الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

حكم القراءة في الصلاة بالشاذ

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

( وقال ) الإمام أبو محمد مكي في مصنفه الذي ألحقه بكتابه " الكشف " له : فإن سأل [ ص: 14 ] سائل فقال : فما الذي يقبل من القرآن الآن فيقرأ به ؟ وما الذي لا يقبل ولا يقرأ به ؟ وما الذي يقبل ولا يقرأ به ؟ فالجواب أن جميع ما روي في القرآن على ثلاثة أقسام : قسم يقرأ به اليوم ، وذلك ما اجتمع فيه ثلاث خلال ، وهن : أن ينقل عن الثقات عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، ويكون وجهه في العربية التي نزل بها القرآن سائغا ، ويكون موافقا لخط المصحف . فإذا اجتمعت فيه هذه الخلال الثلاث قرئ به وقطع على مغيبه وصحته وصدقه ; لأنه أخذ عن إجماع من جهة موافقة خط المصحف ، وكفر من جحده .

قال : ( والقسم الثاني ) ما صح نقله عن الآحاد وصح وجهه في العربية وخالف لفظه خط المصحف ، فهذا يقبل ولا يقرأ به لعلتين : إحداهما أنه لم يؤخذ بإجماع ، إنما أخذ بأخبار الآحاد ولا يثبت قرآن يقرأ به بخبر الواحد ، والعلة الثانية أنه مخالف لما قد أجمع عليه فلا يقطع على مغيبه وصحته وما لم يقطع على صحته لا يجوز القراءة به ، ولا يكفر من جحده ، ولبئس ما صنع إذا جحده .

قال ( والقسم الثالث ) هو ما نقله غير ثقة أو نقله ثقة ولا وجه له في العربية ، فهذا لا يقبل وإن وافق خط المصحف ، قال : ولكل صنف من هذه الأقسام تمثيل تركنا ذكره اختصارا . ( قلت ) : ومثال القسم الأول مالك و ( ملك ) و ( يخدعون ) و يخادعون ( وأوصى ) ووصى و ( يطوع ) و تطوع ونحو ذلك من القراءات المشهورة . ومثال القسم الثاني قراءة عبد الله بن مسعود وأبي الدرداء : ( والذكر والأنثى ) في وما خلق الذكر والأنثى وقراءة ابن عباس ( وكان أمامهم ملك يأخذ كل سفينة صالحة غصبا وأما الغلام فكان كافرا ) ونحو ذلك مما ثبت بروايات الثقات ، ( واختلف العلماء ) في جواز القراءة بذلك في الصلاة ، فأجازها بعضهم لأن الصحابة والتابعين كانوا يقرءون بهذه الحروف في الصلاة ، وهذا أحد القولين لأصحاب الشافعي وأبي حنيفة وإحدى الروايتين عن مالك وأحمد . وأكثر العلماء على عدم الجواز ; لأن هذه القراءات لم تثبت متواترة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وإن ثبتت بالنقل فإنها منسوخة بالعرضة الأخيرة أو بإجماع الصحابة على المصحف العثماني ، أو أنها [ ص: 15 ] لم تنقل إلينا نقلا يثبت بمثله القرآن أو أنها لم تكن من الأحرف السبعة ، كل هذه مآخذ للمانعين ، ( وتوسط بعضهم ) فقال : إن قرأ بها في القراءة الواجبة وهي الفاتحة عند القدرة على غيرها لم تصح صلاته ; لأنه لم يتيقن أنه أدى الواجب من القراءة لعدم ثبوت القرآن بذلك ، وإن قرأ بها فيما لا يجب لم تبطل ; لأنه لم يتيقن أنه أتى في الصلاة بمبطل لجواز أن يكون ذلك من الحروف التي أنزل عليها القرآن ، وهذا يبتنى على أصل ، وهو أن ما لم يثبت كونه من الحروف السبعة ، فهل يجب القطع بكونه ليس منها ؟

فالذي عليه الجمهور أنه لا يجب القطع بذلك ، إذ ليس ذلك مما وجب علينا أن يكون العلم به في النفي والإثبات قطعيا وهذا هو الصحيح عندنا ، وإليه أشار مكي بقوله : ولبئس ما صنع إذا جحده . وذهب بعض أهل الكلام إلى وجوب القطع بنفيه حتى قطع بعضهم بخطأ من لم يثبت البسملة من القرآن في غير سورة النمل ، وعكس بعضهم فقطع بخطأ من أثبتها ; لزعمهم أن ما كان من موارد الاجتهاد في القرآن فإنه يجب القطع بنفيه ، والصواب أن كلا من القولين حق ، وأنها آية من القرآن في بعض القراءات وهي قراءة الذين يفصلون بها بين السورتين ، وليست آية في قراءة من لم يفصل بها والله أعلم . وكان بعض أئمتنا يقول : وعلى قول من حرم القراءة بالشاذ يكون عالم من الصحابة وأتباعهم قد ارتكبوا محرما بقراءتهم بالشاذ ، فيسقط الاحتجاج بخبر من يرتكب المحرم دائما وهم نقلة الشريعة الإسلامية ، فيسقط ما نقلوه فيفسد على قول هؤلاء نظام الإسلام والعياذ بالله .

قال : ويلزم أيضا أن الذين قرءوا بالشواذ لم يصلوا قط ; لأن تلك القراءة محرمة والواجب لا يتأدى بفعل المحرم وكان مجتهد العصر أبو الفتح محمد بن علي بن دقيق العيد يستشكل الكلام في هذه المسألة ويقول : الشواذ نقلت نقل آحاد عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فيعلم ضرورة أنه - صلى الله عليه وسلم - قرأ بشاذ منها وإن لم يعين ، قال : فتلك القراءة تواترت وإن لم تتعين بالشخص ، فكيف يسمى شاذا والشاذ لا يكون متواترا ؟

قلت : وقد تقدم آنفا ما يوضح هذه الإشكالات [ ص: 16 ] من مآخذ من منع القراءة بالشاذ ، وقضية ابن شنبوذ في منعه من القراءة به معروفة وقصته في ذلك مشهورة ذكرناها في كتاب الطبقات ، وأما إطلاق من لا يعلم على ما لم يكن عن السبعة القراء ، أو ما لم يكن في هذه الكتب المشهورة كالشاطبية والتيسير أنه شاذ ، فإنه اصطلاح ممن لا يعرف حقيقة ما يقول كما سنبينه فيما بعد إن شاء الله تعالى .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث