الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

[ ص: 420 ] وأما انتهاء التكبير ، فقد اختلفوا فيه أيضا فذهب الجمهور من المغاربة وبعض المشارقة ، وغيرهم إلى انتهاء التكبير آخر سورة الناس . وذهب الآخرون ، وهم جمهور المشارقة إلى أن انتهاءه ، أول الناس لا يكبر في آخر الناس ، والوجهان مبنيان على أصل ، وهو أن التكبير هل هو لأول السور أم لآخرها ؟ فمن ذهب إلى أنه لأول السورة لم يكبر في آخر الناس سواء كان ابتداء التكبير عنده من أول " ألم نشرح " ، أو من أول الضحى من جميع من ذكرنا أعني الذين نصوا على التكبير من أول إحدى السورتين ، ومن جعل الابتداء من آخر الضحى كبر في آخر الناس من جميع من ذكرنا أعني الذين نصوا على التكبير من آخر الضحى . هذا هو فصل النزاع في هذه المسألة . ومن وجد في كلامه خلاف على ذلك فإنما هو بناء على غير أصل ، أو مراد غير ظاهره ولذلك اختلف في ترجيح كل من الوجهين ، فقال الحافظ أبو عمرو : والتكبير من آخر " والضحى " بخلاف ما يذهب إليه قوم من أهل الأداء من أنه من أولها لما في حديث موسى بن هارون عن البزي عن عكرمة عن إسماعيل عن ابن كثير من قوله : فلما ختمت " والضحى " قال لي : كبر ، ولما في حديث شبل عن ابن كثير أنه كان إذا بلغ ألم نشرح كبر ، ولما في حديث مجاهد عن ابن عباس أنه كان يأمره بالتكبير من " ألم نشرح لك " . قال : وانقطاع التكبير أيضا في آخر سورة الناس بخلاف ما يأخذ به بعض أهل الأداء من انقطاعه في أولها بعد انقضاء سورة الفلق لما في حديث الحسن بن محمد عن شبل عن ابن كثير أنه كان إذا بلغ " ألم نشرح " كبر حتى يختم . ولما في حديث ابن جريج عن مجاهد أنه يكبر من " والضحى " إلى الحمد ، ومن خاتمة " والضحى " إلى خاتمة قل أعوذ برب الناس ، ولما في غير ما حديث عن حميد بن قيس ، وغيره من أنه كان إذا بلغ " والضحى " كبر إذا ختم كل سورة حتى يختم انتهى . فانظر كيف اختار التكبير آخر الناس لكونه يختار التكبير من آخر الضحى ، وكذلك قال كل من قال بقوله إن التكبير من آخر الضحى كشيخه أبي الحسن [ ص: 421 ] بن غلبون ، وأبيه أبي الطيب ومكي بن شريح والمهدوي وابن طاهر بن خلف ، وشيخه عبد الجبار وابن سفيان ، وغيرهم ، وهو ظاهر النصوص المذكورة كما ذكر الداني إلا أن استدلاله لذلك برواية شبل عن ابن كثير فيه ليس بظاهر - والله أعلم - .

وقال الحافظ أبو العلاء : كبر البزي وابن فليح ، وابن مجاهد عن قنبل من فاتحة " والضحى " وفواتح ما بعدها من السور إلى سورة الناس وكبر العمري والزينبي والسوسي من فاتحة ألم نشرح إلى خاتمة الناس . وأجمعوا على ترك التكبير بين الناس والفاتحة إلا ما رواه بكار عن ابن مجاهد من إثباته بينهما . وانظر كيف قطع بعدم التكبير في آخر الناس لكونه جعل التكبير من أول الضحى ، ومن أول ألم نشرح ، وكذلك قال كل من قال بقوله كشيخه أبي العز القلانسي وكأبي الحسن الخياط وأبي علي البغدادي وأبي محمد سبط الخياط في غير المبهج ، وغيرهم .

( قلت ) : والمذهبان صحيحان ظاهران لا يخرجان عن النصوص المتقدمة ، وأما قول أبي شامة إن فيه مذهبا ثالثا ، وهو أن التكبير ذكر مشروع بين كل سورتين فلا أعلم أحدا ذهب إليه صريحا وإن كان أخذه من لازم قول من قطعه عن السورتين ، أو وصله بهما فإن ذلك يتخرج على كل من المذهبين كما نبينه في حكم الإتيان به من الفصل الثالث الآتي ، ولو كان أحد ذهب إلى ما ذكره أبو شامة لكان التكبير على مذهبه ساقطا إذا قطعت القراءة على آخر سورة ، أو استؤنفت سورة وقتا ما ، ولا قائل بذلك ، بل لا يجوز في رواية من يكبر كما سيأتي إيضاحه في التنبيه التاسع من الفصل الثالث - والله أعلم - .

( تنبيه ) :

قول الشاطبي رحمه الله " إذا كبروا في آخر الناس " مع قوله " وبعض له من آخر الليل " على ما تقرر من أن المراد بآخر الليل أول الضحى يقتضي أن يكون ابتداء التكبير من أول الضحى وإنهاؤه آخر الناس . وهو مشكل لما تأصل ، بل هو ظاهر المخالفة لما رواه ، فإن هذا الوجه وهو التكبير من أول الضحى هو من زياداته على التيسير ، وهو من الروضة لأبي علي كما نص عليه أبو شامة [ ص: 422 ] والذي نص عليه صاحب الروضة أن قال : روى البزي التكبير من أول سورة " والضحى " إلى خاتمة الناس ، ولفظه الله أكبر ، تابعه الزينبي عن قنبل في لفظ التكبير ، وخالفه في الابتداء فكبر من أول سورة " ألم نشرح " قال : ولم يختلفوا أنه منقطع مع خاتمة والناس . وانتهى بحروفه فهذا الذي أخذ الشاطبي التكبير من روايته قطع بمنعه من آخر الناس ، فتعين حمل كلام الشاطبي على تخصيص التكبير آخر الناس بمن قال من آخر " والضحى " كما هو مذهب صاحب التيسير ، وغيره ، ويكون معنى قوله " إذا كبروا في آخر الناس " أي إذا كبر من يقول بالتكبير في آخر الناس ، يعني الذين قالوا به من آخر " والضحى " ، أو يكون المعنى : من يكبر في آخر الناس يردف التكبير مع قراءة سورة الحمد ، قراءة أول البقرة حتى يصل إلى المفلحون أي أن هذا الإرداف مخصوص عن تكبير آخر الناس كما سيأتي ، ولولا قول صاحب الروضة : ولم يختلفوا أنه منقطع أي منحذف مع خاتمة الناس ؛ لكان لمن يتشبث بقوله أولا إلى خاتمة الناس منزع ، فعلم بذلك أن المراد بخاتمة الناس آخر القرآن ، أي حتى يختم ، وهو صريح قول شبل عن ابن كثير أنه كان إذا بلغ ألم نشرح كبر حتى يختم ، وكذا قول صاحب التجريد : إلى خاتمة الناس - لا يريد أن التكبير في آخره بدليل قوله بعد ذلك : إنك تقف في آخر كل سورة وتبتدئ بالتكبير منفصلا فإن هذا لا يجوز في آخر الناس كما سنبينه ، وكذا أراد ابن مؤمن في الكنز حيث قال : التكبير من أول سورة " والضحى " إلى آخر سورة الناس بدليل قوله بعد ذلك : ورواه بكار عن قنبل في آخر سورة الناس - والله أعلم - .

وأما قول الهذلي : الباقون يكبرون من خاتمة والضحى إلى أول قل أعوذ برب الناس في قول ابن هاشم قال : وفي قول غيره إلى خاتمة قل أعوذ برب الناس فإن فيه تجوزا أيضا ، وصوابه أن يقول في قول ابن هاشم : من أول والضحى إلى أول قل أعوذ برب الناس وابن هاشم هذا هو أبو العباس أحمد بن علي بن هاشم المصري المعروف بتاج الأئمة أستاذ القراءات ، وشيخها بالديار المصرية ، وهو شيخ الهذلي وشيخ [ ص: 423 ] ابن شريح وأبي القاسم بن الفحام . وقرأ قراءة ابن كثير على أصحاب أصحاب ابن مجاهد كالحمامي وعلي بن محمد بن عبد الله الحذاء ومذهبهم ابتداء التكبير من أول " والضحى " ، وانتهاؤه أول الناس كما نص عليه أصحابهم العارفون بمذهبهم ، ولولا صحة طرق ابن هاشم عندنا على ما ذكرنا لقلنا لعل الهذلي أراد بآخر الضحى أول ألم نشرح . ( فالحاصل ) أن من ابتدأ التكبير من أول الضحى ، أو ألم نشرح قطعه أول الناس ، ومن ابتدأ به في آخر الضحى قطعه آخر الناس ، لا نعلم أحدا خالف هذا مخالفة صريحة لا تحتمل التأويل إلا ما انفرد به أبو العز في كفايته عن بكار عن ابن مجاهد عن قنبل من التكبير من أول الضحى مع التكبير بين الناس والفاتحة وتبعه على ذلك الحافظ أبو العلاء ، فروى عنه ، وهو وهم بلا شك ، ولعله سبق قلم من أول ألم نشرح إلى أول الضحى لأن أبا العز نفسه ذكره على الصواب في إرشاده فجعل له التكبير من أول ألم نشرح وكذلك أبو الحسن الخياط أكبر من أخذ عن أصحاب بكار . وإذا ثبت أن الصواب من أول ألم نشرح فيحتمل أن يكون المراد آخر الضحى . وعبر عن آخر والضحى بأول ألم نشرح كما رواه غيره ، ويحتمل أن يكون لحظ أن للسورة حظا من التكبير ، أولها وآخرها ، وقد يتعدى هذا إلى " والضحى " إن ثبت ، وقد عرفتك ما فيه على أن طريق بكار عن ابن مجاهد ليست من طرقنا فليعلم . قال أبو شامة : ( فإن قلت ) فما وجه من كبر من أول " والضحى " وكبر آخر الناس ؟ قلت : أعطى السورة حكم ما قبلها من السور إذ كل سورة منها بين تكبيرتين ، وليس التكبير في آخر الناس لأجل الفاتحة لأن الختمة قد انقضت ، ولو كان للفاتحة لشرع التكبير بين الفاتحة والبقرة لهؤلاء لأن التكبير للختم لا لافتتاح أول القرآن .

( تتمة ) : وقع في كلام السخاوي في شرحه ما نصه ، وذكر أبو الحسن بن غلبون ومكي وابن شريح والمهدوي التكبير عن البزي من أول " والضحى " ، وعن [ ص: 424 ] قنبل من أول ألم نشرح انتهى . وتبعه على نقل ذلك عن مكي أبو شامة والذي رأيته في تذكرة أبي الحسن بن غلبون يكبر من خاتمة " والضحى " إلى آخر القرآن فإذا قرأ قل أعوذ برب الناس كبر ، وفي التبصرة لمكي يكبر من خاتمة " والضحى " إلى آخر القرآن مع خاتمة كل سورة ، وكذلك إذا قرأ قل أعوذ برب الناس فإنه يكبر ، وفي الكافي لابن شريح فإذا ختمها أي الضحى كبر وبسمل بعد آخر كل سورة إلى أن يختم القرآن . وفي الهداية للمهدوي يكبر من خاتمة " والضحى " إلى آخر القرآن ، ولم أر في كلام أحد منهم تكبيرا من أول الضحى فليعلم ذلك . ( فهذا ) ما ثبت عندنا عن ابن كثير في الابتداء في التكبير وما ينتهي إليه ، وأما ما ورد عن السوسي فإن الحافظ أبا العلاء قطع له بالتكبير من فاتحة ألم نشرح إلى خاتمة الناس وجها واحدا ، وقطع له به صاحب التجريد من طريق ابن حبش ، وقرأنا بذلك من طريقه . وروى سائر الرواة عنه ترك التكبير كالجماعة ، وقدمنا أول الفصل ما كان يأخذ به الخبازي وابن حبش من التكبير لجميع القراء وما حكي عن أبي الفضل الخزاعي ، وغيره من التكبير في أول كل سورة من جميع القرآن .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث