الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

[ ص: 61 ]

السنة السابعة

" غزوة خيبر "

قال عبد الله بن إدريس ، عن ابن إسحاق : حدثني عبد الله بن أبي بكر ، قال : كان افتتاح خيبر في عقب المحرم ، وقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم في آخر صفر .

قلت : وكذا رواه ابن إسحاق عن غير عبد الله بن أبي بكر .

وذكر الواقدي ، عن شيوخه ، في خروج النبي صلى الله عليه وسلم إلى خيبر : في أول سنة سبع .

وشذ الزهري فقال ، فيما رواه عنه موسى بن عقبة في مغازيه ، قال : ثم قاتل رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم خيبر من سنة ست . وهذا لا يصح إلا إذا جعلنا ذلك في السنة السادسة من ساعة قدومه المدينة ، والله أعلم .

وخيبر : بليدة على ثمانية برد من المدينة .

قال وهيب : حدثنا خثيم بن عراك ، عن أبيه ، عن نفر من بني غفار ، قالوا : إن أبا هريرة قدم المدينة وقد خرج النبي صلى الله عليه وسلم إلى خيبر ، واستخلف على المدينة سباع بن عرفطة الغفاري . قال أبو هريرة : فوجدناه في صلاة الصبح ، فقرأ في الركعة الأولى ( كهيعص ( 1 ) ) [ مريم ] ، وقرأ في الثانية ( ويل للمطففين ( 1 ) ) [ المطففين ] . قال أبو [ ص: 62 ] هريرة : فأقول في صلاتي : ويل لأبي فلان له مكيالان ، إذا اكتال اكتال بالوافي ، وإذا كال كال بالناقص . قال : فلما فرغنا من صلاتنا أتينا سباع بن عرفطة فزودنا شيئا حتى قدمنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد فتح خيبر ، فكلم المسلمين فأشركونا في سهمانهم .

وقال مالك ، عن يحيى بن سعيد ، عن بشير بن يسار : أخبرني سويد بن النعمان ، أنه خرج مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عام خيبر ، حتى إذا كانوا بالصهباء - وهي أدنى خيبر - صلى العصر ، ثم دعا بأزواد فلم يؤت إلا بالسويق ، فأمر به فثري ، فأكل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأكلنا . ثم قام إلى المغرب فمضمض ومضمضنا ، ثم صلى ولم يتوضأ . أخرجه البخاري .

وقال حاتم بن إسماعيل ، عن يزيد بن أبي عبيد ، عن سلمة ، قال : خرجنا مع النبي صلى الله عليه وسلم إلى خيبر فسرنا ليلا . فقال رجل من القوم لعامر بن الأكوع : ألا تسمعنا من هنيهاتك ؟ وكان عامر رجلا شاعرا فنزل يحدو بالقوم ويقول :


اللهم لولا أنت ما اهتدينا ولا تصدقنا ولا صلينا     فاغفر فداء لك ما اقتفينا
وثبت الأقدام إن لاقينا     وألقين سكينة علينا
إنا إذا صيح بنا أتينا


وبالصياح عولوا علينا

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من هذا السائق " ؟ قالوا : عامر . قال : " يرحمه الله " قال رجل من القوم : وجبت يا رسول الله ، لولا أمتعتنا به . فأتينا خيبر فحاصرهم ، حتى أصابتنا مخمصة شديدة . فلما أمسى [ ص: 63 ] الناس مساء اليوم الذي فتحت عليهم أوقدوا نيرانا كثيرة ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ما هذه النيران على أي شيء توقد " ؟ قالوا : على لحم حمر إنسية . فقال : " أهريقوها واكسروها " فقال رجل : أو يهريقوها ويغسلوها . قال : أو ذاك .

قال : فلما تصاف القوم كان سيف عامر فيه قصر ، فتناول به ساق يهودي ليضربه ، فيرجع ذباب سيفه فأصاب عين ركبة عامر ، فمات منه . فلما قفلوا قال سلمة ، وهو آخذ بيدي لما رآني رسول الله صلى الله عليه وسلم ساكتا ، قال : ما لك ؟ قلت : فداك أبي وأمي ، زعموا أن عامرا حبط عمله . قال : من قاله ؟ قلت : فلان وفلان وأسيد بن حضير . فقال : كذب من قاله ، له أجران ، وجمع بين أصبعيه ، إنه لجاهد مجاهد قل عربي مشى بها مثله متفق عليه .

وقال مالك ، عن حميد ، عن أنس ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين خرج إلى خيبر أتاها ليلا . وكان إذا أتى قوما بليل لم يغر حتى يصبح . فلما أصبح خرجت يهود بمساحيهم ومكاتلهم ، فلما رأوه قالوا : محمد والله ، محمد والخميس . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " الله أكبر خربت خيبر . إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين " أخرجه البخاري . وأخرجاه من حديث ابن صهيب ، عن أنس .

وقال غير واحد : شعبة ، وابن فضيل ، عن مسلم الملائي ، عن أنس ، قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعود المريض ، ويتبع الجنازة ، ويجيب [ ص: 64 ] دعوة المملوك ، ويركب الحمار ، ولقد رأيته يوم خيبر على حمار خطامه ليف .

وقال يعقوب بن عبد الرحمن ، عن أبي حازم : أخبرني سهل بن سعد ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يوم خيبر : لأعطين الراية غدا رجلا يفتح الله على يديه يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله . قال : فبات الناس يدوكون ليلتهم أيهم يعطاها ؟ فلما أصبح الناس غدوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، كلهم يرجو أن يعطاها . فقال : أين علي بن أبي طالب ؟ قيل : هو يا رسول الله يشتكي عينيه . قال : فأرسلوا إليه . فأتي به فبصق رسول الله في عينيه ودعا له ، فبرأ حتى كأن لم يكن به وجع . فأعطاه الراية ، فقال علي : يا رسول الله أقاتلهم حتى يكونوا مثلنا ؟ قال : " انفذ على رسلك حتى تنزل بساحتهم ، ثم ادعهم إلى الإسلام وأخبرهم بما يجب عليهم من حق الله فيه ، فوالله لأن يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك من أن يكون لك حمر النعم " . أخرجاه عن قتيبة ، عن يعقوب .

وقال سهيل بن أبي صالح ، عن أبيه ، عن أبي هريرة ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لأعطين الراية غدا رجلا يحب الله ورسوله ، يفتح الله على يديه " فقال عمر : فما أحببت الإمارة قط حتى يومئذ . فدعا عليا فبعثه ، ثم قال : " اذهب فقاتل حتى يفتح الله عليك ولا تلتفت " قال علي : علام أقاتل الناس ؟ قال : " قاتلهم حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله . فإذا فعلوا ذلك فقد منعوا دماءهم وأموالهم إلا بحقها ، وحسابهم على الله " . أخرجه مسلم ، وأخرجا نحوه من [ ص: 65 ] حديث سلمة بن الأكوع .

وقال عكرمة بن عمار : حدثني إياس بن سلمة بن الأكوع ، قال : حدثني أبي أن عمه عامرا حدا بهم ، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : غفر لك ربك . قال : وما خص بها أحد إلا استشهد . فقال عمر : هلا متعتنا بعامر ؟ فقدمنا خيبر ، فخرج مرحب وهو يخطر بسيفه ، ويقول :


قد علمت خيبر أني مرحب     شاكي السلاح بطل مجرب


إذا الحروب أقبلت تلهب

فبرز له عامر ، وهو يقول :


قد علمت خيبر أني عامر     شاكي السلاح بطل مغامر

قال : فاختلفا ضربتين ، فوقع سيف مرحب في ترس عامر ، فذهب عامر يسفل له ، فرجع بسيفه على نفسه فقطع أكحله ، وكانت فيها نفسه قال سلمة : فخرجت فإذا نفر من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يقولون : بطل عمل عامر ، قتل نفسه . فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا أبكي ، قال : " ما لك " ؟ فقلت : قالوا إن عامرا بطل عمله . قال : " من قال ذلك " ؟ قلت : نفر من أصحابك . فقال : " كذب أولئك بل له من الأجر مرتين " قال : فأرسل إلى علي يدعوه وهو أرمد فقال : لأعطين الراية اليوم رجلا يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله . قال : فجئت به أقوده . قال : فبصق رسول الله صلى الله عليه وسلم في عينيه فبرأ ، فأعطاه الراية . قال : فبرز مرحب وهو يقول :


قد علمت خيبر أني مرحب     شاكي السلاح بطل مجرب


إذا الحروب أقبلت تلهب

قال : فبرز له علي رضي الله عنه وهو يقول :

[ ص: 66 ]

أنا الذي سمتني أمي حيدره     كليث غابات كريه المنظره


أوفيهم بالصاع كيل السندره

فضرب مرحبا ففلق رأسه فقتله ، وكان الفتح . أخرجه مسلم .

، وقال البكائي : قال ابن إسحاق ، فحدثني محمد بن إبراهيم التيمي ، عن أبي الهيثم بن نصر الأسلمي أن أباه حدثه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول - في مسيره لخيبر - لعامر بن الأكوع : خذ لنا من هناتك فنزل يرتجز ، فقال :


والله لولا الله ما اهتدينا     ولا تصدقنا ولا صلينا
إنا إذا قوم بغوا علينا     وإن أرادوا فتنة أبينا
فأنزلن سكينة علينا     وثبت الأقدام إن لاقينا

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : يرحمك الله . فقال عمر : وجب والله يا رسول الله ، لو أمتعتنا به . فقتل يوم خيبر شهيدا .

وقال يونس بن بكير عن ابن إسحاق : حدثني بريدة بن سفيان بن فروة الأسلمي ، عن أبيه ، عن سلمة بن الأكوع ، قال : فخرج علي رضي الله عنه بالراية يهرول وإنا نخلفه حتى ركزها في رضم من حجارة تحت الحصن . فاطلع إليه يهودي من رأس الحصن فقال : من أنت ؟ قال : أنا علي بن أبي طالب : فقال اليهودي : غلبتم - وعند البكائي : علوتم - وما أنزل على موسى . فما رجع حتى فتح الله عليه .

وقال يونس بن بكير ، عن المسيب بن مسلم الأزدي : حدثنا عبد الله [ ص: 67 ] بن بريدة ، عن أبيه ، قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ربما أخذته الشقيقة فيلبث اليوم واليومين لا يخرج ، ولما نزل خيبر أخذته الشقيقة فلم يخرج إلى الناس ، وأن أبا بكر أخذ راية رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم نهض فقاتل قتالا شديدا ، ثم رجع . فأخذها عمر فقاتل قتالا شديدا هو أشد من القتال الأول ، ثم رجع فأخبر بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : " لأعطينها غدا رجلا يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله يأخذها عنوة ، وليس ثم علي . فتطاولت لها قريش ، رجا كل منهم أن يكون صاحب ذلك . فأصبح وجاء علي بعير حتى أناخ قريبا ، وهو أرمد قد عصب عينه بشق برد قطري . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ما لك " ؟ قال : رمدت بعدك ، قال : " ادن مني " فتفل في عينه ، فما وجعها حتى مضى لسبيله ، ثم أعطاه الراية فنهض بها ، وعليه جبة أرجوان حمراء قد أخرج خملها ، فأتى مدينة خيبر .

وخرج مرحب صاحب الحصن وعليه مغفر مظهر يماني وحجر قد ثقبه مثل البيضة على رأسه ، وهو يرتجز ، فارتجز علي واختلفا ضربتين ، فبدره علي بضربة ، فقد الحجر والمغفر ورأسه ووقع في الأضراس ، وأخذ المدينة .

وقال عوف الأعرابي ، عن ميمون أبي عبد الله الأزدي ، عن ابن بريدة ، عن أبيه ، قال : فاختلف مرحب وعلي ضربتين ، فضربه علي على هامته حتى عض السيف بأضراسه . وسمع أهل العسكر صوت ضربته . [ ص: 68 ] وما تتام آخر الناس مع علي حتى فتح الله له ولهم .

وقال يونس ، عن ابن إسحاق : حدثني عبد الله بن الحسن ، عن بعض أهله ، عن أبي رافع مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال : خرجنا مع علي حين بعثه النبي صلى الله عليه وسلم برايته . فلما دنا من الحصن خرج إليه أهله فقاتلهم ، فضربه رجل من يهود فطرح ترسه من يده ، فتناول علي باب الحصن فترس به عن نفسه ، فلم يزل في يده وهو يقاتل حتى فتح الله عليه . ثم ألقاه من يده فلقد رأيتني مع نفر سبعة أنا ثامنهم ، نجهد أن نقلب ذلك الباب فما استطعنا أن نقلبه .

رواه البكائي ، عن ابن إسحاق ، عن أبي رافع منقطعا ، وفيه : فتناول علي بابا كان عند الحصن . والباقي بمعناه .

وقال إسماعيل بن موسى السدي : حدثنا مطلب بن زياد ، عن ليث بن أبي سليم ، عن أبي جعفر محمد بن علي ، قال : دخلت عليه ، فقال : حدثني جابر بن عبد الله أن عليا حمل الباب يوم خيبر حتى صعد المسلمون عليه ، فافتتحوها ، وأنه خرب بعد ذلك فلم يحمله أربعون رجلا .

تابعه فضيل بن عبد الوهاب ، عن مطلب .

وقال يونس بن بكير ، عن محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى ، عن الحكم ، والمنهال بن عمرو ، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى ، قال : كان علي يلبس في الحر والشتاء القباء المحشو الثخين وما يبالي الحر ، فأتاني أصحابي فقالوا : إنا قد رأينا من أمير المؤمنين شيئا فهل رأيته ؟ فقلت : وما هو ؟ قالوا : رأيناه يخرج علينا في الحر الشديد في القباء [ ص: 69 ] المحشو وما يبالي الحر ، ويخرج علينا في البرد الشديد في الثوبين الخفيفين وما يبالي البرد ، فهل سمعت في ذلك شيئا ؟ فقلت : لا . فقالوا : سل لنا أباك فإنه يسمر معه . فسألته فقال : ما سمعت في ذلك شيئا . فدخل عليه فسمر معه فسأله فقال علي : أوما شهدت معنا خيبر ؟ قال : بلى . قال : فما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم حين دعا أبا بكر فعقد له وبعثه إلى القوم ، فانطلق فلقي القوم ، ثم جاء بالناس وقد هزموا ؟ فقال : بلى . قال : ثم بعث إلى عمر فعقد له وبعثه إلى القوم ، فانطلق فلقي القوم فقاتلهم ثم رجع وقد هزم ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم عند ذلك : " لأعطين الراية رجلا يحبه الله ورسوله ويحب الله ورسوله يفتح الله عليه غير فرار " ، فدعاني فأعطاني الراية ، ثم قال : اللهم اكفه الحر والبرد ، فما وجدت بعد ذلك حرا ولا بردا .

وقال أبو عوانة ، عن مغيرة الضبي ، عن أم موسى ، قالت : سمعت عليا يقول : ما رمدت ولا صدعت مذ دفع إلي رسول صلى الله عليه وسلم الراية يوم خيبر .

رواه أبو داود الطيالسي في مسنده .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث