الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

الحديث الأول يوشك أن يكون خير مال المسلم غنما يتبع بها شعب الجبال

جزء التالي صفحة
السابق

1811 [ ص: 219 ] عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي صعصعة الأنصاري المازني - مدني ثقة

روى عنه مالك ، ويحيى بن سعيد الأنصاري ، وابن عيينة ، لمالك عنه في الموطأ خمسة أحاديث منها ثلاثة مسندة ، واثنان مرسلان ، أحدهما : عن سليمان بن يسار ، والآخر عن نفسه .

حديث أول لعبد الرحمن بن أبي صعصعة

مالك ، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة ، عن أبيه ، عن أبي سعيد الخدري أنه قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : يوشك أن يكون خير مال المسلم غنما يتبع بها شعب الجبال ، ومواقع القطر يفر بدينه من الفتن .

التالي السابق


هكذا وقع في هذه الرواية شعب الجبال ، وهو عندهم غلط ، وإنما يرويه الناس شعف الجبال ، وشعف الجبال عند أهل اللغة : رؤوسها ، وشعفة كل شيء : أعلاه .

[ ص: 220 ] قال الأخفش : الشعف : أطراف الجبال وظهورها وأعلاها ، الواحدة شعفة .

قال الشاعر :


كنا كزوج من حمام ترتقي شعف الجبال     ترعى النهار ولا تراع
بذي حابل أو نصال

وأما الشعب ، فهو عندهم ما انفرج بين الجبلين ، وقد قيل في قوله شعب الجبال : ما تشعب منها وما توعر ، وهذا الحديث إنما ورد خبرا عن حال آخر الزمان ، وما المحمود في ذلك الوقت لكثرة الفتن ، وقد كان - صلى الله عليه وسلم - يحض في أول الإسلام على لزوم الخواص للجماعات والجمعات ، ويقول : من بدا جفا ، والحديث المذكور في هذا الباب من أحسن حديث في العزلة والفرار من الفتنة ، والبعد عن مواضعها من الحواضر وغيرها ، والفتنة المذكورة في هذا الحديث تحتمل أن تكون فتنة الأهل والمال ، وفتنة النظر إلى أهل الدنيا ، وفتنة الدخول إلى السلطان ، وغير ذلك من أنواع الفتن ، ولم يرد الفتنة النازلة بين المسلمين الحاملة على القتال في طلب الإمارة دون غيرها من الفتن ، بل أراد بقوله : يفر بدينه من الفتن جميع أنواع الفتن - والله أعلم - ، وفي ذلك دليل على فضل العزلة والانفراد في آخر الزمان كزماننا هذا ، وقد ذكرنا لمعا في العزلة ، وفضلها ، وفضل اعتزال الناس ، ولزوم البيوت في باب أبي طوالة من هذا الكتاب ، وذكرنا هناك آثارا مرفوعة حسانا تدل على فضل العزلة أيضا والجهاد ، فلا معنى لإعادتها هاهنا ، وفي هذا الحديث حض على كسب الغنم ، وفي ذلك فضل لها ، وتبرك بها ، إلى ما روي فيها عن أبي هريرة أنها من دواب الجنة ، وفي ذلك فضل لرعيها ومعاناتها ، وما من نبي إلا وقد رعى الغنم .

[ ص: 221 ] حدثنا خلف بن القاسم قال : حدثنا أحمد بن محمد بن يزيد الحلبي القاضي قال : حدثنا عمر بن حفص العسكري قال : حدثنا أبو مصعب بن سعيد الضرير بحلب إملاء قال : حدثنا عيسى بن يونس ، عن مسعر ، عن سعد بن إبراهيم ، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف ، عن عبد الرحمن بن عوف قال : مررنا بثمر الأراك فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : عليكم بالأسود منه ، فإني قد كنت أجتنيه وأنا أرعى الغنم ، قالوا : يا رسول الله ورعيت ؟ قال : نعم ، ما من نبي إلا وقد رعى قال أبو عمر :

قال الله عز وجل وما تلك بيمينك ياموسى قال هي عصاي أتوكأ عليها وأهش بها على غنمي الآية .

أخبرنا أحمد بن محمد قال : حدثنا وهب بن مسرة ، وأخبرنا سعيد بن نصر قال : حدثنا قاسم بن أصبغ قالا : حدثنا ابن وضاح قال : حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال : حدثنا عبد الله بن نمير ، عن يحيى بن سعيد ، عن عبد الرحمن بن عبد الله الأنصاري ، عن أبيه أنه سمع أبا سعيد الخدري يقول : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : يوشك أن يكون خير مال المسلم غنما يتبع بها شعف الجبال ، ومواقع القطر ، يفر بدينه من الفتن .

حدثنا خلف بن القاسم ، حدثنا عمر بن محمد بن القاسم ، ومحمد بن أحمد بن كامل ، ومحمد بن أحمد بن المسور ، قالوا : حدثنا بكر بن سهل ، حدثنا عبد الله بن يوسف ، حدثنا مالك ، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة ، عن أبيه ، عن أبي سعيد الخدري أنه قال : [ ص: 222 ] قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : يوشك أن يكون خير مال المسلم غنما يتبع بها شعف الجبال ، ومواقع القطر يفر بدينه من الفتن .

حدثنا خلف بن القاسم قال : حدثنا عبد الله بن محمد بن المفسر قال : حدثنا علي بن غالب بن سالم ، حدثنا علي بن المديني قال : حدثنا معاذ بن هشام صاحب الاستوائي قال : حدثني أبي ، عن محمد بن جحادة ، عن نعيم بن أبي هند الأشجعي ، عن أبي حازم ، عن حسين بن خارجة قال : لما قتل عثمان أشكلت علي الفتنة ، فقلت : اللهم أرني أمرا أتمسك به قال : فرأيت فيما يرى النائم الدنيا والآخرة ، فقلت : لو تسنمت هذا الحائط لعلي أهبط على قتلى أشجع فيخبروني ؟ فهبطت الحائط ، فإذا أنا بأرض ذات شجر ، وإذا بنهر ، فقلت : أنتم الشهداء ؟ قالوا : لا بل نحن الملائكة قال : قلت : فأين الشهداء ؟ قالوا : اصعد إلى الدرجات العلى قال : فصعدت درجة الله أعلم بما فيها ، ثم صعدت أخرى فإذا محمد - صلى الله عليه وسلم - وإبراهيم عنده شيخ ، وإذا محمد - صلى الله عليه وسلم - يقول : أستغفر لأمتي قال : إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك ، إنهم أهرقوا دماءهم وقتلوا إمامهم ، فهلا فعلوا كما فعل خليلي سعد ؟ قال : فقلت : لقد رأيت رؤيا لعل الله عز وجل أن ينفعني بها ، أنطلق فأنظر مع من كان سعد فأكون معه قال : فأتيت سعدا فقصصتها عليه ، فما أكبر بها فرحا ، وقال : لقد خاب من لم يكن له إبراهيم خليلا قال : فقلت : أي الطائفتين ؟ قال : ما أنا في واحدة منهما قال : فما تأمرني قال : هل لك من غنم ؟ قلت : لا قال : فاشتر غنما فكن فيها .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث