الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

تفسير قوله تعالى إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار

جزء التالي صفحة
السابق

ربنا وآتنا ما وعدتنا على رسلك أي أعطنا ما وعدتنا من الجزاء الحسن كالنصر في الدنيا والنعيم في الآخرة - وخصه بعضهم بالدنيا ، وبعضهم بالآخرة - جزاء على تصديق رسلك ، واتباعهم ، إذ استجبنا لهم وآمنا بما جاءوا به ، أو ما وعدتنا به منزلا على رسلك ، أو ما وعدتنا به على ألسنة رسلك . والمعنى : أعطنا ذلك بتوفيقنا للثبات على ما نستحقه به إلى أن تتوفانا مع الأبرار ، وهذه الغاية بالنسبة إلى جزاء الآخرة ، وفيه هضم لنفوسهم ، واستشعار تقصيرها ، وعدم الثقة بثباتها إلا بتوفيقه وعنايته - عز وجل - ، وقيل إن الدعاء لإظهار العبودية فقط .

وقال الأستاذ الإمام : على رسلك معناه لأجل رسلك ، أي لأجل رسلك ، أي لأجل اتباعهم ، والإيمان بهم . فجعل " على " للتعليل ، ولا أذكر هذا لغيره هنا ، ثم ذكر ما قيل من استشكال هذا السؤال منهم مع إيمانهم بأن الله لا يخلف الميعاد ، واختار في الجواب عنه : أن هؤلاء قوم هداهم النظر والفكر إلى معرفة الله - تعالى - واستشعار عظمته وسلطانه ، وإلى ضعف أنفسهم عن القيام بما يجب من شكره ، والقيام بحقوقه ، وحقوق خلقه ، فطلبوا المغفرة ، والتكفير ، والعناية الإلهية التي تبلغهم ما وعد الله من استجابوا للرسل ، ونصروهم ، وأحسنوا اتباعهم ; وهو ما أشرنا إليه آنفا ; ولذلك قالوا : ولا تخزنا يوم القيامة أي لا تفضحنا وتهتك سترنا يوم القيامة بإدخالنا النار التي يخزى من دخلها - كما تقدم في الآية التي قبل هذه - ونقل الرازي عن حكماء الإسلام أن المراد بالخزي هنا العذاب الروحاني ; لأنهم طلبوا الوقاية من النار من قبل ، وهو العذاب الجسماني ، واستنبط من الابتداء بطلب النجاة من العذاب الجسماني ، وجعل طلب النجاة من العذاب الروحاني آخرا ، وختاما ، إذ العذاب الروحاني أشد ، ويعنون بالعذاب الروحاني الحرمان من الرضوان الأكبر بكمال العرفان الإلهي الذي ذكره الله - تعالى - في قوله : وعد الله المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ومساكن طيبة في جنات عدن ورضوان من الله أكبر ذلك هو الفوز العظيم [ 9 : 72 ] ولكن طلب النجاة من الخزي [ ص: 250 ] لا يدل على ما ذهبوا إليه ، وأما كلمة : إنك لا تخلف الميعاد فهي ثناء ختم به الدعاء ولا شك أن الوعد يصيبهم إذا قاموا بما ترتب هو عليه من الإيمان والعمل الصالح ، فإن الوعد كما قال الرازي : " لا يتناول آحاد الأمة بأعيانهم بل إنما يتناولهم بحسب أوصافهم " ، وقد قال - تعالى - في الوعد بسيادة الدنيا : وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض [ 24 : 55 ] الآية ، وقال فيه : إن تنصروا الله ينصركم [ 47 : 7 ] وقال في الوعد بسعادة الآخرة : وعد الله المؤمنين والمؤمنات جنات [ 9 : 72 ] الآية ، وقد ذكرت كلها آنفا . وفي معناها آيات كثيرة ، فكل من الوعدين مترتب على الإيمان ، وعمل الصالحات ، ولكن المحرفين لدين الله يجعلون كل جزاء حسن للأفراد بحسب ذواتهم ، أو ذوات غيرهم من الصالحين الذين يدعونهم ويتوسلون بهم .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث