الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

القول في تأويل قوله تعالى " ولباس التقوى ذلك خير "

القول في تأويل قوله ( ولباس التقوى ذلك خير )

قال أبو جعفر : اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك .

فقال بعضهم : " لباس التقوى " ، هو الإيمان .

ذكر من قال ذلك :

14438 - حدثنا بشر بن معاذ قال ، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة : ( ولباس التقوى ) ، هو الإيمان .

14439 - حدثني محمد بن الحسين قال ، حدثنا أحمد بن المفضل قال ، حدثنا أسباط ، عن السدي : ( ولباس التقوى ) ، الإيمان .

14440 - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، أخبرني حجاج ، عن ابن جريج : ( ولباس التقوى ) ، الإيمان .

وقال آخرون : هو الحياء .

ذكر من قال ذلك :

14441 - حدثنا محمد بن بشار قال ، حدثنا محمد بن جعفر وسهل بن يوسف ، عن عوف ، عن معبد الجهني في قوله : ( ولباس التقوى ) ، الذي ذكر الله في القرآن ، هو الحياء .

14442 - حدثني يعقوب بن إبراهيم قال ، حدثنا ابن علية قال ، أخبرنا [ ص: 367 ] عوف قال : قال معبد الجهني ، فذكر مثله .

14443 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا أبو أسامة ، عن عوف ، عن معبد ، بنحوه .

وقال آخرون : هو العمل الصالح .

ذكر من قال ذلك :

14444 - حدثني محمد بن سعد قال ، حدثني أبي قال ، حدثني عمي قال ، حدثني أبي ، عن أبيه ، عن ابن عباس : ( ولباس التقوى ذلك خير ) ، قال : لباس التقوى : العمل الصالح .

وقال آخرون : بل ذلك هو السمت الحسن .

ذكر من قال ذلك :

14445 - حدثني زكريا بن يحيى بن أبي زائدة قال ، حدثنا عبد الله بن داود ، عن محمد بن موسى ، عن . . . . بن عمرو ، عن ابن عباس : ( ولباس التقوى ) ، قال : السمت الحسن في الوجه .

14446 - حدثني المثنى قال ، حدثنا إسحاق بن الحجاج قال ، حدثنا إسحاق بن إسماعيل ، عن سليمان بن أرقم ، عن الحسن قال : رأيت عثمان بن عفان على منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم ، عليه قميص قوهي محلول الزر ، وسمعته يأمر بقتل الكلاب ، وينهى عن اللعب بالحمام ، ثم قال : يا أيها الناس ، [ ص: 368 ] اتقوا الله في هذه السرائر ، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " والذي نفس محمد بيده ، ما عمل أحد قط سرا إلا ألبسه الله رداء علانية ، إن خيرا فخيرا ، وإن شرا فشرا ، ثم تلا هذه الآية : " ورياشا " ولم يقرأها : ( وريشا ) ( ولباس التقوى ذلك خير ذلك من آيات الله ) ، قال : السمت الحسن .

وقال آخرون : هو خشية الله .

ذكر من قال ذلك :

14447 - حدثني الحارث قال ، حدثنا عبد العزيز قال ، حدثنا أبو سعد المدني قال ، حدثني من سمع عروة بن الزبير يقول : ( لباس التقوى ) ، خشية الله .

وقال آخرون : ( لباس التقوى ) ، في هذه المواضع ، ستر العورة .

ذكر من قال ذلك :

14448 - حدثني يونس قال ، أخبرنا ابن وهب قال : قال ابن زيد في قوله : ( ولباس التقوى ) ، يتقي الله ، فيواري عورته ، ذلك " لباس التقوى " . [ ص: 369 ]

واختلفت القرأة في قراءة ذلك .

فقرأته عامة قرأة المكيين والكوفيين والبصريين : ( ولباس التقوى ذلك خير ) ، برفع " ولباس " .

وقرأ ذلك عامة قرأة المدينة : " ولباس التقوى " ، بنصب " اللباس " ، وهي قراءة بعض قرأة الكوفيين .

فمن نصب : " ولباس " ، فإنه نصبه عطفا على " الريش " ، بمعنى : قد أنزلنا عليكم لباسا يواري سوآتكم وريشا ، وأنزلنا لباس التقوى .

وأما الرفع ، فإن أهل العربية مختلفون في المعنى الذي ارتفع به " اللباس " .

فكان بعض نحويي البصرة يقول : هو مرفوع على الابتداء ، وخبره في قوله : ( ذلك خير ) . وقد استخطأه بعض أهل العربية في ذلك وقال : هذا غلط ، لأنه لم يعد على " اللباس " في الجملة عائد ، فيكون " اللباس " إذا رفع على الابتداء وجعل " ذلك خير " خبرا .

وقال بعض نحويي الكوفة : ( ولباس ) ، يرفع بقوله : ولباس التقوى خير ، ويجعل " ذلك " من نعته .

قال أبو جعفر : وهذا القول عندي أولى بالصواب في رافع " اللباس " ، لأنه لا وجه للرفع إلا أن يكون مرفوعا ب " خير " ، وإذا رفع ب " خير " لم يكن في ذلك وجه إلا أن يجعل " اللباس " نعتا ، لا أنه عائد على " اللباس " من ذكره في قوله : ( ذلك خير ) ، فيكون خير مرفوعا ب " ذلك " ، و " ذلك " ، به . [ ص: 370 ]

فإذ كان ذلك كذلك ، فتأويل الكلام إذا رفع " لباس التقوى " : ولباس التقوى ذلك الذي قد علمتموه ، خير لكم يا بني آدم ، من لباس الثياب التي تواري سوآتكم ، ومن الرياش التي أنزلناها إليكم ، هكذا فالبسوه .

وأما تأويل من قرأه نصبا ، فإنه : " يا بنى آدم قد أنزلنا عليكم لباسا يواري سوآتكم وريشا ولباس التقوى " ، هذا الذي أنزلنا عليكم من اللباس الذي يواري سوآتكم ، والريش ، ولباس التقوى خير لكم من التعري والتجرد من الثياب في طوافكم بالبيت ، فاتقوا الله والبسوا ما رزقكم الله من الرياش ، ولا تطيعوا الشيطان بالتجرد والتعري من الثياب ، فإن ذلك سخرية منه بكم وخدعة ، كما فعل بأبويكم آدم وحواء ، فخدعهما حتى جردهما من لباس الله الذي كان ألبسهما بطاعتهما له ، في أكل ما كان الله نهاهما عن أكله من ثمر الشجرة التي عصياه بأكلها .

قال أبو جعفر : وهذه القراءة أولى القراءتين في ذلك عندي بالصواب ، أعني نصب قوله : " ولباس التقوى " ، لصحة معناه في التأويل على ما بينت ، وأن الله إنما ابتدأ الخبر عن إنزاله اللباس الذي يواري سوآتنا والرياش ، توبيخا للمشركين الذين كانوا يتجردون في حال طوافهم بالبيت ، ويأمرهم بأخذ ثيابهم والاستتار بها في كل حال ، مع الإيمان به واتباع طاعته ويعلمهم أن كل ذلك خير من كل ما هم عليه مقيمون من كفرهم بالله ، وتعريهم ، لا أنه أعلمهم أن بعض ما أنزل إليهم خير من بعض .

وما يدل على صحة ما قلنا في ذلك ، الآيات التي بعد هذه الآية ، وذلك قوله : ( يا بني آدم لا يفتننكم الشيطان كما أخرج أبويكم من الجنة ينزع عنهما لباسهما ليريهما سوآتهما ) وما بعد ذلك من الآيات إلى قوله : ( وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون ) ، فإنه جل ثناؤه يأمر في كل ذلك بأخذ الزينة من الثياب ، واستعمال اللباس وترك التجرد والتعري ، وبالإيمان به ، واتباع أمره والعمل بطاعته ، [ ص: 371 ] وينهى عن الشرك به واتباع أمر الشيطان ، مؤكدا في كل ذلك ما قد أجمله في قوله : ( يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباسا يواري سوآتكم وريشا ولباس التقوى ذلك خير ) .

قال أبو جعفر : وأولى الأقوال بالصحة في تأويل قوله : " ولباس التقوى " ، استشعار النفوس تقوى الله ، في الانتهاء عما نهى الله عنه من معاصيه ، والعمل بما أمر به من طاعته ، وذلك يجمع الإيمان ، والعمل الصالح ، والحياء ، وخشية الله ، والسمت الحسن ، لأن من اتقى الله كان به مؤمنا ، وبما أمره به عاملا ومنه خائفا ، وله مراقبا ، ومن أن يرى عند ما يكرهه من عباده مستحييا . ومن كان كذلك ظهرت آثار الخير فيه ، فحسن سمته وهديه ، ورئيت عليه بهجة الإيمان ونوره .

وإنما قلنا : عنى ب " لباس التقوى " ، استشعار النفس والقلب ذلك لأن " اللباس " ، إنما هو ادراع ما يلبس ، واجتياب ما يكتسى ، أو تغطية بدنه أو بعضه به . فكل من ادرع شيئا واجتابه حتى يرى عينه أو أثره عليه ، فهو له " لابس " . ولذلك جعل جل ثناؤه الرجال للنساء لباسا ، وهن لهم لباسا ، [ ص: 372 ] وجعل الليل لعباده لباسا .

ذكر من تأول ذلك بالمعنى الذي ذكرنا من تأويله ، إذا قرئ قوله : ( ولباس التقوى ) ، رفعا .

14449 - حدثني محمد بن الحسين قال ، حدثنا أحمد بن المفضل قال ، حدثنا أسباط ، عن السدي : ( ولباس التقوى ) ، الإيمان ( ذلك خير ) ، يقول : ذلك خير من الرياش واللباس يواري سوآتكم .

14450 - حدثنا بشر بن معاذ قال ، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة قوله : ( ولباس التقوى ) ، قال : لباس التقوى خير ، وهو الإيمان .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث