الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب رزق الحكام والعاملين عليها

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

باب رزق الحكام والعاملين عليها وكان شريح القاضي يأخذ على القضاء أجرا وقالت عائشة يأكل الوصي بقدر عمالته وأكل أبو بكر وعمر

6744 حدثنا أبو اليمان أخبرنا شعيب عن الزهري أخبرني السائب بن يزيد ابن أخت نمر أن حويطب بن عبد العزى أخبره أن عبد الله بن السعدي أخبره أنه قدم على عمر في خلافته فقال له عمر ألم أحدث أنك تلي من أعمال الناس أعمالا فإذا أعطيت العمالة كرهتها فقلت بلى فقال عمر فما تريد إلى ذلك قلت إن لي أفراسا وأعبدا وأنا بخير وأريد أن تكون عمالتي صدقة على المسلمين قال عمر لا تفعل فإني كنت أردت الذي أردت فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعطيني العطاء فأقول أعطه أفقر إليه مني حتى أعطاني مرة مالا فقلت أعطه أفقر إليه مني فقال النبي صلى الله عليه وسلم خذه فتموله وتصدق به فما جاءك من هذا المال وأنت غير مشرف ولا سائل فخذه وإلا فلا تتبعه نفسك وعن الزهري قال حدثني سالم بن عبد الله أن عبد الله بن عمر قال سمعت عمر بن الخطاب يقول كان النبي صلى الله عليه وسلم يعطيني العطاء فأقول أعطه أفقر إليه مني حتى أعطاني مرة مالا فقلت أعطه من هو أفقر إليه مني فقال النبي صلى الله عليه وسلم خذه فتموله وتصدق به فما جاءك من هذا المال وأنت غير مشرف ولا سائل فخذه ومالا فلا تتبعه نفسك

التالي السابق


قوله : باب متى يستوجب الرجل القضاء ) ؟ أي متى يستحق أن يكون قاضيا . قال أبو علي الكرابيسي صاحب الشافعي في " كتاب آداب القضاء " له : لا أعلم بين العلماء ممن سلف خلافا أن أحق الناس أن يقضي بين المسلمين من بان فضله وصدقه وعلمه وورعه ، قارئا لكتاب الله ، عالما بأكثر أحكامه ، عالما بسنن رسول الله حافظا لأكثرها ، وكذا أقوال الصحابة ، عالما بالوفاق والخلاف وأقوال فقهاء التابعين يعرف الصحيح من السقيم يتبع في النوازل الكتاب فإن لم يجد فالسنن فإن لم يجد عمل بما اتفق عليه الصحابة ، فإن اختلفوا فما وجده أشبه بالقرآن ثم بالسنة ثم بفتوى أكابر الصحابة عمل به ، ويكون كثير المذاكرة مع أهل العلم والمشاورة لهم مع فضل وورع ، ويكون حافظا للسانه وبطنه وفرجه ، فهما بكلام الخصوم ، ثم لا بد أن يكون عاقلا مائلا عن الهوى ثم قال : وهذا وإن كنا نعلم أنه ليس على وجه الأرض أحد يجمع هذه الصفات ، ولكن يجب أن يطلب من أهل كل زمان أكملهم وأفضلهم . وقال المهلب : لا يكفي في استحباب القضاء أن يرى نفسه أهلا لذلك بل أن يراه الناس أهلا لذلك .

وقال ابن حبيب عن مالك : لا بد أن يكون [ ص: 157 ] القاضي عالما عاقلا " . قال ابن حبيب فإن لم يكن علم فعقل وورع ، لأنه بالورع يقف وبالعقل يسأل ، وهو إذا طلب العلم وجده وإذا طلب العقل لم يجده . قال ابن العربي : واتفقوا على أنه لا يشترط أن يكون غنيا ، والأصل قوله تعالى ولم يؤت سعة من المال قال إن الله اصطفاه عليكم الآية . قال : والقاضي لا يكون في حكم الشرع إلا غنيا لأن غناه في بيت المال فإذا منع من بيت المال واحتاج كان تولية من يكون غنيا أولى من تولية من يكون فقيرا ، لأنه يصير في مظنة من يتعرض لتناول ما لا يجوز تناوله قلت : وهذا قاله بالنسبة إلى الزمان الذي كان فيه ولم يدرك زمانه هذا الذي صار من يطلب القضاء فيه يصرح بأن سبب طلبه الاحتياج إلى ما يقوم بأوده ، مع العلم بأنه لا يحصل له شيء من بيت المال . واتفقوا على اشتراط الذكورية في القاضي إلا عن الحنفية ، واستثنوا الحدود ، وأطلق ابن جرير ، وحجة الجمهور الحديث الصحيح : ما أفلح قوم ولوا أمورهم امرأة " وقد تقدم ; ولأن القاضي يحتاج إلى كمال الرأي ورأي المرأة ناقص ولا سيما في محافل الرجال .

قوله : وقال الحسن ) هو البصري .

قوله ( أخذ الله على الحكام أن لا يتبعوا الهوى ولا يخشوا الناس ) ولا يشتروا بآيات الله ثمنا قليلا ثم قرأ يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض - إلى - يوم الحساب وقرأ إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور - إلى قوله - : ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون قلت : فأراد من آية ( يا داود .

قوله ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله وأراد من آية المائدة بقية ما ذكر وأطلق على هذه المناهي أمرا إشارة إلى أن النهي عن الشيء أمر بضده ، ففي النهي عن الهوى أمر بالحكم بالحق ، وفي النهي عن خشية الناس أمر بخشية الله ، ومن لازم خشية الله الحكم بالحق ، وفي النهي عن بيع آياته الأمر باتباع ما دلت عليه ، وإنما وصف الثمن بالقلة إشارة إلى أنه وصف لازم له بالنسبة للعوض فإنه أغلى من جميع ما حوته الدنيا .

قوله : بما استحفظوا : استودعوا من كتاب الله الآية ) ثبت هذا للمستملي ، وهو تفسير أبي عبيدة ، قال في قوله تعالى بما استحفظوا من كتاب الله أي بما استودعوا ، استحفظته كذا استودعته إياه .

قوله : وقرأ ) أي الحسن البصري المذكور " وداود وسليمان إذ يحكمان في الحرث إلى آخرها " رويناه موصولا في " حلية الأولياء لأبي نعيم " من رواية محمد بن إبراهيم الحافظ المعروف بمربع بموحدة ومهملة وزن محمد ، قال حدثنا سعيد هو ابن سليمان الواسطي حدثنا أبو العوام هو عمران القطان عن قتادة عن الحسن وهو ابن أبي الحسن البصري فذكره ، ومعنى أخذ الله على الحكام عهد إليهم .

قوله ( فحمد سليمان ولم يلم داود ، ولولا ما ذكر الله من أمر هذين ) يعني داود وسليمان ، وقوله " لرأيت " في رواية الكشميهني : لرويت أن القضاة هلكوا " يعني لما تضمنته الآيتان الماضيتان أن من لم يحكم بما أنزل الله كافر ، فدخل في عمومه العامد والمخطئ ، وكذا قوله تعالى إن الذين يضلون عن سبيل الله يشمل العامد والمخطئ ، فاستدل بالآية الأخرى في قصة الحرث أن الوعيد خاص بالعامد ، فأشار إلى ذلك بقوله : فإنه أثنى على هذا بعلمه ؛ أي بسبب علمه أي معرفته وفهمه وجه الحكم والحكم به ، وعذر بفتح الذال المعجمة هذا باجتهاده . وروينا بعضه في تفسير ابن أبي حاتم وفي المجالسة لأبي بكر الدينوري وفي أمالي الصولي جميعا يزيد بعضهم على بعض من طريق حماد بن سلمة عن حميد الطويل قال : دخلنا مع الحسن على إياس بن معاوية حين استقضي قال فبكى إياس وقال : يا أبا سعيد - يعني الحسن البصري المذكور - يقولون : [ ص: 158 ] القضاة ثلاثة : رجل اجتهد فأخطأ فهو في النار ، ورجل مال مع الهوى فهو في النار ، ورجل اجتهد فأصاب فهو في الجنة فقال الحسن : إن فيما قص الله عليك من نبأ سليمان ما يرد على من قال هذا وقرأ وداود وسليمان إذ يحكمان في الحرث - إلى قوله - شاهدين قال : فحمد سليمان لصوابه ولم يذم داود لخطئه .

ثم قال : إن الله أخذ على الحكام عهدا بأن لا يشتروا به ثمنا ولا يتبعوا فيه الهوى ولا يخشوا فيه أحدا ، ثم تلا : يا داود إنا جعلناك خليفة إلى آخر الآية . قلت : والحديث الذي أشار إليه إياس أخرجه أصحاب السنن من حديث بريدة ، ولكن عندهم الثالث قضى بغير علم ، وقد جمعت طرقه في جزء مفرد ، وليس في شيء منها أنه اجتهد فأخطأ ، وسيأتي حكم من اجتهد فأخطأ بعد أبواب ، واستدل بهذه القصة على أن للنبي أن يجتهد في الأحكام ولا ينتظر نزول الوحي ، لأن داود عليه السلام على ما ورد اجتهد في المسألة المذكورة قطعا ، لأنه لو كان قضى فيها بالوحي ما خص الله سليمان بفهمها دونه . وقد اختلف من أجاز للنبي أن يجتهد هل يجوز عليه الخطأ في اجتهاده ؟ فاستدل من أجاز ذلك بهذه القصة . وقد اتفق الفريقان على أنه لو أخطأ في اجتهاده لم يقر على الخطأ " وأجاب من منع الاجتهاد أنه ليس في الآية دليل على أن داود اجتهد ولا أخطأ ، وإنما ظاهرها أن الواقعة اتفقت فعرضت على داود وسليمان فقضى فيها سليمان لأن الله فهمه حكمها ، ولم يقض فيها داود بشيء ، ويرد على من تمسك بذلك بما ذكره أهل النقل في صورة هذه الواقعة . وقد تضمن أثر الحسن المذكور أنهما جميعا حكما . وقد تعقب ابن المنير قول الحسن البصري ، ولم يذم داود بأن فيه نقصا لحق داود ، وذلك أن الله تعالى قد قال وكلا آتينا حكما وعلما فجمعهما في الحكم والعلم ، وميز سليمان بالفهم ، وهو علم خاص زاد على العام بفصل الخصومة . قال : والأصح في الواقعة أن داود أصاب الحكم وسليمان أرشد إلى الصلح ، ولا يخلو قوله تعالى وكلا آتينا حكما وعلما أن يكون عاما أو في واقعة الحرث فقط " وعلى التقديرين يكون أثنى على داود فيها بالحكم والعلم فلا يكون من قبيل عذر المجتهد إذا أخطأ ، لأن الخطأ ليس حكما ولا علما وإنما هو ظن غير مصيب " وإن كان في غير الواقعة فلا يكون تعالى أخبر في هذه الواقعة بخصوصها عن داود بإصابة ولا خطأ ، وغايته أنه أخبر بتفهيم سليمان ومفهومه لقب والاحتجاج به ضعيف فلا يقال فهمها سليمان دون داود ، وإنما خص سليمان بالتفهيم لصغر سنه فيستغرب ما يأتي به . قلت : ومن تأمل ما نقل في القصة ظهر له أن الاختلاف بين الحكمين كان في الأولوية لا في العمد والخطأ ، ويكون معنى قول الحسن " حمد سليمان " أي لموافقته الطريق الأرجح " ولم يذم داود " لاقتصاره على الطريق الراجح وقد وقع لعمر رضي الله عنه قريب مما وقع لسليمان ، وذلك أن بعض الصحابة مات وخلف مالا له نماء وديونا ، فأراد أصحاب الديون بيع المال في وفاء الدين لهم فاسترضاهم عمر بأن يؤخروا التقاضي حتى يقبضوا ديونهم من النماء ويتوفر لأيتام المتوفي أصل المال ; فاستحسن ذلك من نظره .

ولو أن الخصوم امتنعوا لما منعهم من البيع . وعلى هذا التفصيل يمكن تنزيل قصة أصحاب الحرث والغنم والله أعلم . وتقدم في أحاديث الأنبياء شرح القصة التي وقعت لداود وسليمان في المرأتين اللتين أخذ الذئب ابن إحداهما واختلاف حكم داود وسليمان في ذلك ، وتوجيه حكم داود بما يقرب مما ذكر هنا في هذه القصة ووقعت لهما قصة ثالثة في التفرقة بين الشهود في قصة المرأة التي اتهمت بأنها تحمل على نفسها فشهد عليها أربعة بذلك ، فأمر داود برجمها ، فعمد سليمان وهو غلام فصور مثل قصتها بين الغلمان ثم فرق بين الشهود وامتحنهم فتخالفوا فدرأ عنها ، ووقعت لهما رابعة في قصة المرأة التي صب في دبرها ماء البيض وهي نائمة ، وقيل إنها زنت فأمر داود برجمها ، فقال سليمان : يشوى ذلك الماء فإن اجتمع فهو بيض ، وإلا فهو مني ، [ ص: 159 ] فشوي فاجتمع . وأخرج عبد الرزاق بسند صحيح عن مسروق قال : كان حرثهم عنبا نفشت فيه الغنم أي رعت ليلا ، فقضى داود بالغنم لهم ، فمروا على سليمان فأخبروه الخبر فقال سليمان : لا ، ولكن أقضي بينهم أن يأخذوا الغنم فيكون لهم لبنها وصوفها ومنفعتها ويقوم هؤلاء على حرثهم ، حتى إذا عاد كما كان ردوا عليهم غنمهم . وأخرجه الطبري من وجه آخر لين فقال : فيه عن مسروق عن ابن مسعود وأخرجه ابن مردويه والبيهقي من وجه آخر عن ابن مسعود وسنده حسن ، وعن معمر عن قتادة : قضى داود أن يأخذوا الغنم ، ففهمها الله سليمان فقال : خذوا الغنم فلكم ما خرج من رسلها وأولادها وصوفها إلى الحول .

وأخرج عبد بن حميد من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد قال : أعطاهم داود رقاب الغنم بالحرث ، فحكم سليمان بجزة الغنم وألبانها لأهل الحرث وعليهم رعايتها ويحرث لهم أهل الغنم حتى يكون كهيئة يوم أكل ، ثم يدفع لأهله ويأخذون غنمهم . وأخرج الطبري القصة من طريق علي بن زيد عن خليفة عن ابن عباس نحوه ، ومن طريق قتادة قال : ذكر لنا فذكر نحوه . ومن طريق العوفي عن عطية عن ابن عباس ولكن قال فيها : قال سليمان إن الحرث لا يخفى على صاحبه ما يخرج منه كل عام ، فله من صاحب الغنم أن يبيع من أولادها وصوفها حتى يستوفي ثمن حرثه ، فقال داود : قد أصبت وأخرج ابن مردويه من طريق الحسن عن الأحنف بن قيس نحو الأول . قال ابن التين : قيل علم سليمان أن قيمة ما أفسدت الغنم مثل ما يصير إليهم من لبنها وصوفها .

وقال أيضا : ورد في قصة ناقة البراء التي أفسدت في حائط أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى أن على أهل الحوائط حفظها بالنهار ، وأن الذي أفسدت المواشي بالليل ضمانه على أهلها أي ضمان قيمته ، هذا خلاف شرع سليمان قال : فلو تراضيا بالدفع " عن قيمة ما أفسدت فالمشهور أنه لا يجوز حتى يعرفا القيمة " قلت : ورواية العوفي إن كانت محفوظة ترفع الإشكال ، وإلا فالجواب ما نقل ابن التين أولا ، ولا يكون بين الشرعين مخالفة .

قوله : وقال مزاحم ) بضم الميم وتخفيف الزاي وبعد الألف حاء مهملة ( ابن زفر ) بزاي وفاء وزن عمر ، هو الكوفي ، ويقال مزاحم بن أبي مزاحم ثقة أخرج له مسلم .

قوله ( قال لنا عمر بن عبد العزيز ) أي الخليفة المشهور العادل .

قوله : خمس إذا أخطأ القاضي منهن خطة بضم الخاء المعجمة وتشديد الطاء ، كذا لأبي ذر عن غير الكشميهني ، وله عنه " خصلة " بفتح أوله وسكون الصاد المهملة ، وكذا في رواية الباقين وهما بمعنى .

قوله : وصمة ) بفتح الواو وسكون الصاد المهملة أي عيبا .

قوله : أن يكون ) تفسير لحال القاضي المذكور .

قوله ( فهما ) بفتح الفاء وكسر الهاء وهو من صيغ المبالغة ، ويجوز تسكين الهاء أيضا ، ووقع في رواية المستملي " فقيها " والأول أولى لأن خصلة الفقه داخلة في خصلة العلم وهي مذكورة بعد .

قوله : حليما ) أي يغضي على من يؤذيه ولا يبادر إلى الانتقام ولا ينافي ذلك قوله بعد ذلك " صليبا " لأن الأول في حق نفسه والثاني في حق غيره .

قوله : عفيفا ) أي يعف عن الحرام فإنه إذ كان عالما ولم يكن عفيفا كان ضرره أشد من ضرر الجاهل .

[ ص: 160 ] قوله ( صليبا ) بصاد مهملة وباء موحدة من الصلابة بوزن عظيم ، أي قويا شديدا يقف عند الحق ولا يميل مع الهوى ، ويستخلص حق المحق من المبطل ولا يحابيه .

قوله ( عالما سئولا عن العلم ) هي خصلة واحدة أي يكون مع ما يستحضره من العلم مذاكرا له غيره ، لاحتمال أن يظهر له ما هو أقوى مما عنده . وهذا الأثر وصله سعيد بن منصور في السنن عن عباد بن عباد ومحمد بن سعد في الطبقات عن عفان كلاهما قال " حدثنا مزاحم بن زفر قال قدمنا على عمر بن عبد العزيز في خلافته وفد من أهل الكوفة ، فسألنا عن بلادنا وقاضينا وأمره ، وقال : خمس إذا أخطأ " ورواه يحيى بن سعيد الأنصاري عن عمر بن عبد العزيز بلفظ آخر أخرجه أيضا محمد بن سعد في الطبقات عن محمد بن عبد الله الأسدي هو أحمد الزبيري عن سفيان هو الثوري عن يحيى بن سعيد عن عمر بن عبد العزيز قال : لا ينبغي للقاضي أن يكون قاضيا حتى يكون فيه خمس خصال : " عفيف ، حليم ، عالم بما كان قبله ، يستشير ذوي الرأي ، لا يبالي بملامة الناس " وجاء في استحباب الاستشارة آثار جياد . وأخرج يعقوب بن سفيان بسند جيد عن الشعبي قال : من سره أن يأخذ بالوثيقة من القضاء فليأخذ بقضاء عمر ، فإنه كان يستشير .

قوله : باب رزق الحاكم والعاملين عليها ) هو من إضافة المصدر إلى المفعول ، والرزق ما يرتبه الإمام من بيت المال لمن يقوم بمصالح المسلمين وقال المطرزي : الرزق ما يخرجه الإمام كل شهر للمرتزقة من بيت المال ، والعطاء ما يخرجه عام ويحتمل أن يكون قوله "والعاملين عليها " عطفا على الحاكم أي ورزق العاملين عليها أي على الحكومات ، ويحتمل أن يكون أورد الجملة على الحكاية يريد الاستدلال على جواز أخذ الرزق بآية الصدقات وهم من جملة المستحقين لها لعطفهم على الفقراء والمساكين بعد قوله إنما الصدقات قال [ ص: 161 ] الطبري : ذهب الجمهور إلى جواز أخذ القاضي الأجرة على الحكم لكونه يشغله الحكم عن القيام بمصالحه ، غير أن طائفة من السلف كرهت ذلك ولم يحرموه مع ذلك . وقال أبو علي الكرابيسي : لا بأس للقاضي أن يأخذ الرزق على القضاء عند أهل العلم قاطبة من الصحابة ومن بعدهم ، وهو قول فقهاء الأمصار لا أعلم بينهما اختلافا ، وقد كره ذلك قوم منهم مسروق ولا أعلم أحدا منهم حرمه . وقال المهلب : وجه الكراهة أنه في الأصل محمول على الاحتساب لقوله تعالى لنبيه قل لا أسألكم عليه أجرا فأرادوا أن يجري الأمر فيه على الأصل الذي وضعه الله لنبيه ، ولئلا يدخل فيه من لا يستحقه فيتحيل على أموال الناس . وقال غيره : أخذ الرزق على القضاء إذا كانت جهة الأخذ من الحلال جائزا إجماعا ، ومن تركه إنما تركه تورعا ، وأما إذا كانت هناك شبهة فالأولى الترك جزما ، ويحرم إذا كان المال يؤخذ لبيت المال من غير وجهه ، واختلف إذا كان الغالب حراما : وأما من غير بيت المال ففي جواز الأخذ من المتحاكمين خلاف ، ومن أجازه شرط فيه شروطا لا بد منها ، وقد جر القول بالجواز إلى إلغاء الشروط ، وفشا ذلك في هذه الأعصار بحيث تعذر إزالة ذلك والله المستعان .

قوله : وكان شريح القاضي يأخذ على القضاء أجرا ) هو شريح بن الحارث بن قيس النخعي الكوفي قاضي الكوفة ، ولاه عمر ثم قضى لمن بعده بالكوفة دهرا طويلا ، وله مع علي أخبار في ذلك ، وهو ثقة مخضرم أدرك الجاهلية والإسلام ويقال إن له صحبة ، مات قبل الثمانين وقد جاوز المائة . وهذا الأثر وصله عبد الرزاق وسعيد بن منصور من طريق مجالد عن الشعبي بلفظ : كان مسروق لا يأخذ على القضاء أجرا ، وكان شريح يأخذ " .

قوله : وقالت عائشة يأكل الوصي بقدر عمالته ) قلت : وصله ابن أبي شيبة من طريق هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة في قوله تعالى ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف قالت أنزل الله ذلك في والي مال اليتيم يقوم عليه بما يصلحه إن كان محتاجا أن يأكل منه .

قوله ( وأكل أبو بكر وعمر ) أما أثر أبي بكر فوصله أبو بكر بن أبي شيبة من طريق ابن شهاب عن عروة عن عائشة قالت " لما استخلف أبو بكر قال : قد علم قومي أن حرفتي لم تكن تعجز عن مؤنة أهلي ، وقد شغلت بأمر المسلمين " الحديث وفيه قصة عمر وقد أسنده البخاري في البيوع من هذا الوجه ، وبقيته " فسيأكل آل أبي بكر من هذا المال ويحترف للمسلمين فيه " وفيه " أن عمر لما ولي أكل هو وأهله من المال ، واحترف في مال نفسه " . وأما أثر عمر فوصله ابن أبي شيبة وابن سعد من طريق حارثة بن مضرب بضم الميم وفتح الضاد المعجمة وتشديد الراء بعدها موحدة قال : قال عمر " إني أنزلت نفسي من مال الله بمنزلة قيم اليتيم ، إن استغنيت عنه تركت وإن افتقرت إليه أكلت بالمعروف " وسنده صحيح . وأخرج الكرابيسي بسند صحيح عن الأحنف قال " كنا بباب عمر - فذكر قصة وفيها - فقال عمر : أنا أخبركم بما أستحل : ما أحج عليه وأعتمر ، وحلتي الشتاء والقيظ ، وقوتي وقوت عيالي كرجل من قريش ليس بأعلاهم ولا أسفلهم " ورخص الشافعي وأكثر أهل العلم ، وعن أحمد : لا يعجبني ، وإن كان فبقدر عمله مثل ولي اليتيم ، واتفقوا على أنه لا يجوز الاستئجار عليه .

قوله : ابن أخت نمر ) بفتح النون وكسر الميم بعدها راء ، هو الصحابي المشهور ، تقدم ذكره مرارا من [ ص: 162 ] أقربها في الحدود ، وأدرك من زمان النبي صلى الله عليه وسلم ست سنين وحفظ عنه ، وهو من أواخر الصحابة موتا ، وآخر من مات منهم بالمدينة ، وقيل محمود بن الربيع ، وقيل محمود بن لبيد .

قوله : إن حويطب بن عبد العزى ) أي ابن أبي قيس بن عبد شمس القرشي العامري ، كان من أعيان قريش ، وأسلم في الفتح ، وكان حميد الإسلام ، وكانت وفاته بالمدينة سنة أربع وخمسين من الهجرة وهو ابن مائة وعشرين سنة ، وهو ممن أطلق عليه أنه عاش ستين في الجاهلية وستين في الإسلام تجوزا ، ولا يتم ذلك تحقيقا لأنه إن أريد بزمان الإسلام أول البعثة فيكون عاش فيها سبعا وستين ، أو الهجرة فيكون عاش فيه أربعا وخمسين ، أو زمن إسلامه هو فيكون ستا وأربعين ، والأول أقرب إلى الإطلاق على طريقة جبر الكسر تارة وإلغائه أخرى .

قوله : أن عبد الله بن السعدي ) هو عبد الله بن وقدان بن عبد شمس ، ويقال اسم أبيه عمر ووقدان جده " ويقال قدامة بدل وقدان ، وعبد شمس هو ابن عبدود بن نصر بن مالك بن حسل بن عامر " وهو أيضا من بني عامر بن لؤي من قريش ، وإنما قيل له ابن السعدي لأن أباه كان مسترضعا في بني سعد " ومات عبد الله بالمدينة سنة سبع وخمسين بعد حويطب الراوي عنه بثلاث سنين ، ويقال بل مات في خلافة عمر والأول أقوى " وليس له في البخاري إلا هذا الحديث الواحد ووقع عند مسلم في رواية الليث عن بكير بن الأشج عن بسر بن سعيد عن ابن الساعدي ، وخالفه عمرو بن الحارث عن بكير فقال : عن ابن السعدي " وهو المحفوظ .

( تنبيه ) :

أخرج مسلم أيضا هذا الحديث من طريق عمرو بن الحارث عن الزهري عن السائب بن يزيد عن عبد الله بن السعدي عن عمر ، فلم يسق لفظه بل أحال على سياق رواية سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه ، وسقط من السند حويطب بن عبد العزى بين السائب وابن السعدي ، ووهم المزي في " الأطراف " تبعا لخلف فأثبت حويطب بن عبد العزى في السند في رواية مسلم ، وزعم أنه وقع في روايته " ابن الساعدي " بزيادة ألف " وليس ذلك في شيء من نسخ صحيح مسلم لا إثبات حويطب ولا الألف في الساعدي " وقد نبه على سقوط حويطب من سند مسلم أبو علي الجياني والمازري وعياض وغيرهم ، ولكنه ثابت في رواية عمرو بن الحارث في غير كتاب مسلم أخرجه أبو نعيم في المستخرج ، ووقع عند ابن خزيمة من طريق سلامة عن عقيل عن ابن شهاب " حدثني السائب أن حويطبا أخبره أن عبد الله بن سعد بن أبي سرح أخبره " فذكره ، وهو وهم من سلامة قاله الرهاوي .

قوله : أنه قدم على عمر في خلافته فقال له عمر : ألم أحدث ) بضم أوله وفتح المهملة وتشديد الدال .

قوله ( أنك تلي من أعمال الناس ) أي الولايات من إمرة أو قضاء ، ووقع في رواية بسر بن سعيد عند مسلم " استعملني عمر على الصدقة " فعين الولاية .

قوله : العمالة ) بضم المهملة وتخفيف الميم أي أجرة العمل ، وأما العمالة بفتح العين فهي نفس العمل .

قوله : ما تريد إلى ذلك ) أي ما غاية قصدك بهذا الرد . وقد فسره بقوله " وأريد أن تكون عمالتي صدقة على المسلمين " .

[ ص: 163 ] قوله : فقلت : إن لي أفراسا ) بفاء ومهملة جمع فرس .

قوله ( وأعبدا ) للأكثر بضم الموحدة ، وللكشميهني بمثناة بدل الموحدة جمع عتيد وهو المال المدخر ، وقد تقدم تفسيره في " كتاب الزكاة " . ووقع عند ابن حبان في صحيحه من طريق قبيصة بن ذؤيب أن عمر أعطى ابن السعدي ألف دينار ، فذكر بقية الحديث نحو الذي هنا ، ورويناه الجزء الثالث من " فوائد أبي بكر النيسابوري " الزيادات من طريق عطاء الخراساني عن عبد الله بن السعدي قال : قدمت على عمر فأرسل إلي ألف دينار ، فرددتها وقلت أنا عنها غني " فذكره أيضا بنحوه ، واستفيد منه قدر العمالة المذكورة .

قوله : فإني كنت أردت الذي أردت ) بالفتح على الخطاب .

قوله ( يعطيني العطاء ) أي المال الذي يقسمه الإمام في المصالح ، ووقع في رواية بسر بن سعيد عند مسلم : فإني عملت على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فعملني بتشديد الميم أي أعطاني أجرة عملي فقلت مثل قولك " .

قوله : ( فأقول أعطه أفقر إليه مني ) في رواية سالم " فأقول يا رسول الله " والباقي سواء . قال الكرماني : جاز الفصل بين أفعل التفضيل وبين كلمة " من " لأن الفاصل ليس أجنبيا بل هو ألصق به من الصلة لأنه يحتاج إليه بحسب جوهر اللفظ ، والصلة محتاج إليها بحسب الصيغة .

قوله : فقال النبي صلى الله عليه وسلم : خذه فتموله وتصدق به ) في رواية سالم بن عبد الله " أو تصدق به " بلفظ " أو " بدل الواو ، وهو أمر إرشاد على الصحيح . قال ابن بطال : أشار صلى الله عليه وسلم على عمر بالأفضل ، لأنه وإن كان مأجورا بإيثاره لعطائه عن نفسه من هو أفقر إليه منه فإن أخذه للعطاء ومباشرته للصدقة بنفسه أعظم لأجره ، وهذا يدل على عظيم فضل الصدقة بعد التمول لما في النفوس من الشح على المال .

قوله : غير مشرف ) بضم أوله وسكون المعجمة وكسر الراء بعدها فاء أي متطلع إليه ، يقال أشرف الشيء علاه ، وقد تقدم بيانه في " كتاب الزكاة " في " باب من أعطاه الله شيئا من غير مسألة " .

قوله ( ولا سائل ) أي طالب ، قال النووي : فيه النهي عن السؤال ، وقد اتفق العلماء على النهي عنه لغير الضرورة ، واختلف في مسألة القادر على الكسب والأصح التحريم ، وقيل يباح بثلاث شروط : أن لا يذل نفسه ، ولا يلح في السؤال ، ولا يؤذي المسئول ، فإن فقد شرط من هذه الشروط فهي حرام بالاتفاق .

قوله : فخذه وإلا فلا تتبعه نفسك ) أي إن لم يجئ إليك فلا تطلبه بل اتركه وليس المراد منعه من الإيثار ، بل لأن أخذه ثم مباشرته الصدقة بنفسه أعظم لأجره كما تقدم . قال النووي : هذا الحديث منقبة لعمر وبيان فضله وزهده وإيثاره . قلت : وكذا لابن السعدي فقد طابق فعله فعل عمر سواء ، وفي سند الزهري عن السائب أربعة من الصحابة في نسق السائب وحويطب وابن السعدي وعمر ، وقد أشرت إلى ذلك في الباب المذكور من " كتاب الزكاة " وذكرت أن مسلما أخرجه من طريق عمرو بن الحارث عن الزهري ، وأوهم كلام المزي في " الأطراف " أن رواية شعيب وعمرو بن الحارث متفقتان ، وليس كذلك [ ص: 164 ] فإن حويطب بن عبد العزى سقط من رواية عمرو بن الحارث عند مسلم ، وقد وقعت المقارضة لمسلم والبخاري في هذين الحديثين الرباعيين ، فأورد مسلم الرباعي الذي في سنده أربع نسوة بتمام الأربع ، وأورده البخاري بنقصان واحدة تقدم في أوائل " كتاب الفتن " وأورد البخاري الرباعي الذي في سنده أربعة رجال بتمام الأربعة ، وأورده مسلم بنقصان رجل ، وهذا من لطائف ما اتفق . وقد وافق شعيبا على زيادة حويطب في السند الزبيدي عند النسائي وسفيان بن عيينة عنده ، ومعمر عند الحميدي في مسنده ثلاثتهم عن الزهري ، وقد جزم النسائي وأبو علي بن السكن بأن السائب لم يسمعه من ابن السعدي ، قال النووي : روينا عن الحافظ عبد القادر الرهاوي في كتابه الرباعيات أن الزبيدي وشعيب بن حمزة وعقيل بن خالد ويونس بن يزيد وعمرو بن الحارث رووه عن الزهري بذكر حويطب ، ثم ذكر طرقهم بأسانيد مطولة . قال : ورواه النعمان بن راشد عن الزهري فأسقط ذكر حويطب ، واختلف على معمر فرواه ابن المبارك عنه كالنعمان ، ورواه سفيان بن عيينة وموسى بن أعين عنه كالجماعة ، ورواه عبد الرزاق عن معمر فأسقط اثنين جعله عن السائب عن عمر ، قال : والصحيح الأول . قلت : ومقتضاه أن يكون سقوط حويطب من رواية مسلم وهما منه أو من شيخه ، وإلا فذكره ثابت من رواية غيره كما تقدم والله أعلم ، وقد نظم بعضهم السند المذكور في بيتين فقال :

وفي العمالة إسناد بأربعة من الصحابة فيه عنهم ظهرا     السائب بن يزيد عن حويطب
عبد الله حدثه بذلك عن عمرا



قوله : وعن الزهري قال حدثني سالم ) هو موصول بالسند المذكور أولا إلى الزهري ، وقد أخرج النسائي عن عمرو بن منصور عن أبي اليمان شيخ البخاري فيه الحديثين المذكورين بالسندين المذكورين إلى عمر ، وأما مسلم فإنه لما أخرجه من طريق يونس عن ابن شهاب ساقه على رواية سالم عن أبيه ثم عقبه برواية ابن شهاب عن السائب بن يزيد فقال مثل ذلك ، وليس بين السياقين تفاوت إلا في قصة ابن السعدي عن عمر فلم يسقها مسلم وإلا ما بينته ، وزاد سالم " فمن أجل ذلك كان ابن عمر لا يسأل أحدا شيئا ولا يرد شيئا أعطيه " قلت : وهذا بعمومه ظاهر في أنه كان لا يرد ما فيه شبهة ، وقد ثبت أنه كان يقبل هدايا المختار بن أبي عبيد الثقفي وهو أخو صفية زوج ابن عمر بنت أبي عبيد ، وكان المختار غلب على الكوفة وطرد عمال عبد الله بن الزبير وأقام أميرا عليها مدة في غير طاعة خليفة وتصرف فيما يتحصل منها من المال على ما يراه ، ومع ذلك فكان ابن عمر يقبل هداياه وكان مستنده أن له حقا في بيت المال فلا يضره على أي كيفية وصل إليه ، أو كان يرى أن التبعة في ذلك على الآخذ الأول ، أو أن للمعطي المذكور مالا آخر في الجملة وحقا ما في المال المذكور ، فلما لم يتميز وأعطاه له عن طيب نفس دخل في عموم قوله : ما أتاك من هذا المال من غير سؤال ولا استشراف فخذه " فرأى أنه لا يستثنى من ذلك إلا ما علمه حراما محضا قال الطبري : في حديث عمر الدليل الواضح على أن لمن شغل بشيء من أعمال المسلمين أخذ الرزق على عمله ذلك كالولاة والقضاة وجباة الفيء وعمال الصدقة وشبههم ، لإعطاء رسول الله صلى الله عليه وسلم عمر العمالة على عمله ، وذكر ابن المنذر أن زيد بن ثابت كان يأخذ الأجر على القضاء ، واحتج أبو عبيد في جواز ذلك بما فرض الله للعاملين على الصدقة وجعل لهم منها حقا لقيامهم وسعيهم فيها ، وحكى الطبري عن العلماء هل الأمر في قوله في هذا الحديث " خذه وتموله " للوجوب أو للندب ، ثالثها إن كانت العطية من السلطان فهي حرام أو مكروهة أو مباحة ، وإن كانت من غيره فمستحبة . قال النووي : والصحيح أنه إن غلب الحرام حرمت ، وكذا إن كان مع عدم الاستحقاق وإن لم [ ص: 165 ] يغلب الحرام وكان الآخذ مستحقا فيباح ، وقيل يندب في عطية السلطان دون غيره والله أعلم . وقال ابن المنذر : وحديث ابن السعدي حجة في جواز أرزاق القضاة من وجوهها . وقال ابن بطال : في الحديث أن أخذ ما جاء من المال عن غير سؤال أفضل من تركه لأنه يقع في إضاعة المال ، وقد ثبت النهي عن ذلك . وتعقبه ابن المنير بأنه ليس من الإضاعة في شيء لأن الإضاعة التبذير بغير وجه صحيح ، وأما الترك توفيرا على المعطى تنزيها عن الدنيا وتحرجا أن لا يكون قائما بالوظيفة على وجهها فليس من الإضاعة . ثم قال : والوجه في تعليل الأفضلية أن الآخذ أعون في العمل وألزم للنصيحة من التارك ، لأنه إن لم يأخذ كان عند نفسه متطوعا بالعمل فقد لا يجد جده من أخذ ركونا إلى أنه غير ملتزم بخلاف الذي يأخذ فإنه يكون مستشعرا بأن العمل واجب عليه فيجد جده فيها . وقال ابن التين : وفي هذا الحديث كراهة أخذ الرزق على القضاء مع الاستغناء وأن المال طيبا ، كذا قال : قال وفيه جواز الصدقة بما لم يقبض إذا كان للمتصدق واجبا ، ولكن قوله خذه فتموله وتصدق به يدل على أن التصدق به إنما يكون بعد القبض ، لأن المال إذا ملكه الإنسان وتصدق به طيبة به نفسه كان أفضل من تصدقه به قبل قبضه ، لأن الذي يحصل بيده هو أحرص عليه مما لم يدخل في يده ، فإن استوت عند أحد الحالان فمرتبته أعلى ، ولذلك أمره بأخذه وبين له جواز تموله إن أحب أو التصدق به . قال : وذهب بعض الصوفية إلى أن المال إذا جاء بغير سؤال فلم يقبله فإن الراد له يعاقب بحرمان العطاء . وقال القرطبي في " المفهم " فيه ذم التطلع إلى ما في أيدي الأغنياء والتشوف إلى فضوله وأخذه منهم ، وهي حالة مذمومة تدل على شدة الرغبة في الدنيا والركون إلى التوسع فيها ، فنهى الشارع عن الأخذ على هذه الصورة المذمومة قمعا للنفس ومخالفة لها في هواها انتهى . وتقدمت سائر مباحثه وفوائده في الباب المذكور من " كتاب الزكاة " ولله الحمد .

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث