الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

تفسير قوله تعالى إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار

جزء التالي صفحة
السابق

ربنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك أي يقول الذين يجمعون بين التذكر والتفكر ، معبرين عن نتيجة جمع الأمرين ، والتأليف بين المقدمتين : ربنا ما خلقت هذا الذي نراه من العوالم السماوية ، والأرضية باطلا ، ولا أبدعته ، وأتقنته عبثا ، سبحانك وتنزيها لك عن الباطل ، والعبث بل كل خلقك حق مؤيد بالحكم ، فهو لا يبطل ولا يزول ، وإن عرض له التحول والتحليل والأفول ، ونحن بعض خلقك لم نخلق عبثا ، ولا يكون وجودنا من كل وجه باطلا ، فإن فنيت أجسادنا ، وتفرقت أجزاؤنا بعد مفارقة أرواحنا لأبداننا ، فإنما يهلك منا كوننا الفاسد ، ووجهنا الممكن الحادث ، ويبقى وجهك الكريم ، ومتعلق علمك القديم .

يعود بقدرتك في نشأة أخرى ، كما بدأته في النشأة الأولى ، فريق ثبتت لهم الهداية ، وفريق حقت عليهم كلمة الضلالة ، فأولئك في الجنة بعلمهم ، وفضلك ، وهؤلاء في النار بعلمهم وعدلك فقنا عذاب النار بعنايتك وتوفيقك لنا واجعلنا مع الأبرار بهدايتك إيانا ورحمتك بنا .

قال الأستاذ الإمام في تفسير : ربنا ما خلقت هذا باطلا إلخ : هذه حكاية لقول هؤلاء الذين يجمعون بين تفكرهم وذكر الله - عز وجل - ويستنبطون من اقترانهما الدلائل على حكمة الله ، وإحاطة علمه - سبحانه - بدقائق الأكوان التي تربط الإنسان بربه حق الربط . وقد اكتفى بحكاية مناجاتهم لربهم عن بيان نتائج ذكرهم ، وفكرهم ، فطي هذه ، وذكر تلك من إيجاز القرآن البديع ، وفيه تعليم المؤمنين كيف يخاطبون الله - تعالى - عندما يهتدون إلى شيء من معاني إحسانه وكرمه ، وبدائع خلقه ، كأنه يقول : هذا هو شأن المؤمن الذاكر المتفكر ، يتوجه إلى الله في هذه الأحوال بمثل هذا الثناء والدعاء والابتهال ، وكون هذا ضربا من ضروب التعليم ، والإرشاد لا يمنع أن بعض المؤمنين قد نظروا ، وذكروا ، وفكروا ، ثم قالوا هذا أو ما يؤدي معناه ، فذكر الله حالهم ، وابتهالهم ، ولم يذكر قصتهم ، وأسماءهم لأجل أن يكونوا قدوة لنا في علمهم ، وأسوة في سيرتهم ، أي لا في ذواتهم ، وأشخاصهم ، إذ لا فرق في هذا بيننا وبينهم .

قال : أما معنى كون هذا الخلق لا يكون باطلا ، فهو أن هذا الإبداع في الخلق ، والإتقان للصنع لا يمكن أن يكون من العبث والباطل ، ولا يمكن أن يفعله الحكيم العليم لهذه الحياة الفانية فقط ، كما أن الإنسان الذي أوتي العقل الذي يفهم هذه الحكم ، ودقائق [ ص: 247 ] هذا الصنع ، وكلما ازداد علما حتى إنه لا حد يعرف لفهمه وعلمه ، لا يمكن أن يكون وجد ليعيش قليلا ، ثم يذهب سدى ، ويتلاشى فيكون باطلا ، بل لا بد أن يكون باستعداده الذي لا نهاية له قد خلق ليحيا حياة لا نهاية لها ، وهي الحياة الآخرة التي يرى كل عامل فيها جزاء عمله ; ولهذا وصل الثناء بهذا الدعاء ، ومعناه : جنبنا السيئات ، ووفقنا للأعمال الصالحات ، حتى يكون ذلك وقاية لنا من عذاب النار ، وهذه هي نتيجة فكر المؤمن .

قال : ثم إنهم بعد أن يصلوا بالفكر مع الذكر إلى بقاء العالم ، واستمراره ; لأن نظامه البديع لا يمكن أن يجعله الحكيم باطلا ( أي لا في الحال ولا في الاستقبال ) وبعد أن يدعوا ربهم أن يقيهم دخول النار في الحياة الثانية يتوجهون إليه قائلين : ربنا إنك من تدخل النار فقد أخزيته أي إنهم ينظرون إلى هيبة ذلك الرب العلي العظيم الذي خلق تلك الأكوان المملوءة بالأسرار ، والحكم ، والدلائل على قدرته ، وعزته ، فيعلمون أنه لا يمكن لأحد أن ينتصر عليه ، وأن من عاداه فلا ملجأ ولا منجى له منه إلا إليه ، فيقرون بأن من أدخله ناره فقد أخزاه ، أي أذله وأهانه . وما للظالمين من أنصار وصف من يدخلون النار بالظالمين تشنيعا لأعمالهم ، وبيانا لعلة دخولهم فيها ، وهو جورهم ، وميلهم عن طريق الحق . فالظالم هنا هو الذي يتنكب الطريق المستقيم لا الكافر خاصة كما قال بعض المفسرين ، فإن هذا التخصيص لا حاجة إليه ، ولا دليل عليه ، وإنما سببه ولوع الناس بإخراج أنفسهم من كل وعيد يذكر في كتابهم ، وحمله بالتأويل والتحريف على غيرهم ، كذلك فعل السابقون ، واتبع سننهم اللاحقون ، فكل ظالم يؤخذ بظلمه ، ويعاقب على قدره ، ولا يجد له نصيرا يحميه من أثر ذنبه .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث