الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

تفسير قوله تعالى وهو الذي أنشأ جنات معروشات وغير معروشات والنخل والزرع مختلفا أكله

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

( وهو الذي أنشأ جنات معروشات وغير معروشات والنخل والزرع مختلفا أكله والزيتون والرمان متشابها وغير متشابه كلوا من ثمره إذا أثمر وآتوا حقه يوم حصاده ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين ومن الأنعام حمولة وفرشا كلوا مما رزقكم الله ولا تتبعوا خطوات الشيطان إنه لكم عدو مبين ثمانية أزواج من الضأن اثنين ومن المعز اثنين قل آلذكرين حرم أم الأنثيين أما اشتملت عليه أرحام الأنثيين نبئوني بعلم إن كنتم صادقين ومن الإبل اثنين ومن البقر اثنين قل آلذكرين حرم أم الأنثيين أما اشتملت عليه أرحام الأنثيين أم كنتم شهداء إذ وصاكم الله بهذا فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا ليضل الناس بغير علم إن الله لا يهدي القوم الظالمين ) [ ص: 116 ] هذه الآيات إلى تمام العشر بعدها في تتمة سياق مسألة تحريم المشركين ما لم يحرم الله تعالى من الأنعام وغيرها من الأغذية وما يتعلق به ، وقد قلنا : إنه ذكر في هذه السورة المنزلة في أصول الدين وما يقابلها من أصول الشرك والكفر ; لأنه من هذه الأصول لا لمجرد كونه من جهالاتهم وضلالاتهم العملية ، ذلك أصل الدين الأعظم توحيد الله تعالى باعتقاد الألوهية والربوبية له وإفراده بالعبادة ، وحق التشريع بأن نؤمن بأنه لا رب ولا خالق غيره ولا إله يعبد معه أو من دونه ، ولا شارع سواه لعبادة ولا حلال ولا حرام ، وفي هذه العقيدة منتهى تكريم الإنسان . فتأمل ذلك كله في هذه الآيات البينات .

( وهو الذي أنشأ جنات معروشات وغير معروشات والنخل والزرع ) الإنشاء إيجاد الأحياء وتربيتها ، وكذا كل ما يكمل بالتدريج كإنشاء السحاب وكتب العلم والشعر والدور والجنات البساتين والكروم الملتفة الأشجار بحيث تجن الأرض وتسترها . والمعروشات المسموكات على العرائش وهي ما يرفع من الدعائم ويجعل عليها مثل السقوف من العيدان والقصب . ومادة عرش تدل على الرفع ومنها عرش الملك . والمعروشات معروفة عند العامة والخاصة ، يقال : عرش دوالي العنب عرشا وعروشا وعرشها تعريشا إذا رفعها على العريش . ويقال : عرشت الدوالي تعرش ( بكسر الراء ) إذا ارتفعت بنفسها . وعن ابن عباس : أن المعروشات ما يعرش من الكرم وغيره ، وغير المعروشات ما لا يعرش منها ، وفي رواية عنه أن الأول : ما عرش الناس أي في الأرياف والعمران . والثاني ما خرج في الجبال والبرية من الثمرات . والمعهود أن الكرم منه ما يعرش ومنه ما يترك منبسطا على الأرض ، وكله من جنس المعروشات التي أودع الله فيها خاصية التسلق والاستمساك بما تتسلق عليه من عريش مصنوع أو شجر أو جدار ونحوه ، فالمتبادر من صيغة الجمع في القسمين أن المراد بالأول أنواع المعروشات بالقوة كالكرم وإن لم يوجد ما تعرش عليه بالفعل ، وبالثاني غير المعروشات من سائر أنواع الشجر الذي يستوي على سوقه ولا يتسلق على غيره ، وخصهما بعضهم بالكرم . وعلى هذا يكون عطف النخل عليه وقرنه به لأنه قسيمه في كون ثمرهما من أصول الأقوات وقرينه فيما سيأتي بيانه من الفوائد والشبه . وأما على القول بأن النخل من قسم الجنات غير المعروشات فيكون ذكره تخصيصا له من إفراد العام لما فيه من المنافع الكثيرة ولا سيما للعرب ، فإن بسره ورطبه فاكهة وغذاء وثمره من أفضل الأقوات التي تدخر ، وأيسرها تناولا في السفر والحضر ، ليس فيه مؤنة ولا يحتاج إلى طبخ ولا معالجة ، ونواه علف للرواحل ، ولهم منه شراب حلال لذيذ إذا نبذ في الماء زمنا قليلا - وهو النبيذ أي النقوع - وكان أكثر خمرهم منه ومن بسره ( ولا منة في الرجس ) دع ما في جريد النخل وليفه من المنافع والفوائد ، فهو بمجموع هذه [ ص: 117 ] المزايا يفضل الكرم الذي هو أقرب الشجر منه وأشبههه به شكلا ولونا في عنبه وزبيبه ومنافعه تفكها وتغذيا وتحليا وشربا :

ثم عطف عليه الزرع وهو النبات الذي يكون بحرث الناس ، وهو عام لكل ما يزرع على القول بالعموم فيما قبله . وأما على القول بتخصيص الجنات بالكرم فينبغي أن يخص بما يأتي منه القوت كالقمح والشعير ، ويكون ترتيب المعطوفات على طريقة الترقي من الأدنى في التغذية واقتيات الناس إلى الأعلى والأعم ، فإن الحبوب هي التي عليها معول أكثر البشر في أقواتهم ، وهذا عكس الترتيب في قوله تعالى : ( وهو الذي أنزل من السماء ماء فأخرجنا به نبات كل شيء فأخرجنا منه خضرا نخرج منه حبا متراكبا ومن النخل من طلعها قنوان دانية وجنات من أعناب والزيتون والرمان مشتبها وغير متشابه ) ( 99 ) فترتيب الأقوات في هذه الآية على طريق التدلي من الأعلى في الاقتيات إلى الأدنى فالأدنى ، والفرق بينهما أن هذه جاءت في مقام سرد الآيات الكونية على وحدانية الله وقدرته وحكمته ورحمته بعباده‌‌ ، وقبلها آيات في آياته في العالم العلوي وفي خلق الإنسان وهو دونه ، وعالم النبات أدنى منهما ، فروعي التدلي في أنواعه كما روعي فيما بينه وبين ما قبله . والمقام في الآية التي نفسرها وما بعدها مقام ذكر الأقوات لبيان شرع منشئها في إباحتها ، في مقابلة ضلال المشركين فيما ذكر قبلها من التحليل والتحريم بأهواء الشرك وهو قوله : ( وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيبا ) إلخ فقدم هنالك الحرث على الأنعام لأن ضلالهم فيه أقل من ضلالهم فيها . وجرى هنا على هذا الترتيب فذكر الحرث أولا لما ذكر ، وترقى إلى ذكر الأنعام لكثرة ضلالهم فيها وما يحتاج إليه من تفصيل القول الحق في ذلك ، وهو انتقال من المهم إلى الأهم في المعنى المراد ، وتأخير لما اقتضت الحال إطالة القول فيه على الأصل . فحسن الترقي في ذكر أنواع الأقوات النباتية تفصيلا كما حسن فيما بينها بجملتها وبين الأقوات الحيوانية ، ولما ذكرنا من اختلاف المقام في الآيتين قال في آية : ( انظروا إلى ثمره ) ( 99 ) وقال هنا : ( كلوا من ثمره ) ولم أر أحدا تعرض لهذه النكت هنا .

أنشأ تعالى ما ذكر ( مختلفا أكله ) الأكل ما يؤكل وفيه لغتان : ضم الهمزة والكاف وبه قرأ جمهور القراء ، وسكون الكاف مع ضم الهمزة وبه قرأ نافع وابن كثير ، والضمير فيه قيل : إنه راجع إلى الزرع ومنه يعلم حكم ما قبله ، وقيل : بالعكس ، والأرجح أنه راجع إلى كل ما قبله ، والمعنى أنه أنشأ ما ذكر من الجنات والنخل والزرع حال كونه مختلفا ثمره الذي يؤكل منه في شكله ولونه وطعمه وريحه عندما يوجد ، أي قدر الاختلاف فيه عند إنشائه ، فهو كقوله تعالى في سورة يس بعد ذكر الحب وجنات النخيل والأعناب : ( ليأكلوا من ثمره ) ( 36 : 35 ) [ ص: 118 ] أي ثمر المذكور . قاله الزمخشري وجها واستشهد له ولمثله في آيات أخرى بقول رؤبة بن العجاج :


فيها خطوط من سواد وبلق كأنه في الجلد توليع البهق



وقال إنه قيل له في ذلك ، أي لم قال : " كأنه " ولم يقل " كأنها " وهي جمع مؤنث ؟ فقال : أردت كأن ذلك . والذي راجعه فيه هو الراوية أبو عبيدة .

( والزيتون والرمان مشتبها وغير متشابه ) أي وأنشأ الزيتون والرمان متشابها في المنظر وغير متشابه في المطعم قاله ابن جريج ، قيل : إن المراد التشابه بين الزيتون والرمان في شكل الورق دون الثمر ، وقيل : بل المراد ما بين أنواع الرمان من التشابه في الشجر والتمر ، مع التفاوت في الطعم من حلو وحامض ومر ، وفي لون الحب من أحمر قانئ قمد أو فقاعي وأبيض ناصع أو أزهر مشرب بحمرة . ويراجع في هذا وفي مكان الزيتون والرمان مما ذكر قبله تفسير الآية ( 99 ) من هذه السورة ومنه تعلم وجه تخصيص هذين النوعين بالذكر .

( كلوا من ثمره إذا أثمر ) أي كلوا من ثمر ذلك الذي ذكر من أول الآية على ما اخترناه في قوله مختلفا أكله وسيأتي معنى هذا الشرط . وقد قالوا : إن الأمر هنا للإباحة ، أي بعد أن آذن الله تعالى عباده بأنه هو الذي أنشأ لهم ما في الأرض من الشجر والنبات الذي يستغلون منه أقواتهم ، آذنهم بأنه أباحه كله لهم فليس لأحد غيره أن يحرم شيئا منه عليهم ; لأن التحريم حق للرب الخالق للعباد وللأقوات جميعا ، فمن انتحله لنفسه فقد جعل نفسه شريكا له تعالى ، ومن أذعن لتحريم غير الله وأطاعه فيه فقد أشركه معه سبحانه وتعالى ، كما علم من تفسير الآيات التي قبل هذه ، ويؤكده ما في الآيات بعدها ، والكلام في التحريم الديني كما هو ظاهر . وأما منع بعض الناس من بعض هذا الثمر لسبب غير التشريع الديني فلا شرك فيه ، وقد يوافق بعض أدلة الشرع فيكون منعا شرعيا ، أي تحريما كمنع الطبيب بعض المرضى من أكل الخبز أو الثمر لأنه يضره ، فمن ثبت عنده بشهادة الطبيب الثقة أن التمر يضره مثلا حرم عليه أن يأكله ، وهذا التحريم ليس تشريعا من الطبيب بل الله تعالى هو الذي حرم كل ضار ، وإنما الطبيب معرف للمريض بأنه ضار ، فلا فرق بينه وبين من يخبر بأن هذا الطعام قد طبخ بلحم الخنزير أو لحم كبش أهل به لغير الله فيحرم على كل من صدقه أكله ما لم يكن مضطرا إليه . وكذلك منع السلطان من صيد بعض الطير في بعض الأحوال للمصلحة العامة ، كالحاجة إلى كثرته في حفظ بعض الزرع لأنه يأكل الحشرات المهلكة له مثلا . ولكن مثل هذين ليس تحريما ذاتيا لما ذكر يدوم بدوامه بل موقتا بدوام [ ص: 119 ] سببه ، ولا هو مبني على أن للسلطان أن يحرم شيئا بمحض إرادته ، وإنما هو مكلف شرعا بصيانة المصالح ودرء المفاسد ، فإذا أخطأ في اجتهاده بشيء من ذلك وجب على الأمة الإنكار عليه ووجب عليه الرجوع إلى الحق .

وقوله : ( إذا أثمر ) لإفادة أن أول وقت إباحة الأكل وقت إطلاع الشجر الثمر والزرع الحب لئلا يتوهم أنه لا يباح إلا إذا أدرك وأينع ، وفي آية أخرى ( انظروا إلى ثمره إذا أثمر وينعه ) فالكرم ينتفع بثمره حصرما فعنبا فزبيبا ، والنخل يؤكل ثمره بسرا فرطبا فتمرا ، والقمح يؤكل حبه فريكا قبل يبسه ، وأكله برا مطبوخا أو طحنه وجعله خبزا . وقيل : إن المراد إباحة الأكل منه قبل أداء حقه الذي أمر به في قوله :

( وآتوا حقه يوم حصاده ) أي وأعطوا الحق المعلوم من الزرع وغيره لمستحقيه من ذوي القربى واليتامى والمساكين زمن حصاده في جملته بحسب العرف ، لا كل طائفة منه ولا بعد تنقيته وفيه تغليب الحصاد الخاص بالزرع في الأصل فيدخل فيه جني العنب وصرم النخل ، كتغليب الثمر فيما قبله لإدخال حب الحصيد فيه وهو في الأصل خاص بالشجر ، وهذه مقابلة تشبه الاحتباك جديرة بأن تعد نوعا خاصا من أنواع البديع .

أخرج ابن المنذر والنحاس وأبو الشيخ وابن مردويه عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله : ( وآتوا حقه يوم حصاده ) قال : " ما سقط من السنبل " وقال مجاهد فيه : إذا حصدت فحضرك المساكين فاطرح لهم من السنبل ، فإذا طيبته وكرمته فحضرك المساكين فاطرح لهم منه ، فإذا دسته وذريته فحضرك المساكين فاطرح لهم منه فإذا ذريته وجمعته وعرفت كيله فاعزل زكاته . وإذا بلغ النخل وحضرك المساكين فاطرح لهم من التفاريق والبسر ، فإذا جددته ( أي قطعته ) فحضرك المساكين فاطرح لهم منه فإذا جمعته وعرفت كيله فاعزل زكاته . وعن ميمون بن مهران ويزيد بن الأصم : أن أهل المدينة كانوا إذا صرموا النخل يجيئون بالعذق فيضعونه في المسجد فيجيء السائل فيضربه بالعصا فيسقط منه فهو قوله : ( وآتوا حقه يوم حصاده ) وعن سعيد بن جبير قال : كان هذا قبل أن تنزل الزكاة ، الرجل يعطي من زرعه ويعلف الدابة ويعطي اليتامى والمساكين ويعطي الضغث . يعني أن هذا الأمر في الصدقة المطلقة غير المحدودة المعينة ويؤيده أن السورة مكية والزكاة المحدودة فرضت بالمدينة في السنة الثانية من الهجرة . وقيل : إنه في الزكاة المفروضة [ ص: 120 ] المحدودة في الأقوات التي هي العشر وربع العشر ، وقد روي عن أنس بن مالك وهو إحدى الروايتين عن ابن عباس وهو قول الحسن ، وطاوس ، وزيد بن أسلم وغيرهم ويرد عليه الإجماع على أن السورة مكية ولم يصح استثناء هذه الآية منها إلا أن يقال : مرادهم أن الإطلاق فيها قيد بعد الهجرة بالمقادير التي بينتها الزكاة كأمثالها من الآيات المكية التي ورد فيها الأمر بالزكاة ، وقد صرح بعضهم بأن الزكاة المقيدة المعروفة نسخت فرضية الزكاة المطلقة ، والنسخ عند السلف أعم من النسخ في عرف الأصوليين فيدخل فيه تخصيص العام .

أخرج سعيد بن منصور ، وابن أبي شيبة ، وابن المنذر ، وابن أبي حاتم ، والنحاس ، والبيهقي في سننه عن ابن عباس في قوله تعالى : ( وآتوا حقه يوم حصاده ) قال : نسخها العشر ونصف العشر . وأخرج ابن أبي شيبة ، وابن أبي حاتم ، عن عطية العوفي فيها قال : كانوا إذا حصد وإذا درس وإذا غربل أعطوا منه شيئا فنسخها العشر ونصف العشر . وأخرج ابن أبي شيبة ، وعبد بن حميد ، وأبو داود في ناسخه وابن المنذر عن سفيان قال : سألت السدي عن هذه الآية قال : هي مكية نسخها العشر ونصف العشر . قلت له عمن ؟ قال : عن العلماء أي علماء الصحابة والتابعين وهذا هو الصواب ومعناه نسخ فرضيتها المطلقة فلم يبق بعد فرض الزكاة المحدودة إلا صدقة التطوع كما هو صريح قول النبي صلى الله عليه وسلم للأعرابي لما سأله بعد أن أخبره بالزكاة المفروضة : هل علي غيرها ؟ قال صلى الله عليه وسلم ( لا إلا أن تطوع ) على أن الزكاة المحدودة المعينة لا يمكن أداؤها يوم الحصاد ، وما تأولوه في ذلك فهو تكلف فإن قلت : أليس إطعام المعدم المضطر واجبا على من علم بحاله ؟ قلنا الكلام في الحق الواجب على الأعيان في الأموال بشروطها المعروفة ، وإغاثة المضطر من الواجبات الكفائية العارضة لا العينية الثابتة . والحصاد - بفتح الحاء وكسرها - مصدر حصد الزرع إذا جزه أي قطعه كما قال في الأساس ، قرأه ابن كثير ونافع وحمزة بالكسر والباقون بالفتح .

واستدل الرازي على زعمه أن حمل الآية على الزكاة المحدودة أصح بأنه إنما يحسن ذكر قوله تعالى : ( وآتوا حقه ) إذا كان ذلك الحق معلوما قبل نزوله ، لئلا تبقى الآية مجملة . ( قال ) : وقد قال عليه الصلاة والسلام : " ليس في المال حق سوى الزكاة " فوجب أن يكون المراد بهذا الحق حق الزكاة اهـ .

ونقول : إن الحق المراد بها كان معلوما عندهم وهو الصدقة المطلقة المعتادة التي ذكرنا بعض الروايات عن السلف فيها ، والحديث الذي ذكره رواه ابن ماجه عن فاطمة بنت قيس [ ص: 121 ] بسند ضعيف لا يحتج به على أنه صريح في أنه ورد بعد فرض الزكاة بالمدينة ، فلا يمكن تحكيمه في تفسير آية مكية نزلت قبل فرض الزكاة المذكورة .

ثم قال الرازي : قوله تعالى : ( وآتوا حقه يوم حصاده ) بعد ذكر الأنواع الخمسة وهو العنب والنخل والزرع والزيتون والرمان يدل على وجوب الزكاة في الكل ، وهذا يقتضي وجوب الزكاة في الثمار كما كان يقوله أبو حنيفة رحمه الله . فإن قالوا لفظ الحصاد مخصوص بالزرع فنقول : لفظ الحصد في أصل اللغة غير مخصوص بالزرع ، والدليل عليه أن الحصد في اللغة عبارة عن القطع وذلك يتناول الكل ، وأيضا الضمير في قوله : ( يوم حصاده ) يجب عوده إلى أقرب المذكورات وذلك هو الزيتون والرمان ، فوجب أن يكون الضمير عائدا إليه . انتهى بعبارته السقيمة ، وخطأ المعنى فيها أشنع من خطأ العبارة ، فليست الآية في الزكاة ، والحصد في اللغة : جز الزرع لا مطلق القطع ، وإنما يطلق على غيره مجازا أو تغليبا ، فجني الزيتون ليس من الحصد ولا القطع ، وليس عود الضمير إلى آخر ما ذكر في الآية واجبا ، والآخر هو الرمان ، فإن لم يعد الضمير إليه وحده لاستحالة أن يكون هو الذي ثبت الحق فيه وحده ، فالظاهر رجوعه إلى جملة المذكورات بتقدير اسم الإشارة كما مر قريبا ، أو إلى ما يحصد منه حقيقة لا تغليبا وهو الزرع ، والأول هو الذي يريده التفسير المأثور . ثم إن إيجابه رجوع الضمير إلى الأخير يبطل أصل دعواه وهو أن الآية تدل على وجوب الزكاة في الأنواع الخمسة بالنص لذكر الحق بعدها ، فما أضعف دلائل هذا ( الإمام ) الشهير ، ولا سيما في هذا التفسير الملقب بالكبير .

وسنبين إن شاء الله تعالى في تفسير قوله تعالى : ( خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها ) ( 9 : 103 ) ما تجب فيه الزكاة ببيان السنة ، ومنها الأحاديث التي تحصر زكاة الزرع والثمر بالحنطة والشعير والتمر والزبيب وكذا الذرة في حديث مرفوع فيه متروك يعضده مرسل لمجاهد والحسن . وأن الحكمة فيها كونها القوت الغالب ، فإن جاز أن يقال عليها فإنما يكون فيما يكون قوتا يدخر عنده من اتخذوه قوتا غالبا كالأرز عند بعض العرب وأهل اليابان أو مطلقا وهو مذهب الشافعي .

وقوله : ( ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين ) فيه ثلاثة أوجه :

تقدير الأول : كلوا مما رزقكم الله ولا تسرفوا في الأكل كقوله تعالى في سورة الأعراف : ( وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين ) ( 7 : 31 ) وهو في معنى ما تقدم في سورة المائدة ( ياأيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين ) ( 5 : 90 ) فالإسراف مجاوزة الحد والاعتداء كذلك ، والحد الذي ينهى [ ص: 122 ] عن تجاوزه إما شرعي كتجاوز الحلال من الطعام والشراب وما يتعلق بهما إلى الحرام ، وإما فطري طبعي وهو تجاوز حد الشبع إلى البطنة الضارة .

( الوجه الثاني ) لا تسرفوا في الصدقة أي في أمرها ، قال السدي : أي لا تعطوا أموالكم وتقعدوا فقراء ، وعن ابن جريج قال : نزلت في ثابت بن قيس بن شماس جذ نخلا فقال : لا يأتيني اليوم أحد إلا أطعمته ، فأطعم حتى أمسى وليس له ثمرة ، فأنزل الله : ( ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين ) ولكن ثابتا من الأنصار ، ومعنى الرواية أنها نزلت يوم نزلت بمكة في حكم مثل هذا العمل - كما تقدم نظيره مرارا - ومثله قول أبي العالية : كانوا يعطون شيئا سوى الزكاة ، ثم إنهم تباذروا وأسرفوا فأنزل الله ( ولا تسرفوا ) إلخ . وجعل بعضهم الإسراف في أمر الصدقة منعها . فعن سعيد بن المسيب في قوله : ( ولا تسرفوا ) قال : لا تمنعوا الصدقة فتعصوا . وجعله بعضهم خاصا بالحكام الذين يأخذون الصدقات . فعن زيد ابن أسلم في قوله : ( وآتوا حقه يوم حصاده ) قال : عشوره . وقال للولاة : ( ولا تسرفوا ) لا تأخذوا ما ليس لكم بحق . فأمر هؤلاء بأن يؤدوا حقه ، وأمر الولاة بأن لا يأخذوا إلا الحق .

( الوجه الثالث ) أن النهي عام يشمل الإسراف في أكل الإنسان من ماله بغير سرف ، وفي إنفاقه على غيره من صدقة وغيرها ، فالإسراف مذموم في كل شيء ، وإليه ذهب عطاء واختاره ابن جرير ونقله ابن كثير عنه وقال : لا شك أنه صحيح أي في نفسه لا في عبارة الآية ، فإنه اختار فيها أن الوجه الأول هو الظاهر - وهو كما قال بالنظر إلى مورد الآية وسياقها ; ولذلك قدمناه وأيدناه بآيتي الأعراف والمائدة وهذا لا يمنع دلالة اللفظ بعمومه مع صرف النظر عن موقعه على النهي عن كل إسراف ، وناهيك بتعليل النهي بكونه تعالى لا يحب المسرفين . وقد وصف الله عباده الصالحين بقوله : ( والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما ) ( 25 : 67 ) وقال : ( وآت ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل ولا تبذر تبذيرا ) ( 17 : 26 ) وقال : ( ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملوما محسورا ) ( 17 : 29 ) .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث