين الله نفاقهم ، وأمر بقتالهم ، فلم يقاتلوا يومئذ ، فجاءوا ببضائعهم يريدون هلال بن عويمر الأسلمي ، وبينه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم حلف .

وقال آخرون : بل كان اختلافهم في قوم من أهل الشرك كانوا أظهروا الإسلام بمكة ، وكانوا يعينون المشركين على المسلمين .

ذكر من قال ذلك :

10054 - حدثني محمد بن سعد قال : حدثني أبي قال : حدثني عمي قال : حدثني أبي ، عن أبيه ، عن ابن عباس قوله : " فما لكم في المنافقين فئتين " ، وذلك أن قوما كانوا بمكة قد تكلموا بالإسلام ، وكانوا يظاهرون المشركين ، فخرجوا من مكة يطلبون حاجة لهم ، فقالوا : إن لقينا أصحاب محمد "عليه السلام" فليس علينا منهم بأس! وأن المؤمنين لما أخبروا أنهم قد خرجوا من مكة ، قالت فئة من [ ص: 11 ] المؤمنين : اركبوا إلى الخبثاء فاقتلوهم ، فإنهم يظاهرون عليكم عدوكم! وقالت فئة أخرى من المؤمنين : سبحان الله _ أو كما قالوا _ أتقتلون قوما قد تكلموا بمثل ما تكلمتم به؟ أمن أجل أنهم لم يهاجروا ويتركوا ديارهم ، تستحل دماؤهم وأموالهم لذلك! فكانوا كذلك فئتين ، والرسول عليه السلام عندهم لا ينهى واحدا من الفريقين عن شيء ، فنزلت : " فما لكم في المنافقين فئتين والله أركسهم بما كسبوا أتريدون أن تهدوا من أضل الله " ، الآية .

10055 - حدثنا بشر بن معاذ قال : حدثنا يزيد قال : حدثنا سعيد ، عن قتادة قوله : " فما لكم في المنافقين فئتين " الآية ، ذكر لنا أنهما كانا رجلين من قريش كانا مع المشركين بمكة ، وكانا قد تكلما بالإسلام ولم يهاجرا إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، فلقيهما ناس من أصحاب نبي الله وهما مقبلان إلى مكة ، فقال بعضهم : إن دماءهما وأموالهما حلال! وقال بعضهم : لا يحل لكم! فتشاجروا فيهما ، فأنزل الله في ذلك : " فما لكم في المنافقين فئتين والله أركسهم بما كسبوا " حتى بلغ" ولو شاء الله لسلطهم عليكم فلقاتلوكم " .

10056 - حدثنا القاسم قال : حدثنا أبو سفيان ، عن معمر بن راشد قال : بلغني أن ناسا من أهل مكة كتبوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم أنهم قد أسلموا ، وكان ذلك منهم كذبا ، فلقوهم ، فاختلف فيهم المسلمون ، فقالت طائفة : دماؤهم حلال! وقالت طائفة : دماؤهم حرام! فأنزل الله : " فما لكم في المنافقين فئتين والله أركسهم بما كسبوا " .

10057 - حدثت عن الحسين بن الفرج قال : سمعت أبا معاذ يقول ، أخبرنا عبيد بن سليمان قال : سمعت الضحاك يقول في قوله : " فما لكم في المنافقين فئتين ، هم ناس تخلفوا عن نبي الله صلى الله عليه وسلم ، وأقاموا بمكة وأعلنوا الإيمان ولم يهاجروا ، فاختلف فيهم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فتولاهم ناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وتبرأ من ولايتهم آخرون ، [ ص: 12 ] وقالوا : تخلفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يهاجروا! فسماهم الله منافقين ، وبرأ المؤمنين من ولايتهم ، وأمرهم أن لا يتولوهم حتى يهاجروا .

وقال آخرون : بل كان اختلافهم في قوم كانوا بالمدينة ، أرادوا الخروج عنها نفاقا .

ذكر من قال ذلك :

10058 - حدثنا محمد بن الحسين قال : حدثنا أحمد بن مفضل قال : حدثنا أسباط ، عن السدي : " فما لكم في المنافقين فئتين والله أركسهم بما كسبوا " ، قال : كان ناس من المنافقين أرادوا أن يخرجوا من المدينة ، فقالوا للمؤمنين : إنا قد أصابنا أوجاع في المدينة واتخمناها ، فلعلنا أن نخرج إلى الظهر حتى نتماثل ثم نرجع ، فإنا كنا أصحاب برية . فانطلقوا ، واختلف فيهم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ، فقالت طائفة : أعداء لله منافقون! وددنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أذن لنا فقاتلناهم! وقالت طائفة : لا ، بل إخواننا غمتهم المدينة فاتخموها ، [ ص: 13 ] فخرجوا إلى الظهر يتنزهون ، فإذا برءوا رجعوا . فقال الله : " فما لكم في المنافقين فئتين " ، يقول : ما لكم تكونون فيهم فئتين " والله أركسهم بما كسبوا " .

وقال آخرون : بل نزلت هذه الآية في اختلاف أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في أمر أهل الإفك .

ذكر من قال ذلك :

10059 - حدثني يونس قال : أخبرنا ابن وهب قال : قال ابن زيد في قوله : " فما لكم في المنافقين فئتين والله أركسهم بما كسبوا " ، حتى بلغ" فلا تتخذوا منهم أولياء حتى يهاجروا في سبيل الله " ، قال : هذا في شأن ابن أبي حين تكلم في عائشة بما تكلم .

10060 - وحدثني يونس قال : أخبرنا ابن وهب قال : قال ابن زيد : إن هذه الآية حين أنزلت : " فما لكم في المنافقين فئتين " ، فقرأ حتى بلغ" فلا تتخذوا منهم أولياء حتى يهاجروا في سبيل الله " ، فقال سعد بن معاذ : فإني أبرأ إلى الله وإلى رسوله من فئته ! يريد عبد الله بن أبي ، ابن سلول .

قال أبو جعفر : وأولى هذه الأقوال بالصواب في ذلك ، قول من قال : نزلت هذه الآية في اختلاف أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوم كانوا ارتدوا عن الإسلام بعد إسلامهم من أهل مكة . [ ص: 14 ]

وإنما قلنا ذلك أولى بالصواب ، لأن اختلاف أهل التأويل في ذلك إنما هو على قولين : أحدهما : أنهم قوم كانوا من أهل مكة ، على ما قد ذكرنا الرواية عنهم .

والآخر : أنهم قوم كانوا من أهل المدينة .

وفي قول الله تعالى ذكره : " فلا تتخذوا منهم أولياء حتى يهاجروا " ، أوضح الدليل على أنهم كانوا من غير أهل المدينة . لأن الهجرة كانت على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى داره ومدينته من سائر أرض الكفر . فأما من كان بالمدينة في دار الهجرة مقيما من المنافقين وأهل الشرك ، فلم يكن عليه فرض هجرة ، لأنه في دار الهجرة كان وطنه ومقامه .

واختلف أهل العربية في نصب قوله : "فئتين" .

فقال بعضهم : هو منصوب على الحال ، كما تقول : "ما لك قائما" ، يعني : ما لك في حال القيام . وهذا قول بعض البصريين .

وقال بعض نحويي الكوفيين : هو منصوب على فعل "ما لك" ، قال : ولا تبال أكان المنصوب في "ما لك" معرفة أو نكرة . قال : ويجوز في الكلام أن تقول : "ما لك السائر معنا" لأنه كالفعل الذي ينصب ب "كان" و "أظن" وما أشبههما . قال : وكل موضع صلحت فيه "فعل" و "يفعل" من المنصوب ، جاز نصب المعرفة منه والنكرة ، كما تنصب "كان" و "أظن" لأنهن نواقص في المعنى ، وإن ظننت أنهن تامات . [ ص: 15 ]

وهذا القول أولى بالصواب في ذلك ، لأن المطلوب في قول القائل : "ما لك قائما" ، "القيام" ، فهو في مذهب "كان" وأخواتها ، و "أظن" وصواحباتها .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث