الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

باب من جهر بها

786 أخبرنا عمرو بن عون أخبرنا هشيم عن عوف عن يزيد الفارسي قال سمعت ابن عباس قال قلت لعثمان بن عفان ما حملكم أن عمدتم إلى براءة وهي من المئين وإلى الأنفال وهي من المثاني فجعلتموهما في السبع الطوال ولم تكتبوا بينهما سطر بسم الله الرحمن الرحيم قال عثمان كان النبي صلى الله عليه وسلم مما تنزل عليه الآيات فيدعو بعض من كان يكتب له ويقول له ضع هذه الآية في السورة التي يذكر فيها كذا وكذا وتنزل عليه الآية والآيتان فيقول مثل ذلك وكانت الأنفال من أول ما أنزل عليه بالمدينة وكانت براءة من آخر ما نزل من القرآن وكانت قصتها شبيهة بقصتها فظننت أنها منها فمن هناك وضعتها في السبع الطوال ولم أكتب بينهما سطر بسم الله الرحمن الرحيم حدثنا زياد بن أيوب حدثنا مروان يعني ابن معاوية أخبرنا عوف الأعرابي عن يزيد الفارسي حدثنا ابن عباس بمعناه قال فيه فقبض رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يبين لنا أنها منها قال أبو داود قال الشعبي وأبو مالك وقتادة وثابت بن عمارة إن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكتب بسم الله الرحمن الرحيم حتى نزلت سورة النمل هذا معناه

التالي السابق


أي بالبسملة .

( ما حملكم ) أي ما الباعث والسبب لكم ( عمدتم ) بفتح الميم أي قصدتم ( إلى براءة ) هي سورة التوبة وهي أشهر أسمائها ، ولها أسماء أخرى تزيد على [ ص: 375 ] العشرة قاله الحافظ في الفتح ( وهي من المئين ) أي من ذوات مائة آية قال في المجمع أول القرآن السبع الطوال ثم ذوات المئين أي ذوات مائة آية ثم المثاني ثم المفصل ، انتهى .

( إلى الأنفال وهي من المثاني ) أي من السبع المثاني وهي السبع الطوال . وقال بعضهم المثاني من القرآن ما كان أقل من المئين ويسمى جميع القرآن مثاني لاقتران آية الرحمة بآية العذاب ، وتسمى الفاتحة مثاني لأنها تثنى في الصلاة ، أو ثنيت في النزول . وقال في النهاية : المثاني السور التي تقصر عن المئين وتزيد عن المفصل ، كأن المئين جعلت مبادئ والتي تليها مثاني . انتهى ( فجعلتموهما في السبع الطوال ) بضم ففتح ( ولم تكتبوا بينهما سطر بسم الله الرحمن الرحيم ) قال في المرقاة : توجيه السؤال أن الأنفال ليس من السبع الطوال لقصرها عن المئين لأنها سبع وسبعون آية وليست غيرها لعدم الفصل بينها وبين براءة . 0

( كان النبي صلى الله عليه وسلم مما تنزل عليه الآيات ) وفي رواية الترمذي : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم مما يأتي عليه الزمان ، وهو ينزل عليه السور ذوات العدد ( فيدعو بعض من كان يكتب له ) الوحي كزيد بن ثابت وغيره ( في السورة التي يذكر فيها كذا وكذا ) كقصة هود وحكاية يونس ( وكانت الأنفال من أول ما نزل عليه بالمدينة وكانت براءة من آخر ما نزل من القرآن ) أي فهي مدنية أيضا وبينهما النسبة الترتيبية بالأولية والآخرية ، فهذا أحد وجوه الجمع بينهما ، وكان هذا مستند من قال إنهما سورة واحدة ، وهو ما أخرجه أبو الشيخ عن روق وأبو يعلى عن مجاهد وابن أبي حاتم عن سفيان وابن لهيعة كانوا يقولون إن براءة من الأنفال ، ولهذا لم تكتب البسملة بينهما مع اشتباه طرقهما . ورد بتسمية النبي صلى الله عليه وسلم ، لكل منهما باسم مستقل . قال القشيري : إن الصحيح أن التسمية لم تكن فيها لأن جبرئيل عليه السلام لم ينزل بها فيها . وعن ابن عباس : لم تكتب البسملة في براءة لأنها أمان وبراءة نزلت بالسيف . وعن مالك أن أولها لما سقط سقطت معه البسملة ، فقد ثبت أنها كانت تعدل البقرة لطولها وقيل إنها ثابتة أولها في مصحف ابن مسعود ولا يعول على ذلك ( وكانت [ ص: 376 ] قصتها ) أي براءة ( شبيهة بقصتها ) أي الأنفال ويجوز العكس وهذا وجه آخر معنوي ، ولعل المشابهة في قضية المقاتلة بقوله في سورة براءة : قاتلوهم يعذبهم الله ونحوه ، وفي نبذ العهد بقوله في الأنفال فانبذ إليهم وقال ابن حجر : لأن الأنفال بينت ما وقع له صلى الله عليه وسلم مع مشركي مكة ، وبراءة بينت ما وقع له مع منافقي أهل المدينة . والحاصل أن هذا مما ظهر لي في أمر الاقتران بينهما .

( فظننت أنها ) أي التوبة ( منها ) أي الأنفال ( فمن هناك ) أي لما ذكر من عدم تبيينه ووجوه ما ظهر لنا من المناسبة بينهما ( وضعتهما في السبع الطوال ولم أكتب بينهما سطر بسم الله الرحمن الرحيم ) أي لعدم العلم بأنها سورة مستقلة لأن البسملة كانت تنزل عليه صلى الله عليه وسلم للفصل ولم تنزل ولم أكتب وهذا لا ينافي ما ذكر عن علي رضي الله عنه من الحكمة في عدم نزول البسملة وهو أن ابن عباس سأل عليا رضي الله عنه لم لم تكتب ؟ قال : لأن بسم الله أمان وليس فيها أمان أنزلت بالسيف ، وكانت العرب تكتبها أول مراسلاتهم في الصلح والأمان والهدنة ، فإذا نبذوا العهد ونقضوا الأيمان لم يكتبوها ونزل القرآن على هذا الاصطلاح ، فصارت علامة الأمان وعدمها علامة نقضه ، فهذا معنى قوله أمان ، وقولهم آية رحمة وعدمها عذاب . قال الطيبي : دل هذا الكلام على أنهما نزلتا منزلة سورة واحدة وكمل السبع الطوال بها ، ثم قيل السبع الطوال هي البقرة وبراءة وما بينهما وهو المشهور ، لكن روى النسائي والحاكم عن ابن عباس أنها البقرة والأعراف وما بينهما . قال الراوي : وذكر السابعة فنسيتها وهو يحتمل أن تكون الفاتحة فإنها من السبع المثاني أو هي السبع المثاني ونزلت سبعتها منزلة المئين ، ويحتمل أن تكون الأنفال بانفرادها أو بانضمام ما بعدها إليها . وصح عن ابن جبير أنها يونس وجاء مثله عن ابن عباس ولعل وجهه أن الأنفال وما بعدها مختلف في كونها من المثاني وأن كلا منهما سورة أو هما سورة كذا في المرقاة . وقد استدل على أن البسملة من القرآن بأنها مثبتة في أوائل السور بخط المصحف فتكون من القرآن في الفاتحة ، ولو لم يكن كذلك لما أثبتوها بخط القرآن . قال المنذري : وأخرجه الترمذي وقال هذا حديث حسن لا نعرفه إلا من حديث عوف عن يزيد الفارسي عن ابن عباس ويزيد الفارسي قد روى عن ابن عباس غير حديث ويقال هو يزيد بن هرمز وهذا الذي حكاه الترمذي هو الذي قاله عبد الرحمن بن [ ص: 377 ] مهدي وأحمد بن حنبل وذكر غيرهما أنهما اثنان ، وأن الفارسي غير ابن هرمز وأن ابن هرمز ثقة والفارسي لا بأس به . انتهى . ( حدثني ابن عباس بمعناه ) أي بمعنى الحديث المذكور ( قال فيه ) أي قال مروان في حديثه ( فقبض رسول الله صلى الله عليه وسلم ) أي توفي ( ولم يبين لنا أنها ) أي التوبة ( منها ) أي من الأنفال أو ليست منها ( لم يكتب بسم الله الرحمن الرحيم حتى نزلت سورة النمل ) لأن البسملة فيها جزؤها . وفيه دليل لمن قال : إن البسملة في أوائل السور إنما هي للفصل . قال المنذري : وهذا مرسل .

واعلم أن الأمة أجمعت : أنه لا يكفر من أثبتها ولا من نفاها لاختلاف العلماء فيها بخلاف ما لو نفى حرفا مجمعا عليه أو أثبت ما لم يقل به أحد ، فإنه يكفر بالإجماع ، ولا خلاف أنها آية في أثناء سورة النمل ، ولا خلاف في إثباتها خطا في أوائل السور في المصحف إلا في أول سورة التوبة . وأما التلاوة فلا خلاف بين القراء السبعة في أول فاتحة الكتاب ، وفي أول كل سورة إذا ابتدأ بها القارئ ما خلا سورة التوبة ، وأما في أوائل السور مع الوصل بسورة قبلها فأثبتهاابن كثير وقالون وعاصم والكسائي من القراء في أول كل سورة ، إلا أول سورة التوبة ، وحذفها منهم أبو عمرو وحمزة وورش وابن عامر كذا في النيل .

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث