الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

القول في تأويل قوله تعالى "ولو شئنا لرفعناه بها ولكنه أخلد إلى الأرض واتبع هواه"

القول في تأويل قوله ( ولو شئنا لرفعناه بها ولكنه أخلد إلى الأرض واتبع هواه )

قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : ولو شئنا لرفعنا هذا الذي آتيناه آياتنا بآياتنا التي آتيناه ( ولكنه أخلد إلى الأرض ) ، يقول : سكن إلى الحياة الدنيا في الأرض ، ومال إليها ، وآثر لذتها وشهواتها على الآخرة " واتبع هواه " ، ورفض طاعة الله وخالف أمره .

وكانت قصة هذا الذي وصف الله خبره في هذه الآية ، على اختلاف من أهل العلم في خبره وأمره ، ما : -

15420 - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال : حدثنا المعتمر ، عن أبيه : [ ص: 262 ] أنه سئل عن الآية : ( واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها ) ، فحدث عن سيار أنه كان رجلا يقال له بلعام ، وكان قد أوتي النبوة ، وكان مجاب الدعوة قال : وإن موسى أقبل في بني إسرائيل يريد الأرض التي فيها بلعام أو قال الشأم قال : فرعب الناس منه رعبا شديدا . قال : فأتوا بلعام ، فقالوا : ادع الله على هذا الرجل وجيشه ! قال : حتى أوامر ربي أو حتى أؤامر قال : فوامر في الدعاء عليهم ، فقيل له : لا تدع عليهم ، فإنهم عبادي ، وفيهم نبيهم! قال : فقال لقومه : إني قد وامرت ربي في الدعاء عليهم ، وإني قد نهيت . قال : فأهدوا إليه هدية فقبلها . ثم راجعوه ، فقالوا : ادع عليهم! فقال : حتى أوامر! فوامر ، فلم يحر إليه شيء . قال : فقال : قد وامرت فلم يحر إلي شيء! فقالوا : لو كره ربك أن تدعو عليهم ، لنهاك كما نهاك المرة الأولى . قال : فأخذ يدعو عليهم ، فإذا دعا عليهم جرى على لسانه الدعاء على قومه; وإذا أراد أن يدعو أن يفتح لقومه ، دعا أن يفتح لموسى وجيشه أو نحوا من ذلك إن شاء الله . فقال : فقالوا : ما نراك تدعو إلا علينا! قال : [ ص: 263 ] ما يجري على لساني إلا هكذا ، ولو دعوت عليه ما استجيب لي ، ولكن سأدلكم على أمر عسى أن يكون فيه هلاكهم : إن الله يبغض الزنا ، وإنهم إن وقعوا بالزنا هلكوا ، ورجوت أن يهلكهم الله ، فأخرجوا النساء فليستقبلنهم ، وإنهم قوم مسافرون ، فعسى أن يزنوا فيهلكوا . قال : ففعلوا ، وأخرجوا النساء يستقبلنهم . قال : وكان للملك ابنة ، فذكر من عظمها ما الله أعلم به! قال : فقال أبوها ، أو بلعام : لا تمكني نفسك إلا من موسى ! قال : ووقعوا في الزنا . قال : وأتاها رأس سبط من أسباط بني إسرائيل ، فأرادها على نفسه قال : فقالت : ما أنا بممكنة نفسي إلا من موسى ! قال : فقال : إن من منزلتي كذا وكذا ، وإن من حالي كذا وكذا! قال : فأرسلت إلى أبيها تستأمره ، قال : فقال لها : فأمكنيه . قال : ويأتيهما رجل من بني هارون ومعه الرمح فيطعنهما قال : وأيده الله بقوة فانتظمهما جميعا ، ورفعهما على رمحه . قال : فرآهما الناس أو كما حدث . قال : وسلط الله عليهم الطاعون . قال : فمات منهم سبعون ألفا . قال : فقال أبو المعتمر : فحدثني سيار أن بلعاما ركب حمارة له ، حتى إذا أتى الفلول أو قال : طريقا بين الفلول جعل يضربها ولا تقدم . قال : وقامت عليه ، فقالت : علام تضربني؟ أما ترى هذا الذي بين يديك! قال : فإذا الشيطان بين يديه . قال : فنزل فسجد له ، قال الله : ( واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها فأتبعه الشيطان فكان من الغاوين ) إلى قوله : ( لعلهم يتفكرون ) [ ص: 264 ] قال : فحدثني بهذا سيار ، ولا أدري لعله قد دخل فيه شيء من حديث غيره .

15421 - حدثنا ابن عبد الأعلى قال : حدثنا المعتمر ، عن أبيه قال : وبلغني حديث رجل من أهل الكتاب يحدث : أن موسى سأل الله أن يطبعه ، وأن يجعله من أهل النار . قال : ففعل الله . قال : أنبئت أن موسى قتله بعد .

15422 - حدثنا ابن حميد قال : حدثنا سلمة ، عن محمد بن إسحاق ، عن سالم أبي النضر ، أنه حدث : أن موسى لما نزل في أرض بني كنعان من أرض الشأم [ وكان بلعم ببالعة ، قرية من قرى البلقاء . فلما نزل موسى ببني إسرائيل ذلك المنزل ] أتى قوم بلعم إلى بلعم ، فقالوا له : يا بلعم ، إن هذا موسى بن عمران في بني إسرائيل ، قد جاء يخرجنا من بلادنا ويقتلنا ويحلها بني إسرائيل ويسكنها ، وإنا قومك ، وليس لنا منزل ، وأنت رجل مجاب الدعوة ، فاخرج فادع الله عليهم! فقال : ويلكم! نبي الله معه الملائكة والمؤمنون ، كيف أذهب أدعو عليهم ، وأنا أعلم من الله ما أعلم!! قالوا : ما لنا من منزل! فلم يزالوا به يرققونه ، ويتضرعون إليه ، حتى فتنوه فافتتن . فركب حمارة له متوجها إلى الجبل الذي يطلعه على [ ص: 265 ] عسكر بني إسرائيل . وهو جبل حسبان . فلما سار عليها غير كثير ربضت به ، فنزل عنها ، فضربها ، حتى إذا أذلقها قامت فركبها فلم تسر به كثيرا حتى ربضت به . ففعل بها مثل ذلك ، فقامت فركبها فلم تسر به كثيرا حتى ربضت به . فضربها حتى إذا أذلقها ، أذن الله لها ، فكلمته حجة عليه ، فقالت : ويحك يا بلعم ! أين تذهب؟ أما ترى الملائكة أمامي تردني عن وجهي هذا ؟ أتذهب إلى نبي الله والمؤمنين تدعو عليهم! فلم ينزع عنها يضربها ، فخلى الله سبيلها حين فعل بها ذلك . قال : فانطلقت حتى أشرفت به على رأس جبل حسبان على عسكر موسى وبني إسرائيل ، جعل يدعو عليهم ، فلا يدعو عليهم بشيء إلا صرف به لسانه إلى قومه ، ولا يدعو لقومه بخير إلا صرف لسانه إلى بني إسرائيل . قال : فقال له قومه : أتدري يا بلعم ما تصنع؟ إنما تدعو لهم ، وتدعو علينا ! قال : فهذا ما لا أملك ، هذا شيء قد غلب الله عليه . قال : واندلع لسانه فوقع على صدره ، فقال لهم : قد ذهبت الآن مني الدنيا والآخرة ، فلم يبق إلا المكر والحيلة ، فسأمكر لكم وأحتال ، جملوا النساء وأعطوهن السلع ، [ ص: 266 ] ثم أرسلوهن إلى العسكر يبعنها فيه ، ومروهن فلا تمنع امرأة نفسها من رجل أرادها ، فإنهم إن زنى منهم واحد كفيتموهم ! ففعلوا; فلما دخل النساء العسكر مرت امرأة من الكنعانيين اسمها " كسبى ابنة صور " ، رأس أمته ، برجل من عظماء بني إسرائيل ، وهو زمرى بن شلوم ، رأس سبط شمعون بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم ، فقام إليها ، فأخذ بيدها حين أعجبه جمالها ، ثم أقبل بها حتى وقف بها على موسى عليه السلام ، فقال : إني أظنك ستقول هذه حرام عليك؟ فقال : أجل هي حرام عليك لا تقربها ! قال : فوالله لا نطيعك في هذا ، فدخل بها قبته فوقع عليها . وأرسل الله الطاعون في بني إسرائيل ، وكان فنحاص بن العيزار بن هارون ، صاحب أمر موسى ، وكان رجلا قد أعطي بسطة في الخلق وقوة في البطش ، وكان غائبا حين صنع زمرى بن شلوم ما صنع . فجاء والطاعون يحوس في بني إسرائيل ، فأخبر الخبر ، فأخذ حربته . وكانت من حديد كلها ، ثم دخل عليه القبة وهما متضاجعان ، فانتظمهما بحربته ، ثم خرج بهما رافعهما إلى السماء ، والحربة قد أخذها بذراعه ، واعتمد بمرفقه على خاصرته ، وأسند الحربة إلى لحييه ، وكان بكر العيزار ، وجعل يقول : اللهم هكذا نفعل بمن يعصيك ! ورفع الطاعون ، فحسب من هلك من بني إسرائيل في الطاعون ، فيما بين أن أصاب زمرى المرأة إلى أن قتله فنحاص ، فوجدوا قد هلك منهم سبعون ألفا ، والمقلل يقول : عشرون ألفا في ساعة من النهار . فمن هنالك تعطي [ ص: 267 ] بنو إسرائيل ولد فنحاص بن العيزار بن هارون من كل ذبيحة ذبحوها القبة والذراع واللحي ، لاعتماده بالحربة على خاصرته وأخذه إياها بذراعه وإسناده إياها إلى لحييه والبكر من كل أموالهم وأنفسهم ، لأنه كان بكر العيزار . ففي بلعم بن باعور ، أنزل الله على محمد صلى الله عليه وسلم : ( واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها ) ، يعني بلعم ، ( فأتبعه الشيطان فكان من الغاوين ) ، . . إلى قوله : ( لعلهم يتفكرون )

15423 - حدثني موسى قال : حدثنا عمرو قال : حدثنا أسباط ، عن السدي قال : انطلق رجل من بني إسرائيل يقال له بلعم ، فأتى الجبارين فقال : لا ترهبوا من بني إسرائيل ، فإني إذا خرجتم تقاتلونهم أدعو عليهم فيهلكون . فخرج يوشع يقاتل الجبارين في الناس . وخرج بلعم مع الجبارين على أتانه وهو يريد أن يلعن بني إسرائيل ، فكلما أراد أن يدعو على بني إسرائيل ، دعا على الجبارين ، فقال الجبارون : إنك إنما تدعو علينا ! فيقول : إنما أردت بني إسرائيل . فلما بلغ باب المدينة ، أخذ ملك بذنب الأتان ، فأمسكها ، فجعل يحركها فلا تتحرك ، فلما أكثر ضربها ، تكلمت فقالت : أنت تنكحني بالليل وتركبني بالنهار؟ ويلي منك ! ولو أني أطقت الخروج لخرجت ، ولكن هذا الملك يحبسني . وفي بلعم يقول الله : ( واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا ) . . الآية .

15424 - حدثني الحارث قال : حدثنا عبد العزيز قال : حدثني رجل [ ص: 268 ] سمع عكرمة ، يقول : قالت امرأة منهم : أروني موسى ، فأنا أفتنه ! قال : فتطيبت ، فمرت على رجل يشبه موسى ، فواقعها ، فأتي ابن هارون فأخبر ، فأخذ سيفا ، فطعن به في إحليله حتى أخرجه وأخرجه من قبلها ثم رفعهما حتى رآهما الناس ، فعلم أنه ليس موسى ، ففضل آل هارون في القربان على آل موسى بالكتد والعضد والفخذ . قال : فهو الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها ، يعني بلعم . واختلف أهل التأويل في تأويل قوله : ( ولو شئنا لرفعناه بها ) .

فقال بعضهم : معناه : لرفعناه بعلمه بها .

ذكر من قال ذلك .

15425 - حدثنا القاسم قال : حدثنا الحسين قال : حدثني حجاج ، عن ابن جريج قال : قال ابن عباس : ( ولو شئنا لرفعناه بها ) ، لرفعه الله تعالى بعلمه .

وقال آخرون : معناه لرفعنا عنه الحال التي صار إليها من الكفر بالله بآياتنا .

ذكر من قال ذلك :

15426 - حدثني محمد بن عمرو قال : حدثنا أبو عاصم ، عن عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، في قول الله : ( ولو شئنا لرفعناه بها ) ، : لدفعناه عنه .

15427 - حدثنا القاسم قال : حدثنا الحسين قال : حدثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن مجاهد : ( ولو شئنا لرفعناه بها ) ، : لدفعناه عنه . [ ص: 269 ] قال أبو جعفر : وأولى الأقوال في تأويل ذلك بالصواب أن يقال : إن الله عم الخبر بقوله : ( ولو شئنا لرفعناه بها ) ، أنه لو شاء رفعه بآياته التي آتاه إياها . والرفع يعم معاني كثيرة ، منها الرفع في المنزلة عنده ، ومنها الرفع في شرف الدنيا ومكارمها . ومنها الرفع في الذكر الجميل والثناء الرفيع . وجائز أن يكون الله عنى كل ذلك : أنه لو شاء لرفعه ، فأعطاه كل ذلك ، بتوفيقه للعمل بآياته التي كان آتاها إياه . وإذ كان ذلك جائزا ، فالصواب من القول فيه أن لا يخص منه شيء ، إذ كان لا دلالة على خصوصه من خبر ولا عقل . وأما قوله : ( بها ) ، فإن ابن زيد قال في ذلك كالذي قلنا .

15428 - حدثني يونس قال : أخبرنا ابن وهب قال : قال ابن زيد ، في قوله : ( ولو شئنا لرفعناه بها ) ، بتلك الآيات . وأما قوله : ( ولكنه أخلد إلى الأرض ) ، فإن أهل التأويل قالوا فيه نحو قولنا فيه .

ذكر من قال ذلك :

15429 - حدثنا ابن وكيع قال : حدثنا أبي ، عن إسرائيل ، عن أبي الهيثم ، عن سعيد بن جبير : ( ولكنه أخلد إلى الأرض ) ، يعني : ركن إلى الأرض .

15430 - . . . . قال : حدثنا يحيى بن آدم ، عن شريك ، عن سالم ، عن سعيد بن جبير : ( ولكنه أخلد إلى الأرض ) قال : نزع إلى الأرض .

15431 - حدثني محمد بن عمرو قال : حدثنا أبو عاصم قال : حدثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : "أخلد" : سكن .

15432 - حدثنا القاسم قال : حدثنا الحسين قال : حدثنا أبو تميلة ، عن أبي حمزة ، عن جابر ، عن مجاهد وعكرمة ، عن ابن عباس قال : كان في [ ص: 270 ] بني إسرائيل بلعام بن باعر أوتي كتابا ، فأخلد إلى شهوات الأرض ولذتها وأموالها ، لم ينتفع بما جاء به الكتاب .

15433 - حدثنا موسى قال : حدثنا عمرو قال : حدثنا أسباط ، عن السدي : ( ولكنه أخلد إلى الأرض واتبع هواه ) ، أما ( أخلد إلى الأرض ) : فاتبع الدنيا ، وركن إليها . قال أبو جعفر : وأصل "الإخلاد" في كلام العرب : الإبطاء والإقامة ، يقال منه : "أخلد فلان بالمكان" ، إذا أقام به وأخلد نفسه إلى المكان" إذا أتاه من مكان آخر ، ومنه قول زهير :


لمن الديار غشيتها بالفدفد كالوحي في حجر المسيل المخلد



يعني المقيم ، ومنه قول مالك بن نويرة :


بأبناء حي من قبائل مالك     وعمرو بن يربوع أقاموا فأخلدوا

[ ص: 271 ]

وكان بعض البصريين يقول معنى قوله : "أخلد" : لزم وتقاعس وأبطأ ، و"المخلد" أيضا : هو الذي يبطئ شيبه من الرجال وهو من الدواب ، الذي تبقى ثناياه حتى تخرج رباعيتاه .

وأما قوله : ( واتبع هواه ) ، فإن ابن زيد قال في تأويله ، ما :

15434 - حدثني به يونس قال : أخبرنا ابن وهب قال : قال ابن زيد ، في قوله : ( واتبع هواه ) قال : كان هواه مع القوم .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث