الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


جزء التالي صفحة
السابق

1135 [ ص: 318 ] حديث تاسع لعبد الرحمن بن القاسم

مالك ، عن عبد الرحمن بن القاسم ، عن أبيه ، عن عبد الرحمن ومجمع ابني يزيد بن جارية ، عن خنساء بنت خدام الأنصارية : أن أباها زوجها وهي ثيب ، فكرهت ذلك ، فجاءت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فذكرت ذلك له ، فرد نكاحها .

التالي السابق


وقد جرى من ذكر خنساء في كتاب الصحابة ما فيه كفاية ، وهذا حديث صحيح مجتمع على صحته ، وعلى القول به ; لأن القائلين : لا نكاح إلا بولي يقولون : إن الثيب لا يزوجها وليها أبا كان أو غيره إلا بإذنها ورضاها ، ومن قال : ليس للولي مع الثيب أمر ، فهو أحرى باستعمال هذا الحديث ، وكذلك الذين أجازوا النكاح بغير ولي ، وقد ذكرنا القائلين بهذه الأقوال كلها ، وذكرنا وجوهها ، والاعتلال لها ، في باب عبد الله بن الفضل ، ومدار هذا الحديث ومعناه الذي من أجله ورد - أن الثيب لا يجوز عليها في نكاحها إلا ما ترضاه ، ولا أعلم مخالفا في أن الثيب لا يجوز لأبيها ولا لأحد من أوليائها إكراهها على النكاح ; إلا الحسن البصري ، فإن أبا بكر بن أبي شيبة ذكر ، قال : حدثنا ابن علية ، عن يونس ، عن الحسن أنه [ ص: 319 ] كان يقول : نكاح الأب جائز على ابنته بكرا كانت أو ثيبا ، أكرهت أو لم تكره .

وقال إسماعيل القاضي : لا أعلم أحدا قال في الثيب بقول الحسن .

وذكر عبد الرزاق ، أخبرنا معمر ، عن صالح بن كيسان ، عن نافع بن جبير بن مطعم ، عن ابن عباس : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : ليس للولي مع الثيب أمر ، وقال ابن القاسم : قال لي مالك في الأخ يزوج أخته : الثيب برضاها - والأب ينكر أن ذلك جائز على الأب . قال مالك : وماله ولها وهي مالكة أمرها ؟

وقال أبو حنيفة وأصحابه في الثيب : لا ينبغي لأبيها أن يزوجها حتى يستأمرها ، فإن أمرته زوجها ، وإن لم تأمره لم يزوجها بغير أمرها ، فإن زوجها بغير أمرها ، ثم بلغها ، كان لها أن تجيزه فيجوز ، أو تبطله فيبطل .

وقال إسماعيل بن إسحاق : أصل قول مالك في هذه المسألة أنه لا يجوز ; إلا أن يكون بالقرب ، فإنه استحسن إجازته ; لأنه كان في وقت واحد وفور واحد ، وإنما أبطله مالك ; لأن عقد الولي بغير أمر المرأة كأنه لم يكن ، ولو بلغ المرأة فأنكرت لم يكن فيه طلاق ; لأنه لم يكن هناك نكاح .

وذكر عن أبي ثابت ، عن ابن القاسم قال : ولقد سألت مالكا عن الرجل يزوج ابنه البالغ المنقطع عنه ، أو ابنته الثيب ، وهي غائبة عنه ، فيرضيان بما فعل أبوهما ، فقال مالك : لا يقام على هذا النكاح ، وإن رضيا ; لأنهما لو ماتا لم يكن بينهما ميراث ; . قال : وسألت مالكا عن [ ص: 320 ] رجل زوج أخته ، ثم بلغها فقالت : ما وكلت ، ولا أرضى ، ثم كلمت في ذلك فرضيت ; قال مالك : لا أراه نكاحا جائزا ، ولا يقام عليه حتى يستأنفا نكاحا جديدا ، إن أحبت .

وقال الشافعي وأحمد بن حنبل : ومن زوج ابنته الثيب بغير أمرها فالنكاح باطل ، وإن رضيت ، قال الشافعي : لأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يقل لخنساء : إلا أن تجيزي .

قال أبو عمر :

ليس في حديث مالك في هذا الباب ذكر بمن كانت خنساء تحته حين آمت منه ، ولا من الذي زوجها منه أبوها فكرهته ، ولا إلى من صارت بعد ذلك ، وكانت خنساء هذه تحت أنيس بن قتادة فآمت منه ، قتل عنها يوم أحد ، فزوجها أبوها رجلا من بني عوف فكرهته ، وشكت ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فرد ذلك التزويج ، ونكحت أبا لبابة بن عبد المنذر .

قرأت على خلف بن القاسم أن أبا علي سعيد بن السكن حدثهم قال : حدثنا عبد الله بن محمد بن عبد العزيز البغوي قال : حدثنا عبد الله بن عمر بن أبان الجعفي قال : حدثنا عبد الرحيم بن سليمان ، عن محمد بن إسحاق ، عن حجاج بن السائب ، عن أبيه ، عن جدته خنساء بنت خدام - : أنها كانت أيما من رجل ، فزوجها أبوها رجلا من بني عوف ، فحنت إلى أبي لبابة بن عبد المنذر ، فارتفع شأنها إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أباها أن يلحقها بهواها ، فتزوجت أبا لبابة .

[ ص: 321 ] وذكر عبد الرزاق قال : أخبرنا معمر ، عن سعيد بن عبد الرحمن الجحشي ، عن أبي بكر بن محمد : أن رجلا من الأنصار يقال له : أنيس بن قتادة تزوج خنساء بنت خدام فقتل عنها يوم أحد ، فأنكحها أبوها رجلا من بني عوف ، فجاءت إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقالت : إن أبي أنكحني رجلا ، وإن عم ولدي أحب إلي منه ، فجعل النبي - صلى الله عليه وسلم - أمرها إليها .

قال : وأخبرنا ابن جريج قال : أخبرنا عطاء الخراساني عن ابن عباس : أن خداما أبا وديعة أنكح ابنته رجلا ، فأتت النبي - صلى الله عليه وسلم - فاشتكت إليه أنها أنكحت وهي كارهة ، فانتزعها النبي - صلى الله عليه وسلم - من زوجها ، وقال : لا تكرهوهن ، فنكحت بعد ذلك أبا لبابة الأنصاري ، وكانت ثيبا قال ابن جريج : أخبرت أنها خنساء ابنة خدام ، من أهل قباء .

قال عبد الرزاق : وأخبرنا الثوري ، عن أبي الحويرث ، عن نافع بن جبير قال : آمت خنساء بنت خدام فزوجها أبوها وهي كارهة ، فأتت النبي - صلى الله عليه وسلم - فقالت : إن أبي زوجني وأنا كارهة ، وقد ملكت أمري ، قال : فلا نكاح له ، انكحي من شئت ، فرد نكاحه ، ونكحت أبا لبابة الأنصاري .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث