الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

القول في تأويل قوله ( هو الذي خلقكم من نفس واحدة وجعل منها زوجها ليسكن إليها فلما تغشاها حملت حملا خفيفا فمرت به فلما أثقلت دعوا الله ربهما لئن آتيتنا صالحا لنكونن من الشاكرين ( 189 ) )

قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : ( هو الذي خلقكم من نفس واحدة ) ، يعني بالنفس الواحدة : آدم ، كما : -

15497 - حدثنا ابن وكيع قال : حدثنا أبي ، عن سفيان ، عن رجل ، عن مجاهد : ( خلقكم من نفس واحدة ) قال : آدم عليه السلام . [ ص: 304 ]

15498 - حدثنا بشر قال : حدثنا يزيد قال : حدثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : ( هو الذي خلقكم من نفس واحدة ) ، من آدم .

ويعني بقوله : ( وجعل منها زوجها ) ، : وجعل من النفس الواحدة ، وهو آدم ، زوجها حواء ، كما : -

15499 - حدثني بشر قال : حدثنا يزيد قال : حدثنا سعيد ، عن قتادة . ( وحمل منها زوجها ) ، : حواء ، فجعلت من ضلع من أضلاعه ، ليسكن إليها .

ويعني بقوله : ( ليسكن إليها ) ، : ليأوي إليها لقضاء حاجته ولذته .

ويعني بقوله : ( فلما تغشاها ) ، فلما تدثرها لقضاء حاجته منها ، فقضى حاجته منها ( حملت حملا خفيفا ) ، وفي الكلام محذوف ، ترك ذكره استغناء بما ظهر عما حذف ، وذلك قوله : ( فلما تغشاها حملت ) ، وإنما الكلام : فلما تغشاها فقضى حاجته منها حملت .

وقوله : ( حملت حملا خفيفا ) ، يعني ب " خفة الحمل " : الماء الذي حملته حواء في رحمها من آدم ، أنه كان حملا خفيفا ، وكذلك هو حمل المرأة ماء الرجل خفيف عليها .

وأما قوله : ( فمرت به ) ، فإنه يعني : استمرت بالماء : قامت به وقعدت ، وأتمت الحمل ، كما : -

15500 - حدثنا ابن وكيع قال : حدثنا أبو أسامة ، عن أبي عمير ، عن أيوب قال : سألت الحسن عن قوله : ( حملت حملا خفيفا فمرت به ) قال : [ ص: 305 ] لو كنت امرءا عربيا لعرفت ما هي ؟ إنما هي : فاستمرت به .

15501 - حدثنا بشر قال : حدثنا يزيد قال : حدثنا سعيد ، عن قتادة : ( فلما تغشاها حملت حملا خفيفا فمرت به ) ، استبان حملها .

15502 - حدثني محمد بن عمرو قال : حدثنا أبو عاصم قال : حدثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : ( فمرت به ) قال : استمر حملها .

15503 - حدثني موسى قال : حدثنا عمرو قال : حدثنا أسباط ، عن السدي ، قوله : ( حملت حملا خفيفا ) قال : هي النطفة وقوله : ( فمرت به ) ، يقول : استمرت به .

وقال آخرون : معنى ذلك : فشكت فيه .

ذكر من قال ذلك :

15504 - حدثني محمد بن سعد قال : حدثني أبي قال : حدثني عمي قال : حدثني أبي ، عن أبيه ، عن ابن عباس ، في قوله : ( فمرت به ) قال : فشكت ، أحملت أم لا ؟

ويعني بقوله : ( فلما أثقلت ) ، فلما صار ما في بطنها من الحمل الذي كان خفيفا ، ثقيلا ودنت ولادتها .

يقال منه : " أثقلت فلانة " إذا صارت ذات ثقل بحملها ، كما يقال : " أتمر فلان " : إذا صار ذا تمر . كما : -

15505 - حدثني موسى قال : حدثنا عمرو قال : حدثنا أسباط ، عن السدي : ( فلما أثقلت ) ، : كبر الولد في بطنها . [ ص: 306 ]

قال أبو جعفر : ( دعوا الله ربهما ) ، يقول : نادى آدم وحواء ربهما وقالا يا ربنا ، " لئن آتيتنا صالحا لنكونن من الشاكرين " .

واختلف أهل التأويل في معنى " الصلاح " الذي أقسم آدم وحواء عليهما السلام أنه إن آتاهما صالحا في حمل حواء : لنكونن من الشاكرين .

فقال بعضهم : ذلك هو أن يكون الحمل غلاما .

ذكر من قال ذلك :

15506 - حدثني محمد بن عبد الأعلى قال : حدثنا محمد بن ثور ، عن معمر قال : قال الحسن ، في قوله : ( لئن آتيتنا صالحا ) قال : غلاما .

وقال آخرون : بل هو أن يكون المولود بشرا سويا مثلهما ، ولا يكون بهيمة .

ذكر من قال ذلك :

15507 - حدثنا ابن وكيع قال : حدثنا أبي ، عن سفيان ، عن زيد بن جبير الجشمي ، عن أبي البختري ، في قوله : ( لئن آتيتنا صالحا لنكونن من الشاكرين ) قال : أشفقا أن يكون شيئا دون الإنسان .

15508 - . . . قال : حدثنا يحيى بن يمان ، عن سفيان ، عن زيد بن جبير ، عن أبي البختري قال : أشفقا أن لا يكون إنسانا .

15509 - . . . قال : حدثنا محمد بن عبيد ، عن إسماعيل ، عن أبي صالح قال : لما حملت امرأة آدم فأثقلت ، كانا يشفقان أن يكون بهيمة ، فدعوا ربهما : ( لئن آتيتنا صالحا ) ، الآية .

15510 - . . . قال : حدثنا جابر بن نوح ، عن أبي روق ، عن الضحاك ، عن ابن عباس قال : أشفقا أن يكون بهيمة . [ ص: 307 ]

15511 - حدثني القاسم قال : حدثنا الحسين قال : حدثني حجاج ، عن ابن جريج قال : قال سعيد بن جبير : لما هبط آدم وحواء ، ألقيت الشهوة في نفسه فأصابها ، فليس إلا أن أصابها حملت ، فليس إلا أن حملت تحرك في بطنها ولدها ، قالت : ما هذا ؟ فجاءها إبليس ، فقال [ لها : إنك حملت فتلدين ! قالت : ما ألد ؟ قال ] : أترين في الأرض إلا ناقة أو بقرة أو ضائنة أو ماعزة ، أو بعض ذلك ! [ ويخرج من أنفك ، أو من أذنك ، أو من عينك ] . قالت : والله ما مني شيء إلا وهو يضيق عن ذلك ! قال : فأطيعيني وسميه " عبد الحارث " [ وكان اسمه في الملائكة الحارث ] تلدي شبهكما مثلكما ! قال : فذكرت ذلك لآدم عليه السلام ، فقال : هو صاحبنا الذي قد علمت ! فمات ، ثم حملت بآخر ، فجاءها فقال : أطيعيني وسميه عبد الحارث - وكان اسمه في الملائكة الحارث وإلا ولدت ناقة أو بقرة أو ضائنة أو ماعزة ، أو قتلته ، فإني أنا قتلت الأول ! قال : فذكرت ذلك لآدم ، فكأنه لم يكرهه ، فسمته " عبد الحارث " ، فذلك قوله : ( لئن آتيتنا صالحا ) ، يقول : شبهنا مثلنا ( فلما آتاهما صالحا ) قال : شبههما مثلهما .

15512 - حدثني موسى قال : حدثنا عمرو قال : حدثنا أسباط ، عن السدي : ( فلما أثقلت ) ، كبر الولد في بطنها ، جاءها إبليس ، فخوفها وقال لها : [ ص: 308 ] ما يدريك ما في بطنك ؟ لعله كلب ، أو خنزير ، أو حمار ! وما يدريك من أين يخرج ؟ أمن دبرك فيقتلك ، أو من قبلك ، أو ينشق بطنك فيقتلك ؟ فذلك حين ( دعوا الله ربهما لئن آتيتنا صالحا ) ، يقول : مثلنا ( لنكونن من الشاكرين ) .

قال أبو جعفر : والصواب من القول في ذلك أن يقال : إن الله أخبر عن آدم وحواء أنهما دعوا الله ربهما بحمل حواء ، وأقسما لئن أعطاهما ما في بطن حواء ، صالحا ليكونان لله من الشاكرين .

و" الصلاح " قد يشمل معاني كثيرة : منها " الصلاح " في استواء الخلق ، ومنها " الصلاح " في الدين ، و" الصلاح " في العقل والتدبير .

وإذ كان ذلك كذلك ، ولا خبر عن الرسول يوجب الحجة بأن ذلك على بعض معاني " الصلاح " دون بعض ، ولا فيه من العقل دليل ، وجب أن يعم كما عمه الله ، فيقال : إنهما قالا ( لئن آتيتنا صالحا ) بجميع معاني " الصلاح " .

وأما معنى قوله : ( لنكونن من الشاكرين ) ، فإنه : لنكونن ممن يشكرك على ما وهبت له من الولد صالحا .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث