الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

الحديث الخامس إن كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ليخفف ركعتي الفجر

جزء التالي صفحة
السابق

286 [ ص: 39 ]

حديث سابع وخمسون ليحيى بن سعيد

مالك عن يحيى بن سعيد أن عائشة زوج النبي - صلى الله عليه وسلم - قالت : إن كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليخفف ركعتي الفجر حتى إني لأقول : أقرأ بأم القرآن أم لا .

التالي السابق


هكذا هذا الحديث ، عند جماعة الرواة للموطأ ، وقد رواه ابن عيينة وغيره ، عن يحيى بن سعيد عن محمد بن عبد الرحمن عن عمرة ، عن عائشة .

قرأت على أحمد بن عبد الله أن الميمون بن حمزة حدثهم بمصر قال : حدثنا الطحاوي قال : حدثنا المزني قال : حدثنا الشافعي وحدثنا سعيد بن نصر وعبد الوارث بن سفيان قالا : حدثنا قاسم بن أصبغ قال : حدثنا محمد بن إسماعيل قال : حدثنا الحميدي قال : حدثنا سفيان بن عيينة قال : سمعت يحيى بن سعيد قال : أخبرني محمد بن عبد الرحمن قال : سمعت عمرة تحدث عن عائشة قالت : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يخفف الركعتين قبل الفجر حتى إني لأقول هل قرأ فيهما بأم القرآن .

وهكذا رواه أبو أسامة ويزيد بن هارون وزهير بن معاوية عن يحيى بن سعيد عن محمد بن عبد الرحمن عن عمرة ، عن عائشة [ ص: 40 ] .

وهو حديث ثابت صحيح ، وقد روي عن يحيى بن سعيد عن أبي بكر بن محمد عن عمرو بن حزم وفيه نظر .

وقد رواه هشام بن عروة عن أبيه ، عن عائشة ذكره البزار عن محمد بن المثنى قال : حدثنا عبد الله بن داود وعبد الوهاب الثقفي عن هشام بن عروة عن أبيه ، عن عائشة فذكره .

وفيه من الفقه دليل على أن قراءة أم القرآن لا بد منها في كل صلاة نافلة ، وغيرها ، وأنها تجزئ مما سواها ، وفي قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : لا صلاة لمن لم يقرأ فيها بفاتحة الكتاب ، و كل صلاة لا يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج - ما يغني ، عن الاستدلال بما ذكرنا ، والحمد لله .

وقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه كان يقرأ في ركعتي الفجر بـ ( قل ياأيها الكافرون ) ، و ( ) قل هو الله أحد ( من حديث عائشة ، وحديث ابن عمر وحديث أبي هريرة وحديث ابن مسعود وكلها صحاح ثابتة ، لكن المعنى فيها أن ذلك كان مع أم القرآن بدليل ما ذكرنا من قوله - صلى الله عليه وسلم - : لا صلاة لمن لم يقرأ فيها بفاتحة الكتاب ، وهي خداج ، ولا حجة في ذلك لمن ذهب إلى أن أم القرآن ، وغيرها سواء لأن حديثه في ) قل ياأيها الكافرون ( ) ، و ( قل هو الله أحد ) مرتب على ما ذكرنا ، وهذا بين لمن ألهم رشده .

أخبرنا سعيد بن سيد وعبد الله بن محمد بن يوسف وخلف بن سعيد قالوا : حدثنا عبد الله بن محمد بن علي قال : حدثنا أحمد [ ص: 41 ] بن خالد قال : حدثنا إبراهيم بن محمد حدثنا عون بن يوسف حدثنا علي بن زياد حدثنا سفيان عن هشام بن حسان عن ابن سيرين عن عائشة قالت : صلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الركعتين قبل صلاة الفجر فقرأ فيهما ( قل ياأيها الكافرون ) ، و ( قل هو الله أحد .

قال أحمد بن خالد بهذا آخذ .

وأخبرنا عبد الله بن محمد قال : حدثنا عبد الحميد بن أحمد قال : حدثنا الخضر بن داود قال : حدثنا الأثرم قال : حدثنا قبيصة حدثنا سفيان ، عن هشام بن حسان عن ابن سيرين عن عائشة قالت : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقرأ في الركعتين قبل الفجر بـ ) قل ياأيها الكافرون ( ) ، و ( قل هو الله أحد ) فيسر القراءة فيهما .

حدثنا سعيد بن نصر قال : حدثنا قاسم بن أصبغ قال : حدثنا ابن وضاح قال : حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال : حدثنا عبد الله بن إدريس عن هشام عن ابن سيرين عن عائشة : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يقرأ في ركعتي الفجر ( قل ياأيها الكافرون ) ، و ( ) قل هو الله أحد ( يسر فيهما القراءة .

وحدثنا عبد الوارث قال : حدثنا قاسم قال : حدثنا بكر بن حماد قال : حدثنا مسدد قال : حدثنا أبو الأحوص قال : حدثنا أبو إسحاق عن مجاهد عن ابن عمر قال : سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أكثر من عشرين مرة يقرأ في الركعتين بعد المغرب ، والركعتين قبل الفجر ) قل ياأيها الكافرون ( ) ، و ( قل هو الله أحد ) [ ص: 42 ] .

حدثنا خلف بن القاسم قال : حدثنا عبد الله بن محمد بن الخصيب القاضي قال : حدثنا محمد بن نصر بن منصور أبو جعفر الصائغ وحدثنا عبد الله بن محمد قال : حدثنا محمد بن بكر قال : حدثنا أبو داود وحدثنا يحيى بن عبد الرحمن وسعيد بن نصر قالا : حدثنا ابن أبي دليم قال : حدثنا ابن وضاح وحدثنا عبد الوارث قال : حدثنا قاسم قال : حدثنا ابن وضاح وحدثنا أحمد بن قاسم بن عبد الرحمن قال : حدثنا محمد بن معاوية قال : حدثنا أحمد بن الحسن بن عبد الجبار الصوفي قالوا كلهم : حدثنا يحيى بن معين قال : حدثنا مروان بن معاوية قال : أخبرنا يزيد بن كيسان عن أبي حازم عن أبي هريرة : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قرأ في ركعتي الفجر ، وقال بعضهم : كان يقرأ في ركعتي الفجر ( قل ياأيها الكافرون ) ، و ( قل هو الله أحد ) .

وحدثنا عبد الوارث قال : حدثنا قاسم قال : حدثنا أبو يحيى بن أبي مسرة قال : حدثنا بدل بن المحبر قال : حدثنا عبد الملك بن الوليد بن معدان الضبعي عن عاصم بن بهدلة عن زر وأبي وائل عن عبد الله قال : ما أحصي ما سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقرأ في ركعتي المغرب ، وركعتي الفجر ( قل ياأيها الكافرون ) ، و ( قل هو الله أحد ) [ ص: 43 ] .

قال أبو عمر : إنما قراءته لهاتين السورتين في ركعتي الفجر كقراءته فيهما الآية من البقرة ، والآية من آل عمران ، وذلك كله مع أم القرآن ، والله أعلم .

وأخبرنا عبد الله بن محمد قال : حدثنا محمد بن بكر قال : حدثنا أبو داود قال : حدثنا أحمد بن يونس حدثنا زهير حدثنا عثمان بن حكيم قال : أخبرني سعيد بن يسار عن عبد الله بن عباس أن : كثيرا ما كان يقرأ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في ركعتي الفجر : ( قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا ) هذه الآية قال : هذه في الركعة الأولى ، وفي الركعة الآخرة ( آمنا بالله واشهد بأنا مسلمون ) .

وذكر أبو بكر بن أبي شيبة عن أبي خالد الأحمر عن عثمان بن حكيم عن سعيد بن يسار عن ابن عباس وقال فيه : ( قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا ) ، والتي في آل عمران ( تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ) ( .

حدثنا عبد الوارث قال : حدثنا قاسم قال : حدثنا إسحاق بن الحسن الحربي حدثنا أبو الوليد حدثنا حماد بن سلمة عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر عن حفصة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يخففهما يعني الركعتين قبل الفجر [ ص: 44 ] .

قال أبو عمر : في مراعاة العلماء من الصحابة ، والسلف الصالح ، واهتبالهم بركعتي الفجر ، وتخفيفهما ، وما يقرأ فيهما مع مواظبة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عليهما ، وحضه أمته عليهما ، وأمره إعادتهما بعد وقتهما دليل على أنهما من مؤكدات السنن ، وعلى ما ذكرت لك جمهور الفقهاء إلا أن من أصحابنا من يأبى أن تكون سنة ، وقال : هما من الرغائب ، وليستا بسنة ، وهذا لا وجه له فيشتغل به .

حدثنا سعيد بن نصر قال : حدثنا قاسم بن أصبغ قال : حدثنا ابن وضاح قال : حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا حفص بن غياث عن ابن جريج عن عطاء عن عبيد بن عمير عن عائشة ، قالت : ما رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يسرع إلى شيء من النوافل إسراعه إلى ركعتي الفجر ، - ولا إلى غنيمة .

وحدثنا عبد الوارث قال : حدثنا قاسم قال : حدثنا بكر قال : حدثنا مسدد قال : حدثنا يحيى عن ابن جريج قال : أخبرني عطاء عن عبيد بن عمير عن عائشة قالت : إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يكن على شيء من النوافل أشد معاهدة منه على الركعتين قبل الفجر [ ص: 45 ] .

قال أبو عمر : هذا يدل على أنهما أوكد من الوتر ; لأن الوتر من صلاة الليل فإنما هو وتر صلاة الليل ، وصلاة الليل نافلة بإجماع المسلمين ، وقال الله عز وجل ومن الليل فتهجد به نافلة لك

فلما كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أشد تعاهدا ، ومواظبة ، وإسراعا إلى ركعتي الفجر منه إلى سائر النوافل دل على تأكيدها ، وإنما تعرف مؤكدات السنن بمواظبة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عليها ; لأن أفعاله كلها سنن ، صلوات الله وسلامه عليه ، ولكن بعضها أوكد من بعض ، ولا يوقف على ذلك إلا بما واظب عليه ، وندب إليه منها ، وبالله التوفيق .

وممن قال إن ركعتي الفجر سنة مؤكدة - مالك فيما روى عنه أشهب وعلي بن زياد وهو قولهما ، وقول الشافعي وأحمد بن حنبل وإسحاق وداود وجماعة أهل الفقه والأثر فيما علمت لا يختلفون في ذلك ، واستدل بعضهم على تأكيدها بقضاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لها حين نام على صلاة الفجر ، ولم يقض شيئا من السنن غيرها بعد انقضاء وقتها .

حدثنا عبد الوارث قال : حدثنا قاسم قال : حدثنا بكر قال : حدثنا مسدد قال : حدثنا أبو عوانة عن قتادة عن زرارة بن أوفى عن سعد بن هشام عن عائشة قالت : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها [ ص: 46 ] .

وأما أقاويل الفقهاء في القراءة في ركعتي الفجر .

فقال مالك : أما أنا فلا أزيد فيهما على أم القرآن في كل ركعة لحديث عائشة المذكور في هذا الباب رواه ابن القاسم عنه .

وقال ابن وهب عنه : لا يقرأ فيهما إلا بأم القرآن .

وقال الشافعي : يخفف فيهما ، ولا بأس أن يقرأ مع أم القرآن سورة قصيرة .

وروى ابن القاسم عن مالك أيضا مثله .

وقال الثوري : يخفف فإن فاته شيء من حزبه بالليل فلا بأس أن يقرأه فيهما ، ويطول .

وقال أبو حنيفة : ربما قرأت في ركعتي الفجر حزبين من القرآن ، وهو مذهب أصحابه .

قال أبو عمر : السنة تشهد لقول مالك والشافعي في هذا الباب ، والله الموفق للصواب



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث