الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

تكفل الله تعالى بحفظ كتابه

وقد خص الله تعالى هذه الأمة في كتابهم هذا المنزل على نبيهم - صلى الله عليه وسلم - بما لم يكن لأمة من الأمم في كتبها المنزلة ، فإنه تعالى تكفل بحفظه دون سائر الكتب ، ولم يكل حفظه إلينا ، قال - تعالى - : إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون ، وذلك إعظام لأعظم معجزات النبي - صلى الله عليه وسلم - ; لأن الله تعالى تحدى بسورة منه أفصح العرب لسانا وأعظمهم عنادا وعتوا وإنكارا فلم [ ص: 5 ] يقدروا على أن يأتوا بآية مثله ، ثم لم يزل يتلى آناء الليل والنهار من نيف وثمانمائة سنة مع كثرة الملحدين وأعداء الدين ، ولم يستطع أحد منهم معارضة شيء منه ، وأي دلالة أعظم على صدق نبوته - صلى الله عليه وسلم - من هذا ؟ وأيضا فإن علماء هذه الأمة لم تزل من الصدر الأول وإلى آخر وقت يستنبطون منه من الأدلة والحجج والبراهين والحكم وغيرها ما لم يطلع عليه متقدم ولا ينحصر لمتأخر ، بل هو البحر العظيم الذي لا قرار له ينتهي إليه ، ولا غاية لآخره يوقف عليه ، ومن ثم لم تحتج هذه الأمة إلى نبي بعد نبيها - صلى الله عليه وسلم - كما كانت الأمم قبل ذلك لم يخل زمان من أزمنتهم عن أنبياء يحكمون أحكام كتابهم ويهدونهم إلى ما ينفعهم في عاجلهم ومآبهم ، قال - تعالى - : إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا والربانيون والأحبار بما استحفظوا من كتاب الله فوكل حفظ التوراة إليهم ; فلهذا دخلها بعد أنبيائهم التحريف والتبديل .

ولما تكفل تعالى بحفظه خص به من شاء من بريته ، وأورثه من اصطفاه من خليقته ، قال - تعالى - : ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا وقال - صلى الله عليه وسلم - : إن لله أهلين من الناس ، قيل : من هم يا رسول الله ؟ قال : أهل القرآن هم أهل الله وخاصته رواه ابن ماجه وأحمد والدارمي وغيرهم من حديث أنس بإسناد رجاله ثقات .

وقد أخبرتنا به عاليا أم محمد ست العرب ابنة محمد بن علي بن أحمد بن عبد الواحد الصالحية مشافهة ، أنا جدي قراءة عليه وأنا حاضرة ، أنا أبو المكارم أحمد بن محمد اللبان في كتابه من أصبهان ، أنا الحسن بن أحمد الحداد سماعا ، أنا أبو نعيم الحافظ ، أنا عبد الله بن جعفر ، أنا يونس بن حبيب حدثنا أبو داود الطيالسي حدثنا عبد الرحمن بن بديل العقيلي عن أبيه عن أنس - رضي الله عنه - قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : إن لله أهلين من الناس ، قيل يا رسول الله من هم ؟ قال : [ ص: 6 ] أهل القرآن هم أهل الله وخاصته ، وكذلك رواه عبد الرحمن بن مهدي عن عبد الرحمن بن بديل .

ثم إن الاعتماد في نقل القرآن على حفظ القلوب والصدور لا على حفظ المصاحف والكتب ، وهذه أشرف خصيصة من الله تعالى لهذه الأمة ، ففي الحديث الصحيح الذي رواه مسلم أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : إن ربي قال لي : قم في قريش فأنذرهم فقلت له : رب إذا يثلغوا رأسي حتى يدعوه خبزة ، فقال : مبتليك ومبتلي بك ومنزل عليك كتابا لا يغسله الماء ، تقرؤه نائما ويقظان ، فابعث جندا أبعث مثلهم ، وقاتل بمن أطاعك من عصاك ، وأنفق ينفق عليك . فأخبر تعالى أن القرآن لا يحتاج في حفظه إلى صحيفة تغسل بالماء ، بل يقرءوه في كل حال كما جاء في صفة أمته : " أناجيلهم في صدورهم " ، وذلك بخلاف أهل الكتاب الذين لا يحفظونه لا في الكتب ولا يقرءونه كله إلا نظرا لا عن ظهر قلب ، ولما خص الله تعالى بحفظه من شاء من أهله أقام له أئمة ثقات تجردوا لتصحيحه وبذلوا أنفسهم في إتقانه وتلقوه من النبي - صلى الله عليه وسلم - حرفا حرفا ، لم يهملوا منه حركة ولا سكونا ولا إثباتا ولا حذفا ، ولا دخل عليهم في شيء منه شك ولا وهم ، وكان منهم من حفظه كله ، ومنهم من حفظ أكثره ، ومنهم من حفظ بعضه ، كل ذلك في زمن النبي - صلى الله عليه وسلم - .

وقد ذكر الإمام أبو عبيد القاسم بن سلام في أول كتابه في القراءات : من نقل عنهم شيء من وجوه القراءة من الصحابة وغيرهم ، فذكر من الصحابة أبا بكر ، وعمر ، وعثمان ، وعليا ، وطلحة ، وسعدا ، وابن مسعود ، وحذيفة ، وسالما ، وأبا هريرة ، وابن عمر ، وابن عباس ، وعمرو بن العاص ، وابنه عبد الله ، ومعاوية ، وابن الزبير ، وعبد الله بن السائب ، وعائشة ، وحفصة ، وأم سلمة ، وهؤلاء كلهم من المهاجرين ، وذكر من الأنصار أبي بن كعب ، ومعاذ بن جبل ، وأبا الدرداء ، وزيد بن ثابت ، وأبا زيد ، ومجمع بن جارية ، وأنس بن مالك رضي الله عنهم أجمعين .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث