الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


فصل

ومما يعين على المعنى عند الإشكال أمور :

أحدها : رد الكلمة لضدها ؛ كقوله - تعالى - : ولا تطع منهم آثما أو كفورا ( الإنسان : 24 ) أي ولا كفورا ، والطريقة أن يرد النهي منه إلى الأمر ، فنقول : معنى أطع هذا أو هذا أطع أحدهما ، وعلى هذا معناه في النهي ، ولا تطع واحدا منهما .

الثاني : ردها إلى نظيرها ؛ كما في قوله - تعالى - : يوصيكم الله في أولادكم ( النساء : 11 ) فهذا عام ، وقوله : فوق اثنتين ( النساء : 11 ) قول حد أحد طرفيه ، وأرخي الطرف الآخر إلى غير نهاية ؛ لأن أول ما فوق الثنتين الثلاث ، وآخره لا نهاية له .

وقوله : وإن كانت واحدة ( النساء : 11 ) محدودة الطرفين ، فالثنتان خارجتان من هذا الفصل ، وأمسك الله - تعالى - عن ذكر الثنتين ، وذكر الواحدة والثلاث وما فوقها ، وأما قوله في الأخوات : إن امرؤ هلك ليس له ولد وله أخت فلها نصف ما ترك ( النساء : 176 ) الآية ، فذكر الواحدة والاثنتين ، وأمسك عن ذكر الثلاث وما فوقهن ، فضمن كل واحد من الفصلين ما كف عن ذكره في الآخر ، فوجب حمل كل واحد منهما فيما أمسك عنه فيه على ما ذكره في غيره .

الثالث : ما يتصل بها من خبر أو شرط أو إيضاح في معنى آخر ، كقوله - تعالى - : من كان يريد العزة فلله العزة جميعا ( فاطر : 10 ) يحتمل أن يكون معناها [ ص: 335 ] من كان يريد أن يعز أو تكون العزة له ؛ لكن قوله - تعالى - : فلله العزة جميعا ( فاطر : 10 ) يحتمل أن يكون معناها : من كان يريد أن يعلم لمن العزة ، فإنها لله .

وكذلك قوله : إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ( المائدة : 33 ) فإنه لا دلالة فيها على الحال التي هي شرط في عقوبته المعينة ، وأنواع المحاربة والفساد كثيرة ، وإنما استفيدت الحال من الأدلة الدالة على أن القتل على من قتل ولم يأخذ المال ، والصلب على من جمعهما ، والقطع على من أخذ المال ولم يقتل ، والنفي على من لم يفعل شيئا من ذلك سوى السعي في الأرض بالفساد .

الرابع : دلالة السياق ، فإنها ترشد إلى تبيين المجمل ، والقطع بعدم احتمال غير المراد ، وتخصيص العام ، وتقييد المطلق ، وتنوع الدلالة ، وهو من أعظم القرائن الدالة على مراد المتكلم ، فمن أهمله غلط في نظيره ، وغالط في مناظراته ، وانظر إلى قوله - تعالى - : ذق إنك أنت العزيز الكريم ( الدخان : 49 ) كيف تجد سياقه يدل على أنه الذليل الحقير .

الخامس : ملاحظة النقل عن المعنى الأصلي ، وذلك أنه قد يستعار الشيء لمشابهه ؛ ثم يستعار من المشابه لمشابه المشابه ؛ ويتباعد عن المسمى الحقيقي بدرجات ؛ فيذهب عن الذهن الجهة المسوغة لنقله من الأول إلى الآخر وطريق معرفة ذلك بالتدريج ، كقوله - تعالى - : لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ( آل عمران : 28 ) وذلك أن أصل " دون " للمكان الذي هو أنزل من مكان غيره ، ومنه الشيء الدون للحقير ، ثم استعير للتفاوت في الأحوال والرتب ، فقيل : زيد دون عمرو في العلم والشرف ، ثم اتسع فيه ، فاستعير في كل ما يتجاوز حدا إلى حد ، وتخطى حكما إلى حكم آخر ، كما في الآية المذكورة ؛ والتقدير : لا تتجاوزوا ولاية المؤمنين إلى ولاية الكافرين .

وكذلك قوله - تعالى - : وادعوا شهداءكم من دون الله ( البقرة : 23 ) أي تجاوزوا الله في دعائكم إلى دعاء آلهتكم ، الذين تزعمون أنهم يشهدون لكم يوم القيامة ، أي لا [ ص: 336 ] تستشهدوا بالله ، فإنها حجة يركن إليها العاجز عن البينات من الناس ، بل ائتوا ببينة تكون حجة عند الحكام ، وهذا يؤذن بأنه لم يبق لهم تشبث سوى قولهم : الله يشهد لنا عليكم . هذا إذا جعلت ( من دون الله ) متعلقا بـ ( ادعوا ) فإن جعلته متعلقا بـ ( شهداءكم ) احتمل معنيين : أحدهما : أن يكون المعنى : ادعوا الذين تجاوزتم في زعمكم شهادة الله ؛ أي شهادتهم لكم يوم القيامة . والثاني : على أن يراد بـ ( شهداءكم ) آلهتكم ؛ أي ادعوا الذين تجاوزتم في اتخاذكم ألوهية الله إلى ألوهيتهم .

ويحتمل أن يكون التقدير : ( من دون الله ) أي من غير المؤمنين يشهدون لكم أنكم آمنتم بمثله ؛ وفي هذا إرخاء عنان الاعتماد على أن فصحاءهم تأنف نفوسهم من مساجلة الحق الجلي بالباطل اللجلجي . وتعليقه بـ ( ادعوا ) على هذا جائز .

ومنه قوله - تعالى - : أو كالذي مر على قرية ( البقرة : 259 ) فإنه عطفه على قوله : ألم تر لأنها بمعنى هل رأيت .

السادس : معرفة النزول ، وهو من أعظم المعين على فهم المعنى ، وسبق منه في أول الكتاب جملة ، وكانت الصحابة والسلف يعتمدونه ،وكان عروة بن الزبير قد فهم من قوله - تعالى - : فلا جناح عليه أن يطوف بهما ( البقرة : 158 ) أن السعي ليس بركن ، فردت عليه عائشة ذلك ، وقالت : لو كان كما قلت ، لقال : فلا جناح عليه ألا يطوف بهما ، وثبت أنه إنما أتى بهذه الصيغة ؛ لأنه كان وقع فزع في قلوب طائفة من الناس كانوا يطوفون قبل ذلك بين الصفا والمروة للأصنام ، فلما جاء الإسلام ، كرهوا الفعل الذي كانوا يشركون به ، فرفع الله ذلك الجناح من قلوبهم ، وأمرهم بالطواف ؛ رواه البخاري في صحيحه . فثبت أنها نزلت ردا على من كان يمتنع من السعي .

[ ص: 337 ] ومن ذلك قصة مروان بن الحكم في سؤاله ابن عباس : لئن كان كل امرئ فرح بما أوتي ، وأحب أن يحمد بما لم يفعل معذبا لنعذبن أجمعون ! فقال ابن عباس : هذه الآيات نزلت في أهل الكتاب ثم تلا : وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه ( آل عمران : 187 ) وتلا : لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا ( آل عمران : 188 ) قال ابن عباس : سألهم النبي - صلى الله عليه وسلم - عن شيء فكتموه ، وأخبروه بغيره ، فخرجوا وقد أروه أن قد أخبروه بما سألهم عنه ، واستحمدوا بذلك إليه ، وفرحوا بما أوتوا من كتمانهم ما سألهم عنه .

وقد سبق فيه كلام في النوع الأول في معرفة سبب النزول فاستحضره .

ومن هذا ما قاله الشافعي في قوله - تعالى - : قل لا أجد في ما أوحي إلي محرما ( الأنعام : 145 ) أنه لا متمسك فيها لمالك على العموم ؛ لأنهم سألوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن [ ص: 338 ] أشياء فأجابهم عن المحرمات من تلك الأشياء ، وحكاه غير سعيد بن جبير .

السابع : السلامة من التدافع ، كقوله - تعالى - : وما كان المؤمنون لينفروا كافة فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ( التوبة : 122 ) فإنه يحتمل أن الطوائف لا تنفر من أماكنها وبواديها جملة ، بل بعضهم لتحصيل التفقه بوفودهم على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وإذا رجعوا إلى قومهم أعلموهم بما حصل لهم ، والفائدة في كونهم لا ينفرون جميعا عن بلادهم حصول المصلحة في حفظ من يتخلف من بعضهم ممن لا يمكن نفيره .

ويحتمل أن يكون المراد بالفئة النافرة هي من تسير مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في مغازيه وسراياه ، والمعنى حينئذ : أنه ما كان لهم أن ينفروا أجمعين مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في مغازيه لتحصيل المصالح المتعلقة ببقاء من يبقى في المدينة ، والفئة النافرة مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تتفقه في الدين بسبب ما يؤمرون به ويسمعون منه ؛ فإذا رجعوا إلى من بقي بالمدينة أعلموهم بما حصل لهم في صحبة الرسول - صلى الله عليه وسلم - من العلم . والاحتمالان قولان للمفسرين .

قال الشيخ تقي الدين ابن دقيق العيد : والأقرب عندي هو الاحتمال الأول ؛ لأنا لو حملناه على الاحتمال الثاني لخالفه ظاهر قوله - تعالى - : ما كان لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب أن يتخلفوا عن رسول الله ولا يرغبوا بأنفسهم عن نفسه ( التوبة : 120 ) وقوله - تعالى - : فانفروا ثبات أو انفروا جميعا ( النساء : 71 ) فإن ذلك [ ص: 339 ] يقتضي إما طلب الجميع بالنفير ، أو إباحته ؛ وذلك في ظاهره يخالف النهي عن نفر الجميع ، وإذا تعارض محملان يلزم من أحدهما معارضته ولا يلزم من الآخر ، فالثاني أولى .

ولا نعني بلزوم التعارض لزوما لا يجاب عنه ، ولا يتخرج على وجه مقبول ؛ بل ما هو أعم من ذلك ؛ فإن ما أشرنا إليه من الآيتين يجاب عنه بحمل ( أو ) في قوله : أو انفروا جميعا ( النساء : 71 ) على التفصيل دون التخيير ، كما رضيه بعض المتأخرين من النحاة ، فيكون نفيرهم ( ثبات ) مما لا تدعو الحاجة إلى نفيرهم فيه ( جميعا ) ونفيرهم جميعا فيما تدعو الحاجة إليه ، ويحمل قوله : ما كان لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب أن يتخلفوا عن رسول الله ( التوبة : 120 ) على ما إذا كان الرسول هو النافر للجهاد ، ولم تحصل الكفاية إلا بنفير الجميع ممن يصلح للجهاد ، فهذا أولى من قول من يقول بالنسخ أو أن تكون هذه الآية ناسخة لما اقتضى النفير جميعا .

ومن المفسرين من يقول : إن منع النفير جميعا حيث يكون رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالمدينة ، فليس لهم أن ينفروا جميعا ويتركوه وحده .

والحمل أيضا على هذا التفسير الذي ذكرناه أولى من هذا ؛ لأن اللفظ يقتضي أن نفيرهم للتفقه في الدين والإنذار ، ونفيرهم مع بقاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعدهم لا يناسبه التعليل بالتفقه في الدين ؛ إذ التفقه منه - صلى الله عليه وسلم - وتعلم الشرائع من جهته ، فكيف يكون خروجهم عليه معللا للتفقه في الدين .

ومنه قوله - تعالى - : فاتقوا الله ما استطعتم ( التغابن : 16 ) فإنه يحتمل أن يكون من باب التسهيل والتخفيف ، ويحتمل أن يكون من باب التشديد ؛ بمعنى أنه ما وجدت الاستطاعة فاتقوا ؛ أي لا يبقى من الاستطاعة شيء ، وبمعنى التخفيف يرجع إلى أن المعنى : فاتقوا الله ما تيسر عليكم أو ما أمكنكم من غير عسر . قال الشيخ تقي الدين [ ص: 340 ] القشيري : ويصلح معنى التخصيص قوله - صلى الله عليه وسلم - : إذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث