الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


جزء التالي صفحة
السابق

باب ما يكره من أكل الدواب

حدثني يحيى عن مالك أن أحسن ما سمع في الخيل والبغال والحمير أنها لا تؤكل لأن الله تبارك وتعالى قال والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينة وقال تبارك وتعالى في الأنعام لتركبوا منها ومنها تأكلون وقال تبارك وتعالى ليذكروا اسم الله على ما رزقهم من بهيمة الأنعام فكلوا منها وأطعموا القانع والمعتر قال مالك وسمعت أن البائس هو الفقير وأن المعتر هو الزائر قال مالك فذكر الله الخيل والبغال والحمير للركوب والزينة وذكر الأنعام للركوب والأكل قال مالك والقانع هو الفقير أيضا .

التالي السابق


5 - باب ما يكره من أكل الدواب

- ( مالك أن أحسن ما سمع في الخيل ) جماعة الأفراس لا واحد له من لفظه أو مفرده خائل سميت بذلك لاختيالها في المشية ، ويكفي في شرفها أن الله أقسم بها في قوله تعالى : والعاديات ضبحا [ سورة العاديات : الآية 1 ] ( والبغال ) جمع كثرة لبغل وجمع القلة [ ص: 140 ] أبغال والأنثى بغلة بالهاء والجمع بغلات مثل سجدة وسجدات .

( والحمير ) جمع حمار ويجمع أيضا على حمر وأحمرة والأنثى أتان ، وحمارة بالهاء نادر ( أنها لا تؤكل ) تحريما على مشهور المذهب والصحيح عن أبي حنيفة ، وقول المفهم - مذهب مالك كراهة الخيل - ضعيف ، إلا أن تحمل على التحريم ( لأن الله تبارك وتعالى قال و ) خلق ( والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينة ) مفعول له .

( وقال تبارك وتعالى في الأنعام ) الإبل والبقر والغنم في سورة غافر : الله الذي جعل لكم الأنعام [ سورة غافر : الآية 79 ] ( لتركبوا منها ومنها تأكلون ) ولكم فيها منافع [ سورة غافر : الآية 80 ] وأتى بهذه الآية لأن فيها لام التعليل المفيدة للحصر عنده لأنه في مقام الاستدلال ولذا عدل عن قوله في سورة النحل قبل آية الخيل : والأنعام خلقها لكم فيها دفء ومنافع ومنها تأكلون [ سورة النحل : الآية 5 ] ( وقال تبارك وتعالى : ليذكروا اسم الله ) التلاوة : ويذكروا اسم الله في أيام معلومات [ سورة الحج : الآية 28 ] ( على ما رزقهم من بهيمة الأنعام فكلوا منها ) وأطعموا البائس الفقير [ سورة الحج : الآية 28 ] وقال بعد ذلك : والبدن جعلناها لكم من شعائر الله لكم فيها خير فاذكروا اسم الله عليها صواف فإذا وجبت جنوبها فكلوا منها وأطعموا القانع والمعتر [ سورة الحج : الآية 36 ] ( قال مالك : وسمعت أن البائس هو الفقير ) فجعل صفة له إيماء إلى شدة فقره لأنه الذي قد تباءس من ضر الفقر ( وأن المعتر هو الزائر ) الذي يعتريك ويتعرض لك لتعطيه ولا يفصح بالسؤال . ( قال مالك ) مبينا وجه استدلاله ( فذكر الله تعالى الخيل والبغال والحمير للركوب والزينة وذكر الأنعام للركوب والأكل ) وبينوا وجه الدليل بأمور : أحدها أن لام التعليل تفيد أن الخيل وما عطف عليها لم تخلق لغير ذلك لأن العلة المنصوصة تفيد الحصر فإباحة أكلها خلاف ظاهر الآية الذي هو أولى في الحجية من خبر الآحاد ولو صح .

وثانيها : عطف البغال والحمير على الخيل دال على اشتراكها معهما في حكم [ ص: 141 ] التحريم فيحتاج من أفرد الحكم ما عطف عليه إلى دليل ، وحديث أسماء في الصحيحين : " نحرنا فرسا على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأكلناه ونحن بالمدينة " ، زادت في رواية الدارقطني : نحن وآل بيت النبي - صلى الله عليه وسلم - بعد تسليم أنه - صلى الله عليه وسلم - اطلع على ذلك وأنهم لم يفعلوه باجتهادهم على المرجح من جواز الاجتهاد في العصر النبوي قضية عين يتطرق إليها الاحتمال إذ هو خبر لا عموم فيه .

وأما حديث جابر في الصحيحين : " نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - يوم خيبر عن لحوم الحمر الأهلية ورخص في الخيل " فهو من أدلة التحريم لقوله رخص إذ الرخصة استباحة الممنوع لعذر مع قيام المانع ، فدل على أنه رخص لهم بسبب المخمصة الشديدة التي أصابتهم بخيبر ، ولا يدل ذلك على الحل المطلق الذي هو محل النزاع ، وأما كون أكثر الروايات بلفظ أذن كما في مسلم ففيه تقوية لاحتجاجنا ; لأن لفظ أذن دون أباح أو أحل دال على ذلك ، وكذا لفظ رواية أمر معناه في هذا الوقت للمخمصة ، ولو سلمنا أنه لا يدل على التحريم فلا يدل على الحل لتقابل الاحتمالين .

ثالثها : أن الآية سيقت مساق الامتنان فلو كان ينتفع بها في الأكل لكان الامتنان به أعظم ، والحكيم لا يمتن بأدنى النعم وهو الركوب والزينة هنا ويترك أعلاها ولا سيما وقد وقع الامتنان بالأكل في المذكورات قبلها في قوله : ومنها تأكلون .

رابعها : لو أبيح أكلها لفاتت المنفعة بها فيما وقع الامتنان به من الركوب والزينة .

وأجيب عن الأول بأن آية النحل مكية اتفاقا فلو فهم - صلى الله عليه وسلم - منها المنع لما أذن في أكلها في خيبر وهي في سابعة الهجرة ، وجوابه أن محمل الإذن فيه للمخمصة كما قال تعالى : إلا ما اضطررتم إليه [ سورة الأنعام : الآية 119 ] في الممنوع منه نصا فإذنه لا ينافي فهمه منها المنع ، وأما دعوى أن آية النحل ليست نصا في المنع وحديث أسماء صريح في الجواز فيقدم الصريح على المحتمل ، فجوابه أن المتبادر من الآية المنع وذلك كاف من الاستدلال على ما علم في الأصول ، والحديث لا صراحة فيه على اطلاع المصطفى بل يحتمل أنه باجتهادهم ، ولا يرد أن من أصول مالك قول الصحابي لأن محله حيث لا معارض ، وأما دعوى أن اللام وإن كانت للتعليل لا تفيد الحصر في الركوب والزينة فإنه ينتفع بالخيل في غيرهما وفي غير الأكل اتفاقا كحمل الأمتعة والاستقاء والطحن ، وإنما ذكر الركوب والزينة لأنهما أغلب ما تطلب له الخيل ، فجوابه أن معنى الحصر فيهما دون الأكل الممتن به في غير الخيل فهو إضافي فلا ينافي الانتفاع بها فيما ذكر ، والدليل على أنه إضافي - الإجماع ، والحمل ونحوه ركوب حكما .

وأجيب عن الثاني بأن عطف البغال والحمير إنما هو دلالة اقتران وهي ضعيفة ، وجوابه أنا لم نستدل بها فقط ، بل مع الإخبار بأنه خلقها للركوب والزينة وامتنانه بالأكل من الأنعام دونها .

وعن الثالث بأن الامتنان إنما يقصد به غالب ما كان يقع انتفاعهم به فخوطبوا بما ألفوا وعرفوا ولم يكونوا يعرفون أكل الخيل [ ص: 142 ] لعزتها في بلادهم ، بخلاف الأنعام فأكثر انتفاعهم بها كان لحمل الأثقال وللأكل ، فاقتصر في كل من الصنفين على الامتنان بأغلب ما ينتفع به فلو حصر في الركوب والزينة لأضر .

والجواب أن هذا ممنوع ، وسنده أنه لا دليل على أن المقصود بالامتنان غالب ما يقصد به ، ولا مشقة في الحصر في الركوب والزينة بل هما من أجل النعم الممتن بها .

وأجيب عن الرابع بأنه لو لزم من الإذن في أكلها أن تفنى للزم مثله في الأنعام المباح أكلها وقد وقع الامتنان بها ، وجوابه أن الفرق موجود لأن ما وقع التصريح بالامتنان بأكله لا يقاس عليه ما وقع فيه الامتنان بأنه للركوب والزينة فاللازم ممنوع .

وقد روى ابن أبي حاتم عن ابن عباس أنه كان يكره لحوم الخيل ويقرأ : والأنعام خلقها لكم [ سورة النحل : الآية 5 ] الآية ، ويقول : هذه للأكل ، والخيل والبغال والحمير ، ويقول هذه للركوب ، فهذا صحابي من أئمة اللسان ومقامه في القرآن معلوم ، وقد سبق مالكا على الاستدلال بذلك .

وروى أبو داود والنسائي عن خالد بن الوليد : " نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن لحوم الخيل والبغال والحمير " لكن ضعفه البخاري وأحمد وابن عبد البر وغيرهم لكنه يتقوى بظاهر القرآن .

وذهب الجمهور والشافعي وأحمد إلى حل أكل الخيل بلا كراهة لظاهر حديثي جابر وأسماء بنت أبي بكر وقد علم ما فيه .

( قال مالك : والقانع هو الفقير أيضا ) وقيل هو السائل ، قال الشماخ : لمال المرء يصلحه فيغني مفاقره أعف من القنوع ، أي : السؤال ، يقال منه قنع قنوعا إذا سأل ، وقنع قناعة إذا رضي بما أعطي ، وأصل هذا كله الفقر والمسكنة وضعف الحال قاله أبو عمر فقنع بزنة رضي ومعناه ، وقنع بفتح النون طمع وسأل ، وقد تظرف القائل :


العبد حر إن قنع والحر عبد إن قنع

    فاقنع ولا تقنع فما
شيء يشين سوى الطمع





تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث