الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


جزء التالي صفحة
السابق

باب جامع البيوع

حدثني يحيى عن مالك عن عبد الله بن دينار عن عبد الله بن عمر أن رجلا ذكر لرسول الله صلى الله عليه وسلم أنه يخدع في البيوع فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا بايعت فقل لا خلابة قال فكان الرجل إذا بايع يقول لا خلابة

التالي السابق


46 - باب جامع البيوع

1393 1374 - ( مالك عن عبد الله بن دينار عن عبد الله بن عمر أن رجلا ) هو حبان بن منقذ كما رواه ابن الجارود والحاكم وغيرهما وصدر به عياض وجزم به النووي في شرح مسلم وهو بفتح المهملة والموحدة الثقيلة ، ومنقذ بذال معجمة قبلها قاف مكسورة الأنصاري ، وقيل : هو أبو منقذ بن عمرو كما في ابن ماجه وتاريخ البخاري ، قال ابن عبد البر : وهو أصح ، وتبعه النووي في مبهماته ( ذكر لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه يخدع ) بضم التحتية وسكون المعجمة وفتح المهملة أي يراد به المكروه ( في البيوع ) من حيث لا يعلم ، ويبدى له غير ما يكتم ، قال عياض : وفي الحديث أنه الذي ذكر ذلك لأنه لم يفقد التمييز والنظر لنفسه بالكلية فلعل ذلك كان يعتريه أحيانا ويتبين ذلك اهـ .

وعند الشافعي وأحمد وابن خزيمة والدارقطني أن حبان بن منقذ كان ضريرا ، وكان قد شج في رأسه مأمومة وقد ثقل لسانه .

وعند الدارقطني وابن عبد البر من طريق محمد بن إسحاق قال : حدثني محمد بن يحيى بن حبان ، عن عمه واسع بن حبان أن جده منقذ بن عمرو كان قد أتى عليه سبعون ومائة سنة فكان إذا بايع غبن فذكر ذلك للنبي - صلى الله عليه وسلم - فقال : الحديث .

وأخرج ابن عبد البر من طريق ابن إسحاق عن نافع عن ابن عمر أن منقذا سفع في رأسه مأمومة في الجاهلية فخبلت لسانه فكان يخدع في البيع .

( فقال ) له ( رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : إذا بايعت فقل : لا خلابة ) بكسر [ ص: 510 ] الخاء المعجمة وخفة اللام وموحدة ، أي : لا خديعة في الدين ، لأن الدين النصيحة ، فلا لنفي الجنس ، وخبر لا خلابة محذوف ، قال التوربشتي : لقنه النبي - صلى الله عليه وسلم - هذا القول ليلفظ به عند البيع ليطلع به صاحبه ، على أنه ليس من ذوي البصائر في معرفة السلع ومقادير القيمة فيها ليرى له كما يرى لنفسه ، وكان الناس في ذلك الزمان إخوانا لا يغبنون أخاهم المسلم ، وينظرون له أكثر ما ينظرون لأنفسهم اهـ .

زاد في رواية ابن عبد البر من طريق نافع : ثم أنت بالخيار ثلاثا من بيعك ، قال في الإكمال : جعله له عهدة الثلاث لأن أكثر مبايعته كانت في الرقيق ليتبصر ويثبت عيبه ، وروي أنه جعل له مع ذلك خيار ثلاثة أيام فيما اشتراه .

( فكان الرجل إذا بايع يقول لا خلابة ) أي معناه الذي يقدر عليه من النطق .

ففي مسلم من طريق إسماعيل بن جعفر عن ابن دينار يقول : لا خيابة ، قال عياض : بالتحتية ؛ لأنه كان ألثغ يخرج اللام من غير مخرجها ، ولبعضهم : لا خنابة بالنون وهو تصحيف ، وفي بعض روايات مسلم : لا خذابة بالذال المعجمة اهـ .

وفي رواية أبي عمر من طريق نافع قال ابن عمر : فسمعته يقول إذا باع لا خذابة لا خذابة .

وعند الدارقطني والبيهقي بإسناد حسن : ثم أنت بالخيار في كل سلعة ابتعتها ثلاث ليال ، فإن رضيت فأمسك وإن سخطت فاردد ، فبقي حتى أدرك زمن عثمان وهو ابن مائة وثمانين سنة فكثر الناس في زمان عثمان ، فكان إذا اشترى شيئا فقيل له : إنك غبنت فيه رجع به فيشهد له من الصحابة بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - جعله بالخيار ثلاثا فيرد له دراهمه .

وروى الترمذي عن أنس : " أن رجلا كان في عقله ضعف وكان يبايع ، وأن أهله أتوا النبي - صلى الله عليه وسلم - فقالوا : احجر عليه ، فدعاه فنهاه فقال : يا رسول الله إني لأصبر على البيع ، فقال : إذا بايعت فقل : لا خلابة ، وأنت في كل سلعة ابتعتها بالخيار ثلاث ليال " قال ابن عبد البر : قال بعضهم هذا خاص بهذا الرجل وحده ، جعل له الخيار ثلاثة أيام ، اشترطه أو لم يشترطه ، لما كان فيه من الحرص على المبايعة مع ضعف عقله ولسانه ، وقيل إنما جعل له أن يشترط الخيار لنفسه ثلاثا مع قوله لا خلابة فيكون عاما كسائر مشترطي الخيار اهـ .

وقد استدل أحمد والبغداديون من المالكية على القيام بالغبن غير المعتاد وحدوه بالثلث لا أقل ، لأنه غبن يسير انتصب له التجار فهو كالمدخول عليه ، وأبى ذلك الجمهور والأئمة الثلاثة وقالوا : لا رد بالغبن لو خالف العادة وتجاذب الطريقان قوله تعالى : ( ولا تأكلوا أموالكم ) ( سورة البقرة : الآية 188 ) فقال : الأقل الغبن المخالف للعادة من ذلك .

وقال الجمهور : قد استثنى منه التجارة عن تراض ، وهذا عن تراض ، وكذلك تجاذبوا فهم الحديث ، فقال البغداديون وأحمد : فيه الخيار للمغبون ، وقال الجمهور : هي واقعة عين وحكاية حال لا يصح دعوى العموم فيها على أنه لم يجعل الخيار إلا بشرط ، فالحديث حجة لعدم القيام بالغبن إذ لو كان ثابتا لم يأمره بالشرط بأن يقول لا [ ص: 511 ] خلابة ، فلو قيلت هذه اللفظة اليوم في العقد ثم ظهر الغبن فقال الأكثر : لا يوجب قولها قياما بالغبن ، ثم اختلفوا فقال بعضهم : لأنها كانت خاصة بذلك الرجل وله - صلى الله عليه وسلم - أن يخص من شاء بما شاء وقيل : إنما أمره أن يشترط ، ويصدره بهذه الكلمة حضا لمن عامله على النصيحة والتحرز من الخلابة فقد روي أنه قال له : قل لا خلابة واشترط الخيار ثلاثة أيام ، وليعلم صاحبه أنه ليس من ذوي البصيرة في البيع فينظر له كما ينظر لنفسه ، وقال أحمد : توجب القيام بالغبن لقائلها إذ كأنه شرط أن لا يزيد الثمن عن ثمن المثل ، ولا أن تنقص السلعة عنه ، وإن قالها البائع صار بمنزلة من شرط وصفا في المبيع فبان خلافه .

وفي الحديث حجة لإمضاء بيع من لا يحسن النظر لنفسه وشرائه قبل الحجر عليه .

وأخرجه البخاري هنا عن عبد الله بن يوسف وفي ترك الحيل عن إسماعيل كلاهما عن مالك به .

وأخرجه أبو داود والنسائي من طريق مالك وتابعه إسماعيل بن جعفر وسفيان وشعبة ، الثلاثة عن ابن دينار عند مسلم .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث