الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

الحديث الثاني عشر إن الرجل ليصلي الصلاة وما فاتته

جزء التالي صفحة
السابق

23 [ ص: 75 ]

حديث رابع وستون ليحيى بن سعيد

767 مالك عن يحيى بن سعيد أنه قال : إن الرجل ليصلي الصلاة ، وما فاتته ، ولما فاته من وقتها أعظم ، أو أفضل من أهله وماله .

التالي السابق


وهذا موقوف في الموطأ ، ويستحيل أن يكون مثله رأيا فكيف ، وقد روي مرفوعا بإسناد ليس بالقوي .

حدثنا أحمد بن قاسم بن عيسى المقرئ قال : حدثنا عبيد الله بن محمد بن حبابة ببغداد قال : حدثنا عبد الله بن محمد بن عبد العزيز البغوي قال : حدثني جدي قال : حدثنا يعقوب بن الوليد عن ابن أبي ذئب عن المقبري عن أبي هريرة قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : إن أحدكم ليصلي الصلاة ، وما فاته من وقتها أشد عليه من أهله وماله .

وهذا يدل على أن أول الوقت أفضل ، وكان مالك فيما حكى ابن القاسم عنه : لا يعجبه قول يحيى بن سعيد هذا [ ص: 76 ] .

قال أبو عمر : أظن ذلك ، والله أعلم من أجل قوله - صلى الله عليه وسلم - ما بين هذين وقت .

فجعل والذي يصح عندي من ترك مالك الإعجاب بهذا أول الوقت ، وآخره وقتا ، ولم يقل : إن أوله أفضل الحديث لأن فيه ، وما فاته من وقتها أفضل من أهله وماله ، أو أشد عليه من ذهاب أهله وماله .

وهذا اللفظ قد ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال فيمن فاتته صلاة العصر فوتا ، عند أهل العلم كليا حتى يخرج وقتها كله ، ولا يدرك منها ركعة قبل الغروب ، وهذا المعنى يعارض ظاهر قوله في هذا الحديث ، وما فاتته ، ولما فاته من وقتها ؛ لأن قوله فاته وقتها غير قوله فاته من وقتها ، فكأن مالكا رحمه الله لم ير أن بين أول الوقت ، ووسطه ، وآخره من الفضل ما يشبه مصيبة من فاته ذلك بمصيبة من ذهب أهله وماله ؛ لأن ذلك إنما ورد في ذهاب الوقت كله .

هذا عندي معنى قول مالك والله أعلم لأن في هذا الحديث أن فوات بعض الوقت كفوات الوقت كله ، وهذا لا يقوله أحد من العلماء لا من فضل أول الوقت على آخره ، ولا من سوى بينهما ؛ لأن فوت بعض الوقت مباح ، وفوت الوقت كله لا يجوز ، وفاعله عاص لله إذا تعمد ذلك ، وليس كذلك من صلى في وسط الوقت وآخره ، وإن كان من صلى في أول الوقت أفضل منه ، وتدبر هذا تجده كذلك إن شاء الله .

قال أبو عمر : من فضل أول الوقت فله دلائل وحجج قد ذكرناها في مواضع من هذا الكتاب ، والحمد لله ، وهذا الحديث من أحسنها ، والوجه فيه أنه [ ص: 77 ] غير معارض لحديث ابن عمر ؛ لأن الإشارة في حديث هذا الباب إلى تفضيل أول الوقت ، وتعظيم عمل الصلاة ، والبدار إليها فيه ، والتحقير للدنيا يقول : إن من ترك الصلاة إلى آخر وقتها ، وهو قادر على فعلها فقد ترك من الفضل ، وعظيم الأجر ما هو أعظم ، وأفضل من أهله وماله ؛ لأن قليل الثواب في الآخرة فوق ما يؤتى المرء في الدنيا من الأهل ، والمال ، ولموضع سوط في الجنة خير من الدنيا وما فيها ، ويدلك على ما ذكرنا حديث العلاء عن أنس مرفوعا : تلك صلاة المنافقين يعيب تارك العصر إلى اصفرار الشمس من غير عذر ، وحكم صلاة الصبح ، وصلاة العشاء كحكم صلاة العصر عند العلماء ; لأنها لا تشترك مع غيرها بعدها ، فحديث هذا الباب ورد في تفضيل الصلاة لأول وقتها على ما ذكرنا لا أن فاعل ذلك كمن وتر أهله وماله ، والله أعلم .

وقد مضى القول في معنى قوله عليه السلام من فاتته صلاة العصر فكأنما وتر أهله وماله في باب نافع من كتابنا هذا ، والحمد لله .

قرأت على عبد الوارث بن سفيان أن قاسم بن أصبغ حدثهم قال : حدثنا محمد بن عبد السلام الخشني قال : حدثنا محمد بن بشار قال : حدثنا عثمان بن عمر قال : حدثنا مالك بن مغول عن الوليد بن العيزار عن أبي عمرو الشيباني عن عبد الله قال : سألت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : أي العمل أفضل ؟ قال : الصلاة في أول وقتها . [ ص: 78 ] .

قال ، وحدثنا عثمان بن عمر قال : حدثنا المسعودي عن عبد الملك بن عمير عن أبي حثمة عن الشفا أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : أفضل العمل الصلاة على أول وقتها .

قال ، وحدثنا عثمان بن عمر قال : حدثنا عبيد الله بن عمر عن القاسم بن غنام عن بعض أمهاته ، عن أم فروة أنها سألت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : أي العمل أفضل ؟ فقال : الصلاة في أول وقتها .

وروى الليث بن سعد عن عبيد الله بن عمر عن القاسم بن غنام عن جدته الدنيا ، عن جدته القصوى أم فروة ، وكانت من المبايعات : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - سئل : أي الأعمال أفضل ؟ فقال : الصلاة لأول وقتها .

وهذه الآثار قد عارضها من صحيح الآثار ما هو مذكور في موضعه من هذا الكتاب إن شاء الله



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث