الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب تحريم الخمر وبيان أنها تكون من عصير العنب ومن التمر والبسر والزبيب وغيرها مما يسكر

1980 حدثني أبو الربيع سليمان بن داود العتكي حدثنا حماد يعني ابن زيد أخبرنا ثابت عن أنس بن مالك قال كنت ساقي القوم يوم حرمت الخمر في بيت أبي طلحة وما شرابهم إلا الفضيخ البسر والتمر فإذا مناد ينادي فقال اخرج فانظر فخرجت فإذا مناد ينادي ألا إن الخمر قد حرمت قال فجرت في سكك المدينة فقال لي أبو طلحة اخرج فاهرقها فهرقتها فقالوا أو قال بعضهم قتل فلان قتل فلان وهي في بطونهم قال فلا أدري هو من حديث أنس فأنزل الله عز وجل ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا إذا ما اتقوا وآمنوا وعملوا الصالحات

التالي السابق


قوله : ( وما شرابهم إلا الفضيخ البسر والتمر ) قال إبراهيم الحربي : الفضيخ أن يفضخ البسر ويصب عليه الماء ويتركه حتى يغلي ، وقال أبو عبيد هو ما فضخ من البسر من غير أن تمسه نار ، فإن كان معه تمر فهو خليط .

وفي هذه الأحاديث التي ذكرها مسلم تصريح بتحريم جميع الأنبذة المسكرة ، وأنها كلها تسمى خمرا ، وسواء في ذلك الفضيخ ، ونبيذ التمر ، والرطب ، والبسر ، والزبيب ، والشعير ، والذرة ، والعسل وغيرها ، وكلها محرمة ، وتسمى خمرا ، هذا مذهبنا وبه قال مالك ، وأحمد والجماهير من السلف والخلف ، وقال قوم من أهل البصرة : إنما يحرم عصير العنب ، ونقيع الزبيب النيء ، فأما المطبوخ منهما ، والنيء والمطبوخ مما سواهما فحلال ما لم يشرب ويسكر ، وقال أبو حنيفة : إنما يحرم عصير ثمرات النخل والعنب ، قال : فسلافة العنب يحرم قليلها وكثيرها إلا أن [ ص: 130 ] يطبخ حتى ينقص ثلثاها .

وأما نقيع التمر والزبيب فقال : تحل مطبوخهما وإن مسته النار شيئا قليلا من غير اعتبار لحد كما اعتبر في سلافة العنب ، قال : والنيء منه حرام ، قال : ولكنه لا يحد شاربه ، هذا كله ما لم يشرب ويسكر ، فإن أسكر فهو حرام بإجماع المسلمين ، واحتج الجمهور بالقرآن والسنة ، أما القرآن فهو أن الله تعالى نبه على أن علة تحريم الخمر كونها تصد عن ذكر الله وعن الصلاة ، وهذه العلة موجودة في جميع المسكرات ، فوجب طرد الحكم في الجميع ، فإن قيل : إنما يحصل هذا المعنى في الإسكار ، وذلك مجمع على تحريمه ، قلنا : قد أجمعوا على تحريم عصير العنب وإن لم يسكر ، وقد علل الله سبحانه تحريمه كما سبق ، فإذا كان ما سواه في معناه وجب طرد الحكم في الجميع ، ويكون التحريم للجنس المسكر ، وعلل بما يحصل من الجنس في العادة ، قال المازني : هذا الاستدلال آكد من كل ما يستدل به في هذه المسألة ، قال : ولنا في الاستدلال طريق آخر ، وهو أن يقول : إذا شرب سلافة العنب عند اعتصارها وهي حلوة لم تسكر فهي حلال بالإجماع ، وإن اشتدت وأسكرت حرمت بالإجماع ، فإن تخللت من غير تخليل آدمي حلت ، فنظرنا إلى مستبدل هذه الأحكام وتجددها عند تجدد الصفات وتبدلها ، فأشعرنا ذلك بارتباط هذه الأحكام بهذه الصفة ، وقام مقام ذلك من التصريح بذلك بالنطق ، فوجب جعل الجميع سواء في الحكم ، وأن الإسكار هو علة التحريم ، هذه إحدى الطريقتين في الاستدلال لمذهب الجمهور . والثانية : الأحاديث الصحيحة الكثيرة التي ذكرها مسلم وغيره ، كقوله صلى الله عليه وسلم : " كل مسكر حرام " وقوله : " نهى عن كل مسكر " وحديث " كل مسكر خمر " وحديث ابن عمر - رضي الله عنهما - الذي ذكره مسلم هنا في آخر كتاب الأشربة : ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : كل مسكر خمر ، وكل مسكر حرام ) وفي رواية له : " كل مسكر خمر ، وكل خمر حرام " وحديث النهي عن كل مسكر أسكر عن الصلاة . والله أعلم .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث