الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

الحديث الأول أنه كان يرى عبد الله بن عمر يتربع في الصلاة إذا جلس

جزء التالي صفحة
السابق

202 [ ص: 245 ] حديث أول لعبد الرحمن بن القاسم

مالك ، عن عبد الرحمن بن القاسم بن محمد ، عن عبد الله بن عبد الله بن عمر أنه أخبره : أنه كان يرى عبد الله بن عمر يتربع في الصلاة إذا جلس . قال : ففعلته ، وأنا يومئذ حديث السن ، فنهاني عبد الله ، وقال : إنما سنة الصلاة أن تنصب رجلك اليمنى ، وتثني رجلك اليسرى . قال : فقلت له : فإنك تفعل ذلك فقال : إن رجلي لا تحملاني .

التالي السابق


قال أبو عمر :

هذا الحديث يدخل في المسند لقول ابن عمر : إنما سنة الصلاة ، وقد بان في هذا الحديث أن التربع في الصلاة لا يجوز وليس من سنتها ، وعلى هذا جماعة الفقهاء فلا وجه للإكثار فيه .

وقد روي عن ابن عباس ، وأنس ، ومجاهد ، وأبي جعفر محمد بن علي ، وسالم ، وابن سيرين ، وبكر المزني - أنهم كانوا يصلون متربعين ، وهذا عند أهل العلم على أنهم كانوا يصلون جلوسا عند عدم القوة على القيام ، أو كانوا متنفلين جلوسا لأنهم كلهم قد روي عنهم أن التربع في الجلوس للصلاة لا يجوز إلا لمن اشتكى أو تنفل .

[ ص: 246 ] ذكر ابن أبي شيبة ، عن الثقفي ، عن أيوب ، عن محمد بن سيرين . قال : كان يكره أن يتربع الرجل في صلاته حين يتشهد ، وعن ابن علية ، عن أيوب ، عن ابن سيرين . قال : نبئت أن ابن عمر صلى متربعا ، وقال : إنه ليس بسنة ، إنما فعله من وجع .

وعن محمد بن فضيل ، عن حصين ، عن الهيثم بن شهاب . قال : سمعت عبد الله بن مسعود يقول : لأن أقعد على رضفتين أحب إلي من أن أقعد متربعا في الصلاة ، وقد اختلف الفقهاء في كيفية صلاة القاعد الذي لا يقدر على القيام في الفريضة ، والمصلي جالسا في النافلة ، فذكر ابن عبد الحكم ، عن مالك في المريض أنه يتربع في حال القراءة والركوع ، ويثني رجليه في حال السجود فيسجد ، وكذلك قال الليث بن سعد .

وروى المزني ، عن الشافعي قال : يجلس المريض والمصلي جالسا في صلاته كجلوس التشهد ، وروى عنه البويطي أنه يصلي متربعا في موضع القيام .

وروى الحسن بن زياد ، عن أبي حنيفة ، وزفر : أنه يجلس كجلوس الصلاة في التشهد ويسجد ، واحتج من ذهب هذا المذهب بقول ابن مسعود ، وقد تقدم ذكره : لأن أقعد على رضفتين أحب إلي من أن أقعد متربعا في الصلاة ، وحمل هذا على الصلاة التي يجوز فيها الجلوس ; قال : وقال أبو يوسف : يكون في حال قيامه متربعا ، وفي ركوعه وسجوده كجلوس التشهد .

[ ص: 247 ] . قال الطحاوي : المشهور من قول أبي يوسف ومحمد - أنه يكون متربعا في حال الركوع .

قال أبو عمر :

ذكر ابن أبي شيبة ، عن وكيع . قال : حدثنا سفيان عن حماد ، عن إبراهيم . قال : إذا صلى قاعدا جعل قيامه متربعا . قال وكيع : وقال سفيان : إذا صلى جالسا جعل قيامه متربعا ، فإذا أراد أن يركع ركع وهو متربع ، وإذا أراد أن يسجد ثنى رجليه .

وعن أسباط بن محمد ، عن مطرف ، عن سليمان بن بزيع . قال : دخلت على سالم وهو يصلي جالسا ، فإذا كان الجلوس جثا لركبتيه ، وإذا كان القيام تربع ; وكرهت طائفة التربع على كل حال ، منهم طاوس ، وكان طاوس يقول : هي جلسة مملكة ، وهذا كله في النافلة لمن صلى جالسا فيها أو للمريض ، وأما الصحيح فلا يجوز له التربع في كل حال في الصلاة بإجماع من العلماء ، وكذلك أجمعوا أنه من لم يقدر على هيئة الجلوس في الصلاة صلى على حسب ما يقدر ، ولا يكلف الله نفسا إلا وسعها .

واختلف الفقهاء في هيئة الجلوس وكيفيته في الصلاة المكتوبة ، فقال : يفضي بإليتيه إلى الأرض ، وينصب رجله اليمنى ، ويثني رجله اليسرى ، وهذا كله عنده في كل جلوس في الصلاة هكذا ، والمرأة والرجل في ذلك كله عنده سواء .

وقال الثوري ، وأبو حنيفة وأصحابه : ينصب الرجل اليمنى ، ويقعد على اليسرى ، هذا في الرجل ، والمرأة عندهم تقعد كأيسر ما يكون لها ، وقال الثوري : تسدل رجليها من جانب واحد ، ورواه عن إبراهيم ، وقال [ ص: 248 ] الشعبي : تقعد كيف تيسر لها ، وكان عبد الله بن عمر يأمر نساءه أن يجلسن في الركعتين والأربع متربعات .

. قال الشافعي : يقعد المصلي في الجلسة الوسطى كما قال أبو حنيفة والثوري ، وفي الجلسة من الرابعة كما قال مالك ، وقال الشافعي أيضا : إذا قعد في الرابعة أماط رجليه جميعا فأخرجهما عن وركه اليمنى ، وأفضى بمقعدته إلى الأرض ، وأضجع اليسرى ونصب اليمنى ، . قال : وكذلك في صلاة الصبح .

وقال أحمد بن حنبل مثل قول الشافعي سواء في كل شيء إلا في الجلوس للصبح ، فإنه عنده كالجلوس في ثنتين ، وهو قول داود ، وقال الطبري : إن فعل هذا فحسن ، وإن فعل هذا فحسن ; لأن ذلك كله قد ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - .

قال أبو عمر :

ما ذهب إليه مالك فقد روي عن ابن عمر أنه السنة وحسبك ; وما ذهب إليه الثوري ، وأبو حنيفة فموجود في حديث وائل بن حجر ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وما ذهب إليه الشافعي فموجود في حديث أبي حميد الساعدي ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - .

أخبرنا محمد بن إبراهيم بن سعيد . قال : حدثنا محمد بن معاوية بن عبد الرحمن . قال : حدثنا أحمد بن شعيب . قال : أخبرنا قتيبة . قال : حدثنا الليث ، عن يحيى بن سعيد ، عن القاسم بن محمد ، عن عبد الله بن عبد الله بن عمر ، عن أبيه أنه قال : إن من سنة الصلاة أن تضجع رجلك اليسرى [ ص: 249 ] وتنصب اليمنى ، وكذلك رواه عبد الوهاب الثقفي . قال : سمعت يحيى بن سعيد قال : سمعت القاسم يقول : أخبرني عبد الله بن عبد الله أنه سمع عبد الله بن عمر يقول : سنة الصلاة أن تضجع رجلك اليسرى وتنصب اليمنى ، ذكره أبو داود ، عن ابن معاذ ، عن الثقفي ، وكذلك رواه جرير ، عن يحيى بن سعيد .

وروى هذا الحديث مالك في الموطأ ، عن يحيى بن سعيد أن القاسم بن محمد أراهم الجلوس في التشهد ، فنصب رجله اليمنى ، وثنى رجله اليسرى ، وجلس على وركه الأيسر ، ولم يجلس على قدمه ، ثم قال : أراني هذا عبد الله بن عبد الله بن عمر وحدثني أن أباه كان يفعل ذلك .

هكذا قال مالك في حديث يحيى بن سعيد هذا - لم يذكر فيه أن ذلك من سنة الصلاة كما ذكر في حديثه عن عبد الرحمن بن القاسم ، وكذلك رواه حماد بن زيد عن يحيى بن سعيد أن القاسم بن محمد أراهم الجلوس ، فذكر مثل ما ذكره مالك سواء ، ولم يذكر أن ذلك من السنة كما قال عبد الوهاب والليث ، وجرير ، فلهذا لم نذكر في هذا الكتاب حديث مالك عن يحيى بن سعيد ، عن القاسم في باب يحيى بن سعيد ; لأن مالكا لم يقل عنه : فيه من السنة ، ولا نشك أن ذلك من السنة ; لأن مالكا ذكر عن عبد الرحمن بن القاسم ، عن عبد الله بن عبد الله بن عمر ، عن أبيه ، وأظن عبد الرحمن شهد ذلك من عبد الله بن عبد الله مع أبيه القاسم ; لأن رواية مالك عنه تدل على ذلك ، وعبد الرحمن ممن أدرك بسنه من الصحابة مثل أنس وطبقته ، وإن كان لم تحفظ له عنهم رواية ، فهو أحرى أن يصير مع أبيه [ ص: 250 ] في درجة في مثل هذا الحديث ، عن عبد الله بن عبد الله بن عمر ، هذا ما لا خلاف فيه ، ولا مدفع .

أخبرنا عبد الله بن محمد ، . قال : حدثنا محمد بن بكر ، . قال : حدثنا أبو داود ، قال : حدثنا عبد الله بن مسلمة القعنبي ، عن مالك ، عن عبد الرحمن بن القاسم ، عن عبد الله بن عبد الله بن عمر ، عن عبد الله بن عمر ، . قال : سنة الصلاة أن تنصب رجلك اليمنى ، وتثني رجلك اليسرى .

قال أبو عمر :

رواية يحيى بن سعيد عن القاسم أكمل من رواية عبد الرحمن هذه ، والمعنى في ذلك بين واضح ، والحمد لله .

وقد روي في هذا الباب عن عائشة حديث اختلف في متنه ولفظه ، أخبرنا عبد الوارث بن سفيان ، قال : حدثنا قاسم بن أصبغ ، قال : حدثنا محمد بن عيسى الواسطي ، قال : حدثنا عمرو بن عون عن هشيم ، عن منصور ، عن محمد بن أبان ، عن عائشة ، قالت : أربع من السنة : تعجيل الإفطار ، وتأخير السحور ، ووضع الرجل اليسرى في التشهد ، ونصب اليمنى .

قال أبو عمر :

منصور هذا هو منصور بن زاذان ، ومحمد بن أبان هذا هو محمد بن أبان الأنصاري المديني ; إلا أني أظن أنه لم يدرك عائشة ، وأخشى أن يكون محمد بن أبان الذي يروي عن القاسم ، عن عائشة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - : من نذر أن يعصي الله فلا يعصه ، وقد جعلهما العقيلي رجلين ، وكذلك جعلهما أبو حاتم رجلين .

وذكر العقيلي هذا الحديث فقال : أخبرنا محمد بن عيسى الواسطي ، قال : أخبرنا عمرو بن عون ، أخبرنا هشيم ، عن منصور بن زاذان ، عن [ ص: 251 ] محمد بن أبان ، عن عائشة ، قالت : أربع من السنة : تعجيل الإفطار ، وتأخير السحور ، ووضع اليسرى ، ونصب اليمنى في التشهد .

قال : وأخبرنا محمد بن علي ، حدثنا سعيد بن نصر ، أخبرنا هشيم ، أخبرنا منصور بن زاذان ، عن محمد بن أبان الأنصاري ، عن عائشة . قالت : ثلاث من النبوة : تعجيل الإفطار ، وتأخير السحور ، ووضع اليمنى على اليسرى في الصلاة .

ورواه حجاج بن منهال عن هشيم مثله بإسناده ، فسقط هذا الحديث أن يحتج به في هذا الباب للاختلاف في متنه ومعناه ، وقد روى حارثة بن أبي الرجال ، وهو ممن لا يحتج به أيضا ، عن عمرة ، عن عائشة : أنها وصفت صلاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فذكرتها ، وقالت في آخرها : ثم يرفع رأسه فيجلس على قدمه اليسرى ، وينصب اليمنى ، ويكره أن يسقط على شقه الأيسر . - ذكره أبو بكر بن أبي شيبة ، عن عبدة ، عن حارثة .

وأما حديث وائل بن حجر في هذا الباب ، فأحسن طرقه : ما حدثناه عبد الوارث بن سفيان ، قال : حدثنا قاسم بن أصبغ ، قال : حدثنا محمد بن وضاح ، قال : حدثنا حامد بن يحيى ، قال : حدثنا سفيان ، قال : حدثني عاصم بن كليب الجرمي ، قال : سمعت أبي يقول : سمعت وائل بن حجر الحضرمي قال : رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي ، فذكر الحديث ، وفيه قال : ورأيته إذا جلس في الصلاة أضجع رجله اليسرى ، ونصب رجله اليمنى .

[ ص: 252 ] وأخبرنا محمد بن إبراهيم ، قال : حدثنا محمد بن معاوية ، قال : حدثنا أحمد بن شعيب ، قال : أخبرنا محمد بن عبد الله بن يزيد المقرئ ، حدثنا سفيان ، حدثنا عاصم بن كليب ، عن أبيه ، عن وائل بن حجر ، قال : أتيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فرأيته يرفع يديه إذا افتتح الصلاة حتى يحاذي منكبيه ، وإذا أراد أن يركع ، وإذا جلس في الركعتين أضجع اليسرى ونصب اليمنى - وذكر الحديث .

وأما حديث أبي حميد الساعدي ، فحدثنا عبد الوارث بن سفيان ، قال : حدثنا قاسم بن أصبغ ، قال : أخبرنا محمد بن عبد السلام ، قال : حدثنا محمد بن بشار ، قال : حدثنا أبو عاصم ، قال : أخبرنا عبد الحميد بن جعفر ، قال : حدثني محمد بن عمرو بن عطاء ، قال : سمعت أبا حميد الساعدي في عشرة من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - فيهم أبو قتادة بن زيعي ، فقال أبو حميد : أنا أعلمكم بصلاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - . قالوا : لم ؟ فوالله ما كنت أكثرنا له تبعة ، ولا أقدمنا له صحبة ، قال : بلى ، قالوا : فاعرض ، قال : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا قام إلى الصلاة كبر ، ثم يرفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه ، ويقر كل عظم في موضعه ، ثم يكبر ، ثم يقرأ ، ثم يرفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه ، فيضع راحتيه على ركبتيه معتدلا لا ينصب رأسه ولا يقع معتدلا ، ثم يقول : سمع الله لمن حمده ، ثم يرفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه حتى يقر كل عظم إلى موضعه ، ثم يهوي إلى الأرض ، ويجافي يديه عن جنبيه ، ثم يرفع رأسه ، ويثني رجله اليسرى فيقعد عليها ، ويفتح أصابع رجليه ، ثم يسجد ، ثم يكبر ، ويجلس على رجله اليسرى حتى يرجع كل عظم إلى موضعه ، ثم يقوم فيضع في الركعة الأخرى مثل ذلك ، ثم إذا قام من الركعتين رفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه ، كما صنع عند افتتاح الصلاة ، ثم يصلي بقية صلاته [ ص: 253 ] هكذا إذا كان في السجدة التي فيها التسليم أخر رجله وجلس على شقه الأيسر متوركا - . قالوا : صدقت ، هكذا كان يصلي النبي - صلى الله عليه وسلم - .

وأخبرنا عبد الله بن محمد . قال : حدثنا محمد بن بكر . قال : حدثنا أبو داود . قال : أخبرنا أحمد بن حنبل . قال : حدثنا أبو عاصم . قال : حدثنا عبد الحميد بن جعفر فذكر بإسناده مثله ، قال أبو داود : وحدثنا مسدد . قال : حدثنا يحيى . قال : حدثنا عبد الحميد بن جعفر ، قال : حدثني محمد بن عمرو بن عطاء ، عن أبي حميد الساعدي ، فذكره .

وأخبرنا عبد الوارث بن سفيان ، قال : حدثنا قاسم بن أصبغ ، قال : حدثنا المطلب بن شعيب ، قال : حدثنا عبد الله بن صالح ، قال : حدثنا الليث ، عن يزيد بن محمد القرشي ويزيد بن أبي حبيب ، عن محمد بن عمرو بن طلحة ، عن محمد بن عمرو بن عطاء : أنه كان جالسا مع نفر من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فذكرنا صلاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال أبو حميد : أنا أحفظكم بصلاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : رأيته إذا كبر جعل يديه حذو منكبيه ، وإذا ركع أمكن كفيه من ركبتيه ، ثم هصر ظهره ، فإذا رفع رأسه استوى حتى يعود كل فقار مكانه ، فإذا سجد وضع يديه غير مفترش ولا قابضهما ، واستقبل بأطراف أصابع رجليه القبلة ، فإذا جلس في الركعتين جلس على رجله اليسرى ، وإذا جلس في الركعة الآخرة قدم رجله اليسرى ، وقعد على مقعدته ، ورواه ابن وهب عن الليث بإسناده هذا مثله سواء .

ورواه ابن لهيعة ، عن يزيد بن أبي حبيب ، عن محمد بن عمرو بن طلحة ، عن محمد بن عمرو العامري . قال : كنت في مجلس ، فذكر هذا الحديث ، قال فيه : فإذا قعد في الركعتين قعد على بطن قدمه اليسرى [ ص: 254 ] ونصب اليمنى ، وإذا كان في الرابعة ، أفضى بوركه الأيسر إلى الأرض ، وأخرج قدميه من ناحية واحدة ، ورواه فليح بن سليمان ، وعيسى بن عبد الله بن مالك ، عن عباس بن سهل بن سعد الساعدي قال : اجتمع أبي وأبو حميد وأبو أسيد ، ومحمد بن مسلمة ، فذكر هذا الحديث ، وقال فيه : ثم جلس فافترش رجله اليسرى ، وأقبل بصدر اليمنى على قبلته .

قال أبو عمر :

لم أجد استقبال القبلة بصدر القدم اليمنى في الصلاة عند الجلوس للتشهد إلا في حديث أبي حميد هذا ، وفي رواية عمرو بن الحارث عن يحيى بن سعيد ، عن القاسم بن محمد في حديث ابن عمر ، حدثناه محمد بن إبراهيم . قال : حدثنا محمد بن معاوية . قال : حدثنا أحمد بن شعيب . قال : حدثنا الربيع بن سليمان بن داود ، حدثنا إسحاق بن بكر بن مضر ، قال : حدثني أبي عن عمرو بن الحارث ، عن يحيى بن سعيد أن القاسم حدثه عن عبد الله ، وهو ابن عبد الله بن عمر ، عن أبيه . قال : من سنة الصلاة أن تنصب القدم اليمنى ، وتستقبل بأصابعها القبلة ، والجلوس على اليسرى .

واختلف الفقهاء في النهوض من السجود إلى القيام ، فقال مالك والأوزاعي ، والثوري ، وأبو حنيفة وأصحابه : ينهض على صدور قدميه ولا يجلس ، وروي ذلك عن ابن مسعود ، وابن عمر ، وابن عباس ، وقال النعمان بن أبي عياش : أدركت غير واحد من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - يفعل ذلك . وقال أبو الزناد : تلك السنة ، وبه قال أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه ، قال أحمد : أكثر الأحاديث على هذا ، قال الأثرم : ورأيت أحمد بن حنبل ينهض بعد السجود على صدور قدميه ، ولا يجلس قبل أن ينهض ; [ ص: 255 ] وذكر عن ابن مسعود ، وابن عمر ، وأبي سعيد ، وابن عباس ، وابن الزبير أنهم كانوا ينهضون على صدور أقدامهم .

وقال الشافعي : إذا رفع رأسه من السجدة جلس ، ثم نهض معتمدا على الأرض بيديه حتى يعتدل قائما .

ومن حجة من ذهب مذهب مالك ومن تابعه حديث أبي حميد الساعدي المذكور في هذا الباب ، فيه : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما رفع رأسه من السجدة قام . ولم يذكر قعودا .

وفي حديث رفاعة بن رافع ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في تعليم الأعرابي : ثم اسجد حتى تعتدل ساجدا ، ثم قم ، ولم يأمره بالقعدة ، واحتج أبو جعفر الطحاوي لهذا المذهب أيضا بأن قال : قد اتفقوا أنه يرجع من السجود بتكبير ، ثم لا يكبر أخرى للقيام ، قالوا : فلو كانت القعدة مسنونة لكان الانتقال منها إلى القيام بالذكر كسائر أحوال الانتقال .

وحجة الشافعي لما ذهب إليه في ذلك : حديث مالك بن الحويرث : أخبرنا عبد الله بن محمد بن عبد المومن . قال : أخبرنا محمد بن بكر بن داسة . قال : حدثنا أبو داود . قال : حدثنا زياد بن أيوب ، ومسدد . قال : حدثنا إسماعيل ، عن أيوب ، عن أبي قلابة قال : جاءنا أبو سليمان مالك بن الحويرث إلى مسجدنا فقال : والله إني لأصلي ، وما أريد الصلاة ، ولكني أريد أن أريكم كيف رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي ، قال : فقعد في الركعة الأولى حين رفع رأسه من السجدة الآخرة ، ثم قام .

حدثنا عبد الوارث بن سفيان . قال : حدثنا قاسم بن أصبغ . قال : حدثنا بكر بن حماد ، وحدثنا عبد الله بن محمد . قال : حدثنا محمد بن بكر . قال : [ ص: 256 ] حدثنا أبو داود ، قالا : حدثنا مسدد . قال : حدثنا هشيم ، عن خالد ، عن أبي قلابة ، عن مالك بن الحويرث : أنه رأى النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا كان في وتر من صلاته لم ينهض حتى يستوي قاعدا .

وأخبرنا محمد بن إبراهيم ، قال : حدثنا محمد بن معاوية ، قال : حدثنا أحمد بن شعيب ، قال : أخبرنا محمد بن بشار ، قال : حدثنا عبد الوهاب ، قال : حدثنا خالد عن أبي قلابة . قال : كان مالك بن الحويرث يأتينا فيقول : ألا أحدثكم عن صلاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيصلي في غير وقت صلاة ; فإذا رفع رأسه من السجدة الثانية في أول ركعة استوى قاعدا ، ثم قام فاعتمد على الأرض . قال أصحاب الشافعي : فحديث ابن الحويرث أولى ما قيل به في هذه المسألة ; لأن فيه زيادة سكت عنها غيره فوجب قبولها .

واختلف الفقهاء في الاعتماد على اليدين عند النهوض إلى القيام ، فقال مالك والشافعي ، وأبو حنيفة وأصحابهم : يعتمد على يديه إذا أراد القيام ، وروي عن ابن عمر أنه كان يعتمد على يديه إذا أراد القيام ، وكذلك روي عن مكحول ، وعمر بن عبد العزيز ، وجماعة من التابعين .

ذكر عبد الرزاق ، عن عبد الله بن عمر ، عن نافع ، عن ابن عمر : أنه كان يقوم إذا رفع رأسه من السجدة معتمدا على يديه قبل أن يرفعهما ، وقال الثوري : لا يعتمد على يديه ; إلا أن يكون شيخا كبيرا ، وروي ذلك عن علي بن أبي طالب ، وهو قول إبراهيم النخعي .

وقال الأثرم : رأيت أحمد بن حنبل إذا نهض يعتمد على فخذيه ، وذكر عن علي رضي الله عنه قال : إن من السنة في الصلاة إذا نهض الرجل في [ ص: 257 ] الركعتين الأوليين ألا يعتمد بيديه على الأرض ; إلا أن يكون شيخا كبيرا لا يستطيع .

عبد الرزاق عن معمر ، عن أيوب ، عن عبد الرحمن بن القاسم ، عن أبيه : أن السنة في الجلوس في الصلاة أن يثني اليسرى ، ويقعي باليمنى ، وعن معمر قال : سألت الزهري عن الجلوس في مثنى في الصلاة . قال : تثني اليسرى تحت اليمنى ، وعن معمر ، عن أيوب ، عن نافع قال : تربع ابن عمر في صلاته فقال : إنها ليست من سنة الصلاة ، ولكني أشتكي رجلي ، وعن ابن جريج ، عن عطاء . قال : رأيت ابن عمر يجلس في مثنى فجلس على يسراه ، فيبسطها جالسا عليها ، ويقعي على أصابع يمناه ثانيها وراءه على كل أصابعها .

قال أبو عمر :

قد مضى معنى الإقعاء وما فيه للعلماء في باب صدقة بن يسار من كتابنا هذا ، فلا معنى لإعادة ذلك هاهنا ، ومضى في هذا الباب ما فيه كفاية .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث