الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

تفسير قوله تعالى ولقد خلقناكم ثم صورناكم ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس لم يكن من الساجدين

جزء التالي صفحة
السابق

( قال أنظرني إلى يوم يبعثون ) أي قال بلسان قاله على التفسير الأول أو لسان حاله واستعداده على الآخر : رب أخرني وأمهلني إلى يوم يبعث آدم وذريته فأكون أنا وذريتي أحياء ما داموا أحياء وأشهد انقراضهم وبعثهم ( قال إنك من المنظرين ) أي قال تعالى له مخبرا ، أو قال مريدا ومنشئا كما يقول للشيء كن فيكون : إنك من المنظرين . قال ابن كثير : أجابه تعالى إلى ما سأل لما له في ذلك من الحكمة والإرادة والمشيئة التي لا تخالف ولا تمانع ولا معقب لحكمه اهـ . فهو يؤكد بهذا ما اختاره في مدلول هذا الحوار وهو أنه بيان لمقتضى التكوين الذي هو متعلق المشيئة ، لا مراجعة أقوال من متعلق صفة الكلام .

وظاهر الكلام أنه جعل من المنظرين إلى يوم يبعثون وإن لم يصرح به للعلم به من السؤال إيجازا ، قال ابن كثير : أجابه إلى ما سأل ، ولكن هذا السؤال ورد في سورة الحجر فكان جوابه بلفظ آخر وهو : ( قال رب فأنظرني إلى يوم يبعثون قال فإنك من المنظرين إلى يوم الوقت المعلوم ) ( 15 : 36 - 38 ) أخرج ابن أبي حاتم وابن [ ص: 298 ] مردويه عن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال في تفسير هذه الآيات أراد إبليس ألا يذوق الموت فقيل له " إنك من المنظرين إلى يوم الوقت المعلوم " قال : النفخة الأولى ، وبين النفخة والنفخة أربعون سنة . وأخرج الأول عن السدي قال : فلم ينظره إلى يوم يبعثون ، ولكن أنظره إلى يوم الوقت المعلوم ، والنفخة الأولى في الصور هي التي يموت فيها جميع أهل الأرض دفعة واحدة ، والثانية هي التي بها يبعثون وليس بعدها موت . ولذلك قال ابن عباس : إنه أراد ألا يذوق الموت ، وهذه النفخة تسمى نفخة الفزع ، لقوله تعالى في سورة النمل : ( ويوم ينفخ في الصور ففزع من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله ) ( 27 : 87 ) ونفخة الصعق لقوله في سورة الزمر : ( ونفخ في الصور فصعق من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله ثم نفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون ) ( 39 : 68 ) ولاختلاف الوصفين قال أبو بكر ابن العربي وغيره : إن النفخات ثلاث . وقال آخرون : أربع . ولكن ظاهر القرآن أنهما ثنتان : وهما المراد بقوله : ( يوم ترجف الراجفة تتبعها الرادفة ) ( 79 : 6 ، 7 ) فهم يفزعون فيصعقون ، أي يموتون بالأولى وهي الراجفة ويبعثون بالثانية التي تردفها وتتبعها . وأصل الصعق تأثير الصاعقة فيمن تصيبه من إغماء وغشيان أو موت هو الغالب ثم صار يطلق على الغشيان من كل صوت شديد وعلى الموت منه كما فسره الفيومي في المصباح .

وفيمن استثنى الله تعالى من الفزع والصعق عشرة أقوال على ما استقصاه الحافظ في الفتح ، ليس في شيء منها ذكر إبليس لعنه الله . وما من قول من تلك الأقوال إلا وفيه نظر من بعض الوجوه ، وهذا أمر غيبي لا يعلم إلا بتوقيف ، ولم يصح في قول منها حديث مرفوع متصل الإسناد فيما يظهر من كلامهم ، ولكن ورد في حديث لأبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم سأل جبريل عن هذه الآية . من الذين لم يشأ الله أن يصعقوا ؟ قال : " هم شهداء الله عز وجل " قال الحافظ صححه الحاكم ورجاله ثقات ورجحه الطبري اهـ . ولكن الحافظ لم يذكر هذا قولا مستقلا بل أدمجه في قول من قال إنهم الأنبياء . أي بناء على أن المراد بشهداء الله حججه على خلقه بحسن سيرتهم واستقامتهم في الدنيا إذ يشهدون في الآخرة بضلال كل من كان مخالفا لهديهم وسنتهم في اتباع دين الله عز وجل . والأنبياء في مقدمتهم قطعا ، فكل نبي يشهد على قومه كما قال : ( فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا ) ( 4 : 41 ) وهؤلاء الشهداء لا تخلو الأرض منهم ، يقلون تارة ويكثرون أخرى ، ولكن يجب أن يجعل هذا قولا مستقلا فإن الشهداء أعم من الأنبياء ومن الصديقين ، فكل نبي شهيد وكل صديق شهيد ، ومن الشهداء من ليس بنبي ولا صديق ، ولكن كل شهيد صالح وما كل صالح بشهيد ، فبين طبقات ( الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين ) ( 4 : 69 ) العموم والخصوص [ ص: 299 ] المطلق . وإذا كان الصعق المراد هو الموت فلا يظهر للقول بأن المستثنى هم الأنبياء وجه ، وكذا إذا كان المراد به الغشيان المعبر عنه في آية النمل بالفزع وكانت النفخة المحدثة له هي الأولى إذ يتلوه موت الخلق وخراب الدنيا كما هو الظاهر المتبادر . وظاهر بعض الأحاديث أن ذلك يكون يوم البعث ، وهو خلاف المتبادر من الآيات كلها .

فعلم مما ذكرنا أن إبليس لا ينتهي إنظاره إلى يوم البعث بل يموت عقب النفخة الأولى التي يتلوها خراب هذه الأرض ، كما قال تعالى في سورة الحاقة : ( فإذا نفخ في الصور نفخة واحدة وحملت الأرض والجبال فدكتا دكة واحدة ) ( 69 : 13 ، 14 ) إلا إذا قيل إن يوم القيامة ويوم البعث يطلق تارة على ما يشمل زمن مقدماته فيسمى كل ذلك يوما ، كما يطلق تارة على زمن المقدمات وحدها وتارة على زمن الغاية وحدها ؛ إذ معناه في اللغة الزمن الذي يتميز بعمل معين فيه كأيام العرب المعروفة . وقد يستدل على هذا بقوله تعالى بعد الآيتين المذكورتين آنفا من سورة الحاقة : ( فيومئذ وقعت الواقعة ) ( 69 : 15 ) الآيات . وفي هذا الباب حديث أبي هريرة في الصحيحين وغيرهما الناطق بأن الناس يصعقون يوم القيامة وأن النبي صلى الله عليه وسلم يكون أول من يرفع رأسه فيجد موسى آخذا بقائمة من قوائم العرش قال " فلا أدري أرفع رأسه قبلي أو كان ممن استثنى الله عز وجل وظاهره أن ذلك غشيان يقع بعد البعث في موقفه ، ويحتمل أن يعم صعق النفخة الأولى الأحياء والأموات إلا من استثني ، وإلا كان مشكلا يحتاج إلى الجمع بينه وبين ما يعارضه مما علمت بعضه ، وليس هذا المقام بالذي يتسع لتحقيق هذه المسألة .

وقد استشكل المفسرون ولا سيما علماء الكلام منهم هذا الإنظار بالنسبة إلى ما يترتب عليه من الشر والإغواء وسيأتي بيان حكمته بعد انتهاء تفسير هذه الآيات .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث